أ.د نزار خورشيد مامه
محرر
زيارة مسرور بارزاني إلى بغداد... الدبلوماسية الكوردستانية وإعادة صياغة العلاقة مع المركز
لم تكن الزيارة الأخيرة التي أجراها رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني إلى بغداد حدثاً سياسياً عابراً يمكن إدراجه ضمن اللقاءات الدورية بين المسؤولين في أربيل والعاصمة الاتحادية، بل بدت أقرب إلى محاولة سياسية جادة لإعادة ترتيب شكل العلاقة بين الطرفين في مرحلة شديدة الحساسية يعيشها العراق والمنطقة على حد سواء.
فالعلاقة بين بغداد وأربيل، ومنذ سنوات طويلة، تراوحت بين الشراكة الدستورية من جهة، والأزمات المتكررة من جهة أخرى. وغالباً ما كانت الملفات المالية والنفطية وصلاحيات الإقليم تتحول إلى نقاط اشتباك سياسي تؤثر بصورة مباشرة في الاستقرار الداخلي العراقي. لكن ما ظهر خلال هذه الزيارة أن حكومة إقليم كوردستان تحاول أن تنتقل من سياسة ردود الأفعال إلى سياسة المبادرة السياسية، عبر اعتماد خطاب أكثر هدوءاً ومرونة، يقوم على التفاهم لا على التصعيد.
لقد أدركت أربيل-على ما يبدو- أن طبيعة المرحلة الحالية تختلف عن المراحل السابقة. فالعراق يواجه تحديات اقتصادية كبيرة، والمنطقة تمر بتحولات معقدة، فيما تتزايد الحاجة إلى بناء تفاهمات داخلية تمنع انزلاق الأزمات السياسية نحو تأثيرات اقتصادية واجتماعية أوسع. ومن هنا جاءت زيارة مسرور بارزاني إلى بغداد محمّلة برسائل متعددة، ليس فقط للحكومة الاتحادية، بل للقوى السياسية العراقية وللرأي العام أيضاً.
أولى هذه الرسائل أن إقليم كوردستان لا يريد إدارة خلاف دائم مع بغداد، بل يسعى إلى تثبيت معادلة شراكة حقيقية تستند إلى الدستور والمصالح المشتركة. فالإقليم يدرك أن أي توتر طويل الأمد مع المركز ستكون له انعكاسات مباشرة على الواقع الاقتصادي والمعيشي لمواطنيه، كما أن بغداد بدورها باتت تدرك أن استقرار العراق لا يمكن أن يتحقق بعيداً عن استقرار العلاقة مع إقليم كوردستان.
وقد عكست اللقاءات التي عقدها رئيس حكومة الإقليم مع كبار المسؤولين العراقيين وجود رغبة متبادلة في تخفيف الاحتقان السياسي، ولا سيما في القضايا المرتبطة بالرواتب والموازنة والنفط والطاقة. صحيح أن هذه الملفات ما تزال معقدة وتحتاج إلى تفاهمات طويلة الأمد، لكن مجرد عودة الحوار المباشر بهذه الجدية يعدّ مؤشراً مهماً على وجود إرادة سياسية لتجاوز مرحلة الجمود.
اللافت في الزيارة أيضاً أن حكومة الإقليم لم تذهب إلى بغداد بخطاب احتجاجي أو تصعيدي، بل حاولت أن تقدم نفسها شريكاً قادراً على المساهمة في الحلول. وهذا تحول مهم في طبيعة الدبلوماسية السياسية الكوردستانية. فبدلاً من التركيز فقط على المطالب والحقوق، بدأت أربيل تطرح نماذج عملية في الإدارة والخدمات والطاقة يمكن أن تتحول إلى أرضية للتعاون مع الحكومة الاتحادية.
