أ.د نزار خورشيد مامه
محرر
حين تتحول الهجمات إلى سياسة: ماذا تفعل الميليشيات بإقليم كوردستان؟
لم يعد ما يجري مجرد حوادث متفرقة يمكن وضعها في خانة “التوترات العابرة”.
الهجمات التي تُنفَّذ بين فترة وأخرى لم تعد تُفهم كرسائل أمنية فقط، بل كجزء من نمط ثابت: ضغطٌ مستمر، واختبارٌ دائم لحدود الإقليم.
المشكلة أن هذا النوع من الهجمات لا يُقاس بعدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، بل بما يتركه خلفه من أثر.
الأثر الحقيقي يظهر في مكان آخر: في الاقتصاد، في ثقة الناس، وفي صورة الإقليم كمنطقة يمكن أن تُبنى فيها حياة طبيعية.
أي مستثمر يفكر بالدخول إلى السوق هنا، لا يسأل أولًا عن الفرص، بل عن الاستقرار.
وأي عائلة تفكر بالبقاء أو العودة، لا تنظر فقط إلى الرواتب أو الخدمات، بل إلى الإحساس بالأمان.
وهنا تحديدًا تضرب هذه الهجمات هدفها الأعمق.
لأن الرسالة ليست دائمًا عسكرية… بل نفسية.
في كل مرة يقع فيها استهداف، حتى لو كان محدودًا، يتكرّس شعور بأن الإقليم مكشوف.
وأن هناك من يستطيع، في أي لحظة، أن يعيد خلط الأوراق.
هذا الشعور بحد ذاته كافٍ ليُبطئ الاقتصاد، ويُربك القرار، ويخلق حالة ترقّب دائمة.
لكن القصة لا تتوقف عند الداخل فقط، فهذه الهجمات تضع الإقليم أيضًا في موقع حرج على مستوى العلاقة مع بغداد.
لأن السؤال يتكرر: من يضبط السلاح خارج إطار الدولة؟
وحين لا يكون هناك جواب واضح، تتحول المشكلة إلى أزمة ثقة سياسية، لا مجرد خلل أمني.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن هناك مسارًا واضحًا داخل حكومة الإقليم لمحاولة التعامل مع هذا الواقع بطريقة مختلفة:
ليس فقط عبر الإجراءات الأمنية، بل عبر إدارة أوسع للملف.
الحكومة تحاول أن تبني معادلة تقوم على ثلاث نقاط:
تقوية الجبهة الداخلية، تحريك المسار الدبلوماسي، وعدم الانجرار إلى ردود فعل متسرعة قد تفتح أبوابًا أكبر من القدرة على السيطرة.
في هذا السياق، يبرز دور رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني بشكل مباشر.
ليس من زاوية الخطاب فقط، بل من زاوية إدارة الأزمة.
التعامل مع هذا النوع من التهديدات ليس سهلًا، لأنه لا يأتي من طرف واحد، ولا يتحرك وفق قواعد واضحة.
ومع ذلك، هناك محاولة واضحة للحفاظ على الاستقرار الداخلي، مع إبقاء الملف حاضرًا في النقاشات مع بغداد ومع الأطراف الدولية.
قد لا تكون النتائج مثالية، لكن البديل عن هذا المسار كان سيعني شيئًا آخر تمامًا:
فوضى مفتوحة، أو انجرارًا إلى صراع لا يخدم أحدًا داخل الإقليم.
المعادلة هنا دقيقة جدًا:
كيف ترد دون أن تتورط؟ وكيف تحمي الداخل دون أن تفتح جبهات جديدة؟
المشكلة أن هذا التوازن، مهما كان محسوبًا، يبقى هشًا، لأن الطرف الآخر لا يتحرك بالمنطق نفسه، ولا يلتزم بالقواعد ذاتها، ولهذا، فإن استمرار هذه الهجمات لا يعني فقط استمرار التهديد الأمني، بل يعني استنزافًا تدريجيًا لكل شيء: الاقتصاد والثقة وحتى الإحساس العام بالاستقرار.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن:
إلى متى يمكن إدارة هذا الوضع بهذه الطريقة؟
الإقليم نجح خلال سنوات في تقديم نفسه كنقطة استقرار نسبي في منطقة مضطربة، لكن هذا الإنجاز لا يمكن الحفاظ عليه إذا بقيت هذه الهجمات بلا أفق واضح للحل.
ما يحدث اليوم ليس مجرد ضغط أمني عابر يمكن احتواؤه بإجراءات ميدانية مؤقتة، بل هو اختبار مركّب لقدرة الإقليم على الصمود في بيئة إقليمية لا تعترف بالثبات، وتتحرك وفق حسابات متغيّرة ومفتوحة على كل الاحتمالات. فالمسألة لم تعد تتعلق بصدّ هجوم هنا أو احتواء حادث هناك، بل بمدى قدرة الإقليم على حماية نموذجه السياسي والاقتصادي في ظل هذا الإيقاع المضطرب.
هذا النوع من التحديات يكشف بسرعة مكامن القوة والضعف معًا.
يكشف مدى تماسك الداخل، وصلابة المؤسسات، وقدرة القرار السياسي على التحرك بهدوء تحت الضغط، دون أن يفقد اتجاهه. وفي الوقت نفسه، يختبر شبكة العلاقات الخارجية: إلى أي حد يمكن تحويلها من مجرد قنوات تواصل إلى أدوات دعم حقيقية عند الحاجة.
وفي مثل هذا السياق، يصبح التعامل مع الحدث بوصفه “حادثًا منفصلًا” خطأً مكلفًا.
لأن التكرار بحد ذاته هو الرسالة.
وإذا بقي الرد محصورًا في الإطار الأمني الضيق، فإن النتيجة ستكون إدارة أزمة مستمرة، لا حلًّا لها.
المطلوب هنا أعمق من الاحتواء؛ المطلوب هو إعادة صياغة المعادلة.
معادلة تجعل كلفة الاستهداف أعلى من جدواه، وتُنهي فكرة أن الإقليم ساحة سهلة لتبادل الرسائل. وهذا لا يتحقق فقط عبر القوة، بل عبر مزيج من الحضور السياسي الفاعل، والتحرك الدبلوماسي الذكي، وبناء موقف داخلي متماسك لا يترك ثغرات يمكن النفاذ منها.
لأن الحقيقة التي تفرض نفسها هي هذه:
إذا بقيت الهجمات تتكرر دون تغيير في قواعد اللعبة، فإن الخطر لا يكمن في كل ضربة على حدة، بل في ما تُراكمه من أثر بطيء يقوّض الاستقرار من الداخل.
أما إذا فُرضت معادلة جديدة، فحينها فقط يمكن القول إن الإقليم لم يعد يتعامل مع التهديد… بل بدأ يُعيد تعريفه.