الاقتصاد العراقي ما بين رهانات النفط وأزمات التصدير؛ هل من مخرج واقعي؟

الاقتصاد العراقي ما بين رهانات النفط وأزمات التصدير؛ هل من مخرج واقعي؟
الاقتصاد العراقي ما بين رهانات النفط وأزمات التصدير؛ هل من مخرج واقعي؟

يمرّ الاقتصاد العراقي بمرحلة حساسة ومعقدة، تتزايد فيها التحديات المرتبطة بتصدير النفط، وهو المورد الأساس الذي تعتمد عليه الدولة بشكل شبه كامل. ومع كل أزمة اقتصادية، تتعمّق معاناة المواطن، خصوصًا فيما يتعلق بضمان المستقبل وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. وبرغم أن الدول ذات الاقتصادات القوية تمتلك أدوات لمواجهة الأزمات عبر التحليل والتخطيط الاستراتيجي، إلا أن العراق ما يزال يواجه اختبارات صعبة في إدارة ملفه النفطي، لاسيّما في ظل التوترات الجيوسياسية التي تؤثر بشكل مباشر على سلاسل التصدير.

يعتمد العراق بشكل كبير على التصدير عبر مضيق هرمز، الذي يُعد الشريان الرئيس لتدفق النفط، حيث تمر عبره أكثر من ٨٠٪ من صادراته. ويشكل هذا الاعتماد نقطة ضعف استراتيجية، خصوصاً في أوقات الأزمات أو التوترات الإقليمية.
برغم الحديث عن بدائل لتصدير النفط، إلا أنها لا تزال محدودة ولا تستطيع تغطية حجم الإنتاج الحالي. كما أن ما يتم تداوله بشأن إمكانية عبور النفط العراقي عبر الأراضي الإيرانية يبقى محاطًا بالغموض والتحديات، سواء من الناحية السياسية أو التشغيلية.

يعتمد العراق في تصدير نفطه على نظام (FOB)، حيث تقع مسؤولية الشحن والتأمين على عاتق المشتري. في الظروف الطبيعية، يُعد هذا النظام ميزة، لكنه في أوقات الأزمات يتحول إلى عبء، إذ يتردد المشترون في تحمل المخاطر المرتفعة، خاصة مع تصاعد تكاليف التأمين وتهديد أمن الملاحة. وبالتالي، لم يعد القرار في سوق النفط مرتبطًا فقط بالإمدادات، بل بمدى جرأة المشتري واستعداده لتحمّل المخاطر.

إن من أبرز نقاط الضعف في قطاع النفط العراقي هو غياب أسطول وطني متكامل لنقل النفط، فالعراق لا يمتلك ناقلات كافية، ويعتمد بشكل شبه كامل على الشركات الأجنبية، وبرغم أن نفقات الاستثمار لوزارة النفط خلال عام واحد كانت كفيلة بشراء نحو ثمانين ناقلة نفط عملاقة، إلا أن هذا القطاع الحيوي لم يحظَ بالدعم الكافي. وكان من الممكن أن يسهم الاستثمار في أسطول وطني بتحقيق عدة أهداف، هي:

١.    تعزيز قدرة العراق على تأمين صادراته.
2.    زيادة الإيرادات.
3.    تقليل الاعتماد على الخارج.
4.    دعم السيادة الاقتصادية.

لقد أصبح الاقتصاد العراقي اليوم رهينة معادلة معقدة؛ الأمن مقابل التصدير. فاستمرار تدفق النفط يتطلب بيئة آمنة ومستقرة، خاصة بعد استهداف بعض الناقلات؛ ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين وتراجع ثقة الشركات العالمية. ولا يمكن الحديث عن استقرار حقيقي في هذا القطاع من دون عودة العمل بكامل طاقة الحقول النفطية، وانتظام عمل الموانئ، وتأمين مرور الناقلات عبر المضائق الدولية. وفي حال استمرار تعطّل التصدير أو تراجع الإنتاج، فإن إعادة تشغيل الحقول النفطية ليست عملية سريعة، بل تحتاج إلى فترة زمنية تتراوح ما بين أربعة إلى ستة أشهر لاستعادة مستويات الإنتاج السابقة. وهذا يعني أن أي توقف مؤقت قد يتحول إلى أزمة طويلة الأمد، تضغط على الاقتصاد وتقلل من الإيرادات بشكل كبير.

في ظل هذه التحديات، يصبح من الضروري التفكير بحلول واقعية ومستدامة، كالتوسع في تكرير النفط محليًا، وبناء مصافي جديدة لإنتاج المشتقات النفطية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، والحفاظ على مستويات الإنتاج، وتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.

إن الاستثمار في قطاع التكرير لا يقل أهمية عن التصدير، بل يمثل صمام أمان للاقتصاد في أوقات الأزمات. ويبقى الاقتصاد العراقي أمام مفترق طرق حقيقي، حيث لم يعد الاعتماد على النفط وحده خيارًا آمنًا في ظل التقلبات الجيوسياسية. فبناء استراتيجية متكاملة تشمل تطوير البنية التحتية، وتعزيز الاستقلالية في النقل والتكرير، وتنويع الاقتصاد، هو السبيل الوحيد لتقليل المخاطر وضمان الاستقرار في المستقبل.