أ.د نزار خورشيد مامه
محرر
العراق... بين تحديات الدولة وضغوط المليشيات… والإقليم في معادلة الشراكة الصعبة
لم يعد توصيف الواقع العراقي اليوم ترفًا تحليليًا، بل ضرورة لفهم عمق الأزمة التي تعصف ببنية الدولة. فالعراق، الذي يفترض أن يكون دولة ذات سيادة ومؤسسات، يجد نفسه عالقًا في منطقة رمادية بين مفهوم الدولة ومصطلح "اللادولة"، حيث تتآكل السلطة الرسمية لصالح قوى موازية تمتلك السلاح والنفوذ والقرار.
لقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا واضحًا في نفوذ المليشيات المسلحة المرتبطة بإيران، والتي لم تعد مجرد فواعل أمنية أو تشكيلات رديفة، بل تحولت إلى مراكز قوة تتحكم في مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية. هذه المليشيات لم تكتفِ بتقويض سيادة الدولة، بل أعادت تشكيلها بما يتوافق مع مصالحها، حتى باتت الحكومة في كثير من الأحيان عاجزة عن اتخاذ قرارات مستقلة بعيدًا عن تأثيرها.
تكمن خطورة هذا الواقع في أن الدولة لم تعد تحتكر العنف المشروع، وهو أحد أهم تعريفات الدولة الحديثة. فالسلاح لم يعد بيد المؤسسات الرسمية وحدها، بل أصبح موزعًا بين جهات متعددة، لكل منها أجندته الخاصة وارتباطاته الإقليمية. وهذا ما أدى إلى تآكل هيبة الدولة، وخلق حالة من الفوضى المنظمة التي تُدار خارج الأطر القانونية.
غير أن انعكاسات هذا الخلل البنيوي لم تقتصر على مركز الدولة في بغداد، بل امتدت لتطال العلاقة مع إقليم كوردستان، الذي وجد نفسه في مواجهة ما يمكن وصفه بسياسة "الضغط المركب"، سياسيًا واقتصاديًا. فبدل أن تقوم العلاقة على أساس الشراكة الدستورية والتكامل الاتحادي، تحولت في كثير من الأحيان إلى علاقة شدّ وجذب، يغلب عليها منطق العقاب الجماعي واستخدام أدوات الدولة للضغط السياسي.
لقد عانى الإقليم خلال السنوات الماضية من أزمات متكررة تتعلق بتأخر أو قطع مستحقاته المالية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، من تأخير الرواتب إلى تراجع الخدمات العامة. هذه السياسات، التي تُبرَّر أحيانًا بخلافات قانونية أو مالية، تُستخدم في الواقع كأدوات ضغط سياسي، ما يعمّق الشعور بعدم الثقة بين الطرفين، ويهدد وحدة النظام الاتحادي من أساسه.
الأمر لا يقف عند الجانب المالي، بل يمتد إلى تضييق في مجالات أخرى، سواء عبر التحكم بالمنافذ، أو فرض قيود غير مباشرة على حركة الاقتصاد في الإقليم. وهنا يبرز تناقض صارخ: فالدولة التي تعجز عن فرض سيادتها الكاملة على بعض الفواعل المسلحة، تمارس في المقابل أقصى درجات الصرامة تجاه كيان دستوري معترف به، ما يعكس اختلالًا في أولويات السلطة وطبيعة ممارستها.
هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن لدولة تعاني من ضعف في مركزها السيادي أن تمارس ضغوطًا سياسية واقتصادية على أحد مكوناتها الأساسية؟ وكيف يمكن بناء نظام اتحادي متماسك في ظل غياب الثقة، واستمرار استخدام أدوات الدولة كوسائل للابتزاز السياسي بدل أن تكون أدوات للخدمة العامة؟
إن ما يعيشه إقليم كوردستان اليوم لا يمكن فصله عن أزمة الدولة العراقية ككل. فحين تتحول الدولة إلى ساحة نفوذ لقوى غير رسمية، فإن أول ضحايا هذا التحول يكون مبدأ العدالة في توزيع السلطة والثروة. وفي ظل هذا الخلل، يصبح الإقليم – رغم كونه جزءًا من الدولة – في موقع المتلقي لسياسات لا تعكس روح الدستور ولا منطق الشراكة.
ومع ذلك، فإن الحل لا يكمن في تعميق القطيعة، بل في إعادة تعريف العلاقة بين بغداد وأربيل على أسس واضحة: احترام الدستور، ضمان الحقوق المالية، تحييد الخلافات السياسية عن قوت المواطنين، وبناء ثقة متبادلة تُخرج العلاقة من دائرة الصراع إلى فضاء التعاون.
في النهاية، لا يمكن للعراق أن يستعيد عافيته كدولة، ما لم يُعالج أزماته الداخلية بجدية، وفي مقدمتها اختلال العلاقة بين المركز والإقليم. فالدولة التي لا تنصف مكوناتها، ولا تضمن حقوقها، تفتح الباب تدريجيًا أمام تفككها من الداخل.
إن معركة العراق اليوم ليست فقط بين الدولة والمليشيات، بل أيضًا بين منطق الشراكة ومنطق الهيمنة. وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل بلدٍ يقف على مفترق طرق حاسم.