سیاسة
أ.د نزار خورشيد مامه
أ.د نزار خورشيد مامه

محرر

نهاية المواجهة تقترب: العراق أمام فرصة أخيرة… وكردستان في موقع القوة

نهاية المواجهة تقترب: العراق أمام فرصة أخيرة… وكردستان في موقع القوة
نهاية المواجهة تقترب: العراق أمام فرصة أخيرة… وكردستان في موقع القوة

مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تدخل المنطقة مرحلة مفصلية لن تقتصر نتائجها على ميدان المعركة، بل ستطال شكل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط بأكمله.

المؤكد حتى الآن أن هذه الحرب لن تنتهي بإسقاط النظام الإيراني، لكنها تتجه بوضوح نحو تقليص نفوذه الإقليمي، خاصة عبر إضعاف الأذرع المسلحة التي اعتمدت عليها طهران في عدد من الدول، وفي مقدمتها العراق.

وهذا التحول، إذا استمر، قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها: 

عودة الدولة، وتراجع السلاح خارج مؤسساتها.

العراق… لحظة اختبار حقيقية

يقف العراق اليوم أمام فرصة نادرة قد لا تتكرر لسنوات طويلة، دفع العراقيون ثمن الصراعات الإقليمية، وتحول بلدهم إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. 

فقد أضعف تعدد مراكز القوة، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، السيادة، وأدخلا البلاد في أزمات متلاحقة اليوم، ومع احتمال تراجع النفوذ الخارجي، تبرز فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر توازنًا، لكن هذه الفرصة مشروطة:
فإما أن تتحول إلى مشروع سياسي حقيقي يعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة،
أو تضيع كما ضاعت فرص سابقة.

كردستان… عامل استقرار في زمن الاضطراب

في مقابل هذا المشهد المضطرب، يبرز إقليم كردستان كنموذج مختلف داخل العراق.

فقد حافظ الإقليم، على الرغم من التحديات الكثيرة، على الاستقرار، ونجح في بناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وهو ما يجعله اليوم في موقع متقدم في مرحلة ما بعد الحرب.

ولا يمثل هذا الاستقرار مكسبًا داخليًا فحسب، بل يشكل عنصر قوة للعراق ككل، ويفتح الباب أمام دور أكبر للإقليم في الاقتصاد الإقليمي، سواء في مجالات الطاقة أو الاستثمار أو التجارة.

وفي وقت تتراجع فيه الثقة في بيئات كثيرة في المنطقة، يبقى إقليم كردستان نقطة جذب مهمة، بفضل الاستقرار والأمن والانفتاح.

تحديات لا يمكن تجاهلها

مع ذلك، لا تخلو المرحلة المقبلة من مخاطر التوترات الإقليمية، خصوصًا على الحدود مع إيران، التي قد تنعكس أمنيًا، كما أن أي فراغ في مناطق الصراع قد يخلق تحديات جديدة.

لكن الفارق أن الإقليم يمتلك أدوات أفضل للتعامل مع هذه التحديات، مقارنة ببقية مناطق العراق.

ما بعد الحرب… من يلتقط اللحظة؟

المنطقة لا تتغير فحسب، بل تُعاد صياغتها بسرعة غير مسبوقة، حيث تتراجع موازين وتتشكل أخرى، وتُرسم خطوط نفوذ جديدة لن تكون كما كانت في السابق. في مثل هذه اللحظات التاريخية، لا مكان للحياد السلبي، ولا مجال لترف الانتظار. الدول التي تمتلك رؤية واضحة وإرادة سياسية حقيقية هي وحدها القادرة على تثبيت موقعها في الخارطة الجديدة، أما تلك التي تبقى أسيرة الانقسامات الداخلية وصراعات النفوذ، فلن تكون سوى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية.

ويقف العراق اليوم أمام اختبار مصيري لا يقبل التأجيل. لم يعد السؤال كيف يتجنب الأزمات؟ بل كيف يخرج من دوامة الارتهان؟ 

والخيار واضح: إما أن يستعيد قراره الوطني، ويعيد بناء مؤسساته على أساس السيادة وحصر السلاح بيد الدولة، أو يستمر في الدور الذي أُريد له أن يلعبه منذ سنوات، كأرض تُدار عليها صراعات الآخرين.

وفي خضم هذا المشهد، يبرز إقليم كردستان بوصفه أحد أهم عناصر التوازن والاستقرار. لقد أثبت، مرة بعد أخرى، أن الاستقرار ليس صدفة، بل خيار سياسي وإداري واعٍ، وأن بناء نموذج قابل للحياة في منطقة مضطربة ليس أمرًا مستحيلًا. هذا النموذج لا يخدم الإقليم وحده، بل يقدم للعراق كله فرصة لإعادة التفكير في شكل الدولة التي يريدها.

لكن الفرص، كما يعلم الجميع، لا تنتظر طويلًا. فالتحولات الجارية لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية، ومن لا يملك القدرة على التقاط اللحظة، سيفرض عليه موقعه الجديد من قبل الآخرين.

لذلك لم يعد السؤال : ماذا سيحدث بعد الحرب؟

بل السؤال الحقيقي هنا هو: من يملك الجرأة والرؤية، ليكون جزءًا من المرحلة القادمة، لا مجرد متأثر بها؟