سیاسة
أ.د نزار خورشيد مامه
أ.د نزار خورشيد مامه

محرر

بين “الاثنين الحاسم” و”الثلاثاء الأسود”: إيران على مفترق سيناريوهين

بين “الاثنين الحاسم” و”الثلاثاء الأسود”: إيران على مفترق سيناريوهين
بين “الاثنين الحاسم” و”الثلاثاء الأسود”: إيران على مفترق سيناريوهين

مع اقتراب انتهاء المهلة التي حدّدها دونالد ترامب لإيران، يتصاعد منسوب التوتر إلى مستوى غير مسبوق، وتتجه الأنظار إلى ما سُمّي بـ”الثلاثاء الأسود”، حيث لوّح بخيارات قاسية قد تستهدف البنية التحتية الحيوية، من جسور ومحطات توليد الكهرباء. في هذه اللحظة المشحونة، لا تبدو المسألة مجرد تصعيد إعلامي، بل اختباراً حقيقياً لحدود القوة، وحدود الصبر، وحدود الحسابات الإقليمية والدولية.

السيناريوهات المطروحة ليست كثيرة، لكنها ثقيلة الوطأة. أولها، ما يمكن تسميته بـ”النموذج الياباني”، في استحضار لنهاية الحرب العالمية الثانية حين قبلت اليابان بالاستسلام تحت ضغط القوة الساحقة، حفاظاً على ما تبقى من الدولة والمجتمع. في هذا المسار، قد تلجأ إيران إلى امتصاص الصدمة، والقبول بشروط قاسية مرحلياً، لتفادي تدمير واسع للبنية التحتية قد يعيد البلاد سنوات إلى الوراء. هذا الخيار، رغم مرارته، يحمل في طياته براغماتية سياسية تُفضّل بقاء الدولة على استمرار المواجهة المفتوحة.

أما السيناريو الثاني، فهو “النموذج الألماني”، حيث الإصرار حتى اللحظة الأخيرة، كما حدث في سقوط برلين، حين اختارت ألمانيا النازية المواجهة حتى الانهيار الكامل. في هذا السياق، قد ترى طهران أن التراجع يُعدّ هزيمة استراتيجية تمسّ جوهر مشروعها الإقليمي، فتذهب نحو تصعيد مضاد، يفتح الباب أمام مواجهة أوسع، قد لا تقتصر على الداخل الإيراني، بل تمتد إلى مسارح متعددة في المنطقة.

غير أن حصر الخيارات بهذين النموذجين، رغم قوتهما الرمزية، قد يُغفل سيناريو ثالثاً أكثر واقعية: “التصعيد المحسوب”. وهو مسار يعتمد على تبادل ضربات محدودة، ورسائل قوة متبادلة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا السيناريو ينسجم مع طبيعة الصراعات الحديثة، حيث تُدار الحروب على حافة الهاوية، دون السقوط فيها بالكامل.

المعضلة الحقيقية لا تكمن فقط في قرار إيران، بل في حسابات الولايات المتحدة نفسها. فالتلويح بتدمير البنية التحتية يطرح تساؤلات حول كلفة هذا الخيار، ليس فقط على الطرف المستهدف، بل على استقرار المنطقة برمتها، وعلى أسواق الطاقة، وعلى شبكة التحالفات الدولية.

في النهاية، “الثلاثاء الأسود” قد لا يكون بالضرورة يوم الانفجار الكبير، بل لحظة اختبار للإرادات. فإما أن تُترجم التهديدات إلى أفعال تُغيّر قواعد اللعبة، أو تُعاد صياغتها ضمن توازنات أكثر حذراً.

التاريخ يُظهر أن الدول، حتى في أقسى لحظاتها، لا تختار دائماً بين الاستسلام الكامل أو الانتحار الكامل. أحياناً، تختار البقاء  ولو على حافة النار.