الجنرال البارزاني الخالد... القائد الذي لم يملك شيئاً وأورث شعبه سيادةً

الجنرال البارزاني الخالد... القائد الذي لم يملك شيئاً وأورث شعبه سيادةً
الجنرال البارزاني الخالد... القائد الذي لم يملك شيئاً وأورث شعبه سيادةً

في قلب جبال بارزان الشاهقة ولد ملا مصطفى البارزاني في 14 أذار عام 1903 في لحظة تاريخية كان فيها الشرق الأوسط يعاد رسمه بالدم والبارود لم تكن طفولته ترفاً بل كانت معمودية بالنار فمنذ ربيعه الثالث وجد نفسه أسيراً مع والدته في سجون الموصل ليتعلم مبكراً أن الحرية ليست هبة بل استحقاق يُنتزع.

ترعرع البارزاني في مدرسة  بارزان التي زاوجت بين التصوف الروحاني وبين الالتزام القومي فصقلت الجبال جسده وصقلت المظالم روحه انطلقت مسيرته من ثائر محلي ليصبح الجنرال الذي هزّ عروش الإمبراطوريات لا سيما حين نال رتبته الرسمية في جمهورية مهاباد عام 1946 ليحول الحلم الكوردي من أساطير جبلية إلى واقع جيوسياسي  يعترف به الخصوم قبل الأصدقاء هذا القائد الذي مشى آلاف الكيلومترات سيراً على الأقدام نحو الاتحاد السوفيتي، لم يكن يطارد مجداً شخصياً بل كان يؤسس لمفهوم السيادة العابرة للحدود التي نراها اليوم. 

في الرابع عشر من آذار حين نستحضر ميلاد الجنرال ملا مصطفى بارزاني الخالد فنحن لا نحيي ذكرى تاريخية فحسب بل نفكك شفرة النموذج الكوردستاني الذي يثبت اليوم وسط زلازل الشرق الأوسط في عام 2026 أنه كان نتاج رؤية استشرافية تجاوزت زمنها بقرون إن التحليل السياسي العميق لشخصية الجنرال بارزاني يكشف عن معمار جيوسياسي استطاع تحويل القضية الكوردية من حركات احتجاجية مبعثرة إلى استحقاق دولي وذلك عبر المزاوجة بين البراغماتية الواقعية في محاورة القوى العظمى وبين الصلابة المبدئية في حماية النسيج المجتمعي وتبرز عبقرية الجنرال في كونه أول من أرسى دعائم الأنسنة في العمل الثوري ففي الستينيات وبينما كانت المنطقة تغرق في الصراعات الصفرية فتح البارزاني أبواب منطقة ناوكور الجبلية لبعثات اللجنة الدولية للصليب الأحمر والوفود الطبية من فرنسا وسويسرا مؤكداً أن شرعية السلاح تسقط إن لم تحصنها شرعية القيم والقانون الدولي الإنساني هذا الإدراك المبكر هو ما يفسر تحول إقليم كوردستان اليوم إلى مركز جذب للبعثات الدبلوماسية إذ إن بذور الاعتراف الدولي غرسها البارزاني حين رفض أن تكون الثورة مجرد فعل عسكري بل جعلها مشروع دولة مؤسسات تحت التأسيس.

وعلى صعيد الداخل لم تكن البارزانية يوماً أيديولوجيا إقصائية بل كانت ميثاقاً للتعايش الديني والقومي يسبق مفاهيم المواطنة الحديثة ففي تلك الجبال كانت حماية المسجد بقدسيته الوسطية وصيانة الكنيسة بوقارها تنبع من عقيدة واحدة صاغها الجنرال في مقولته التاريخية التي لا تزال بوصلة للإقليم "المسيحيون هم إخوتنا في الأرض والمصير ومن يعتدي على كنيسة فكأنه اعتدى على بيتي ومن يمس حرمة مسجد فقد خان عهدنا".

هذا النفس الإنساني لم يتوقف عند حدود الأديان بل امتد ليشكل فلسفة التعامل مع الآخر القومي وتحديداً العرب والتركمان ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظمة الشمولية تمارس سياسات الإقصاء كان البارزاني يُكرم أسرى الجيش العراقي ويعيدهم إلى أهاليهم في الجنوب والفرات الأوسط كرسل سلام مؤكداً أن الخصومة هي مع الاستبداد لا مع الشعوب.

إن لقاءه التاريخي بالرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة عام 1958 ومراسلاته مع الملك فيصل وقادة المجتمع الدولي لم تكن مجرد بروتوكول بل كانت صياغة لمفهوم تآخي الأحرار الذي نراه يتجسد اليوم في دور الإقليم كصمام أمان لاستقرار المنطقة  بالنظر إلى الواقع الجيوسياسي الراهن نجد أن قدرة الإقليم على المناورة وصياغة سيادة مؤسساتية رقمية واقتصادية هي الامتداد الطبيعي لـ البراغماتية التي لا تبيع المبادئ التي انتهجها البارزاني الخالد في حواره مع هنري كيسنجر وغيره من مهندسي السياسة الدولية لقد أثبت الجنرال للعالم أن القضية الكردية ليست ملف لاجئين بل هي استحقاق سياسي لشعب حي يمتلك رصيداً سيادياً مكنه من تحويل الجبال من حصون عسكرية إلى منصات للرقمنة والمؤسساتية وتتجلى القوة السياسية في إرثه بأن السيادة لا تُبنى فقط بالتحالفات الكبرى بل بالنزاهة التي تجعل من القائد رمزاً عابراً للحدود ففي زمن تنهار فيه الأنظمة وتتغير الخرائط تظل البارزانية هي المعادلة المستعصية على الكسر لأنها ربطت مصير الإقليم بالاستقرار الكوني وبالقيم الإنسانية المطلقة. 

إن الوفاء لهذا الإرث في ذكرى ميلاده يكمن في إدراك الحقيقة الدبلوماسية الكبرى أن إقليم كوردستان اليوم ليس مجرد كيان دستوري بل هو ضرورة جيوسياسية ومركز ثقل أخلاقي في قلب الشرق الأوسط استمد شرعيته من زعيم زهد في حطام الدنيا ليورث شعبه دولة القيم التي لا تغيب عنها الشمس وليثبت للعالم أن القادة العظام لا يُقاسون بما ملكوا بل بما استطاعوا حمايته من كرامة إنسانية واستحقاق وطني مؤمناً دوماً بأن: "أنا لا أحارب من أجل منصبي أو مجدي الشخصي بل أحارب لكي يعيش طفلي وطفلك في أمان وحرية فالحقوق التي تُبنى على العدل لا تموت أبداً".