مظفر مزوري
صحفي في مؤسسة كوردستان24
كوردستان.. الرقم الصعب في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي
لم تعد الهجمات من قبل الميليشيات العراقية الارهابية التي تستهدف مدن ومواطني إقليم كوردستان منذ بدء الحرب وحتى الان، والتي تجاوزت في حصيلتها الـ 500 استهداف، مجرد خروقات أمنية عابرة أو حوادث حدودية ناتجة عن صراعات موضعية، نحن اليوم أمام نهج عمليات ارهابية ممنهجة ومدروسة، يضع استقرار المنطقة بأكملها على المحك.
قراءة هذا المشهد يتطلب منا تجاوز النظرة السطحية للأحداث، فنحن لا نتحدث عن صواريخ أو مسيرات تسقط هنا وهناك، بل عن محاولات إقليمية حثيثة لتحويل جغرافيا اقليم كوردستان إلى صندوق بريد دامٍ لتبادل الرسائل السياسية الكبرى بين القوى المتصارعة، هذا الواقع يفرض على أصحاب القرار الانتقال من استراتيجية الدفاع السلبي إلى رؤية أمنية استباقية تعيد تعريف مفهوم الردع، وتجعل كلفة المساس بأمن كوردستان أعلى بكثير من أي مكاسب سياسية مفترضة.
وفي قلب هذه الاستهدافات الارهابية، يبرز ملف الطاقة كأحد أكثر الأوراق حساسية، لم يعد خافياً أن قصف المنشآت النفطية في دهوك وحقول الغاز في جمجمال "كورمور" عدة مرات، ليس مجرد عمل عسكري طائش، بل هو إرهاب اقتصادي مقصود لضرب عصب الحياة المالية في اقليم كوردستان وتعطيل قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه مواطنيه وتجاه الشركات العالمية.
إن حماية تدفق النفط والغاز تتطلب اليوم مقاربة أمنية تقنية متطورة، تشمل تأمين خطوط الإمداد وموقع الإنتاج بمنظومات مراقبة وحماية جوية مخصصة، بالتوازي مع ذلك، يجب التحرك قانونياً ودولياً لضمان حصانة هذه المنشآت باعتبارها جزءاً من أمن الطاقة العالمي، مما يسحب البساط من تحت محاولات الابتزاز التي تسعى لخنق كوردستان مالياً لإخضاعه سياسياً.
أما التحدي الأكثر تعقيداً، فيتمثل في تحركات الميليشيات العراقية الارهابية المسلحة الخارجة عن القانون داخل العراق، والتي باتت تشكل التهديد المباشر والأكثر إلحاحاً، معالجة هذا الملف لا تتم عبر المواجهات العسكرية الموضعية فحسب، بل عبر ضغط سياسي وقانوني حازم تجاه الحكومة الاتحادية في بغداد لتحمل مسؤولياتها الدستورية في حصر السلاح بيد الدولة ووضع حد لهذه العمليات الارهابية.
وجود هذه الجماعات التي تعمل بأجندات عابرة للحدود يضرب صميم السيادة العراقية، مما يستوجب بناء تحالف وطني واسع لتجريم هذه الاعتداءات وتصنيف الجهات المنفذة لها كجماعات مهددة للسلم الأهلي، مع ضرورة تعزيز التنسيق الاستخباراتي بين الاجهزة الامنية في كوردستان والاجهزة الامنية الاتحادية لإغلاق الثغرات الأمنية في المناطق الرخوة "مناطق المادة 140".
على الصعيد الميداني، يواجه اقليم كوردستان تحديات أمنية هجينة تتطلب تحديثاً جذرياً في العقيدة الدفاعية، تبدأ بامتلاك منظومات إنذار مبكر ودفاع جوي طبقي مخصص للأهداف الصغيرة والمنخفضة كالدرونات، هذه التكنولوجيا يجب انتزاعها كحق سيادي عراقي يحمي سماء كوردستان كما يحمي سماء العاصمة بغداد، الأمن هنا لا يتحقق بزيادة عدد الأفراد، بل بتحويل الفضاء الجوي لكوردستان إلى بيئة معادية تقنياً لكل من يحاول اختراقها، وهو ما يستدعي تعاوناً دولياً لرفع قدرات التشويش الإلكتروني وإحباط التهديدات وهي لا تزال في مهدها.
إن المحصلة النهائية لهذا الصراع تثبت أن إقليم كوردستان لم يعد مجرد كيان إداري يحاول البقاء، بل تحول إلى ركن ارتكاز جيوسياسي في قلب الشرق الأوسط، القوة الحقيقية لكوردستان اليوم تكمن في شبكة العلاقات الدولية المتشابكة التي نجحت أربيل في نسجها، محولةً الإقليم إلى منطقة مصالح حيوية لا يمكن للقوى العظمى التفريط بها.
الدبلوماسية السيادية: بينما تحاول الصواريخ عزل إقليم كوردستان، ترد أربيل بدبلوماسية هجومية جعلتها وجهةً لصناع القرار العالمي، هذا الحضور يثبت أن كوردستان تمارس سيادة الواقع، بامتلاكها شراكات ندية مع الغرب وعلاقات متوازنة مع دول الجوار والخليج، مما يجعل أي خرق أمني يمسها أزمة دولية بامتياز وليست شأناً محلياً بسيطاً.
أمن الطاقة كدرع عالمي: لقد أدرك العالم أن استقرار حقول الغاز في كوردستان جزء لا يتجزأ من أمن الطاقة العالمي، الشركات العالمية العاملة في كوردستان ليست مجرد مستثمرين، بل هم شركاء استراتيجيون يربطون استقرار عواصمهم باستقرار أربيل، هذا الموقف القوي يمنح كوردستان مشروعية المطالبة بأحدث تقنيات الحماية الجوية كضرورة لحماية هذه المصالح المشتركة.
رسالة الصمود: أثبت اقليم كوردستان قدرة فائقة على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى فرص، فبناء المشاريع الاستراتيجية وتدفق الاستثمارات وسط هذه التحديات هو الرد الحقيقي الذي يثبت فشل الهجمات في تحقيق غاياتها النفسية.
ختاماً، يجب على الجميع إدراك أن أمن أربيل هو صمام أمان للمنطقة برمتها، فكلفة المساس بهذا الاستقرار لن تكون مالية فحسب، بل ستؤدي إلى انهيار منظومة التوازنات الإقليمية، كوردستان بعلاقاتها الرصينة وعقيدتها الصلبة، تبرهن اليوم أنها ليست ساحة لتصفيات الحسابات، بل هي العنوان الصعب واللاعب الابرز في المعادلة الامنية الاقليمية والدولية وجسر السلام والتنمية الذي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مستقبلية للمنطقة.