وفي هذا السياق، برز الحديث عن تجربة (( روناكي )) الخاصة بالكهرباء بوصفها مثالاً على محاولة نقل بعض التجارب الإدارية والخدمية الناجحة من الإقليم إلى بقية مناطق العراق. وهذه ليست مجرد مسألة خدمية، بل تحمل بعداً سياسياً مهماً، لأنها تعكس رغبة الإقليم في الانتقال من موقع الطرف المختلف مع بغداد إلى موقع الشريك الذي يمتلك رؤية ومشاريع قابلة للتطبيق.
كما أن الزيارة كشفت عن تطور ملحوظ في أداء الدبلوماسية السياسية لحكومة إقليم كوردستان. فالإقليم لم يعد يعتمد فقط على علاقاته الخارجية القوية أو حضوره الدولي المعروف، بل بات يتحرك بمرونة داخل المشهد العراقي نفسه، عبر بناء شبكة تفاهمات مع مختلف القوى السياسية، ومحاولة خلق توازنات تقلل من حدة الاستقطاب التقليدي بين أربيل وبغداد.
ومن الواضح أن هذا النهج يعتمد على ما يمكن تسميته بـالدبلوماسية الهادئة، أي إدارة الملفات الخلافية بعيداً عن الضجيج الإعلامي والمواقف الحادة، والتركيز بدلاً من ذلك على التفاوض المباشر والحلول التدريجية. وربما تكمن قوة هذه المقاربة في أنها أكثر انسجاماً مع طبيعة الواقع العراقي المعقد، حيث لا يمكن لأي طرف أن يفرض رؤيته بصورة كاملة، وإنما تُصنع التفاهمات عبر التوازنات والحوار المستمر.
سياسياً، منحت الزيارة أيضاً انطباعاً بأن حكومة الإقليم تسعى إلى ترسيخ صورة جديدة عن كوردستان داخل العراق؛ صورة الكيان السياسي المستقر القادر على لعب دور إيجابي في تخفيف الأزمات لا في تعميقها. وهذا أمر مهم جداً في ظل حالة الانقسام وعدم الاستقرار التي تعاني منها المنطقة عموماً.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن أي تقارب بين أربيل وبغداد يبعث برسائل طمأنة مهمة إلى المجتمع الدولي والشركات الاستثمارية، لأن استقرار العلاقة بين الطرفين ينعكس مباشرة على الوضع الأمني والاقتصادي في العراق. ولذلك فإن نجاح هذه الحوارات لا يخدم الإقليم وحده، بل يمثل مصلحة عراقية عامة.
وربما يكون الأهم في كل ذلك أن زيارة مسرور بارزاني جاءت في لحظة سياسية يحتاج فيها العراق إلى خطاب عقلاني قادر على جمع الأطراف المختلفة حول المشتركات الوطنية، بدلاً من تكريس الانقسامات. فالتجارب السابقة أثبتت أن الأزمات بين بغداد وأربيل لا تنتج غالباً رابحاً حقيقياً، بل تؤدي إلى إضعاف الجميع واستنزاف الجهد السياسي والاقتصادي.
إن الدبلوماسية السياسية التي تقودها حكومة إقليم كوردستان اليوم تبدو أكثر واقعية ونضجاً، لأنها تنطلق من فهم واضح لطبيعة التوازنات العراقية والإقليمية. فهي دبلوماسية تقوم على حماية الحقوق الدستورية للإقليم، ولكن من خلال الحوار والتفاهم وبناء المصالح المشتركة، لا عبر التصعيد أو القطيعة.
ومن هنا، فإن زيارة مسرور بارزاني إلى بغداد قد لا تكون مجرد محطة سياسية مؤقتة، بل ربما تمثل بداية لمرحلة جديدة في العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، إذا ما نجحت الأطراف المختلفة في تحويل أجواء التفاهم الحالية إلى خطوات عملية ملموسة يشعر المواطن العراقي بنتائجها بصورة مباشرة.
ويبقى نجاح أي تفاهم بين بغداد وأربيل مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تؤمن بأن الشراكة الحقيقية هي الطريق الوحيد لحماية استقرار العراق ومستقبله، وأن الحوار ـ مهما طال وتعقّد ـ يظل أقل كلفة من الأزمات المفتوحة والصراعات المستمرة.