هندسة المزاج ورهاب القوة الناعمة

هندسة المزاج ورهاب القوة الناعمة
هندسة المزاج ورهاب القوة الناعمة

كانت رواية (تحت ظلال الزيزفون) للأديب (مصطفى لطفي المنفلوطي) أولى قراءاتي في سن مبكرة، دارت أحداثها حول حب عذري بين طبقة الفقراء وطبقة النبلاء، مر بصراعات وخيانة، لينتهي نهاية مأساوية. تأثرتُ حينها بالأدب الفرنسي وبسلسلة المنفلوطي وما نقله للقارئ العربي؛ إذ لم تكن مجرد ترجمة لأصل الرواية (مجدولين) للكاتب الفرنسي (ألفونس كاري)، بل كانت نقلة أدبية بين ثقافتين، حيث عمد المنفلوطي إلى تعريب الروح مع النص.

لم أدرك حينها أن الأدب الفرنسي، في أعقاب الثورة الفرنسية، سعى إلى تقويم سلوك مجتمع انتقل من حقبة الحكم الملكي والطبقية والاستبداد إلى الديمقراطية، ليتخذ من الأدب والفن منهجًا لتغيير الفكر وتقويم السلوك الجمعي. فقد كانت الرواية، والأدب بصفة عامة، سلاحًا من أسلحة القوة الناعمة قبل بزوغ عصر الإعلام الحديث، الذي بدأ بالصحف الورقية الأكثر رواجًا آنذاك، وصولًا إلى اختراع الراديو والتلفزيون ونهوض الوكالات الإعلامية، لتتطور معها أدوات التأثير.

لقد كانت فرنسا نموذجًا جليًا؛ إذ استخدمت سلاح نشر الثقافة واللغة في حقبة (الاستعمار الفرنسي)، ولا يزال تأثيرها شاخصًا في الدول الأفريقية حتى اليوم. وفي سياق متصل، اتخذت دول أوروبية أخرى من القوة الناعمة سلاحًا استراتيجيًا في الحروب؛ حيث صُنفت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) كأعظم أداة للقوة الناعمة حين كانت جزءًا محوريًا من هيئة الرصد الإعلامي والاتصالات التابعة للجيش البريطاني، وهو ما وثقه منشور رسمي لمجلس اللوردات البريطاني بوصفها "أعظم قوة ناعمة بريطانية".

تطورت اليوم مفاهيم القوة الناعمة ومحاورها، فأصبح الإعلام الرقمي والاجتماعي سلاحًا ذا تأثير عميق في الحروب المعاصرة. فبمجرد امتلاك الفرد هاتفًا محمولًا وشبكة إنترنت، تستطيع القوى الخارجية التحكم بمزاجه أولًا، لتصل إلى التأثير على حياته الاقتصادية عبر التلاعب بالأسواق والبورصات.

لقد أصبحت التصريحات الملغمة من أخطر الأسلحة النفسية التي تسبب اضطرابًا واضحًا على الأصعدة كافة، تجاريًا واقتصاديًا وسلوكيًا. إن تطور السلاح الناعم وتداخله في الحروب يحتاج إلى تفكير عميق وتحليل ذكي للواقع؛ فالحرب التي تتقلص فيها الخسائر البشرية وتتفاقم فيها الخسائر الاقتصادية هي حرب تُحسم مواقفها وتَقصر مدتها. كما أن التفاوض والدبلوماسية، باعتبارهما من أدوات القوة الناعمة، يمثلان وسيلة للتحشيد ضد الفئات المستهدفة، ولهما قدرة فائقة على استغلال الوقت للتنظيم. وهنا نلمس واقع (الحرب الجديدة)؛ متطورة، متكاملة الأدوات، ويمكن وصفها بأنها حرب سيكولوجية معلوماتية بامتياز، تشترك فيها أطراف متعددة ومنقسمة.

هذه الحرب لا تتوقف، وهدنة وقف إطلاق النار فيها ليست إلا تحولًا من أداة إلى أخرى. فالتفاوض، الدبلوماسية، حرب السلاح والتصريحات الإعلامية، كلها مرتبطة بساحة حرب مواقع التواصل الاجتماعي (أداة الحرب الحادة) وتأثيرها النفسي والاقتصادي على الفرد. هي حرب تشمل كافة التوجهات، وقد يستغل فيها طرفٌ ما العقائد والمشاعر للتلاعب بالشارع، وقد تنحصر الحرب جغرافيًا إذا فُقدت أهم أدواتها (شبكة الاتصال)، ليبقي الفرد محدود الرؤية، لا يملك سوى إذاعة محلية تروّج لما يُملى عليها.

في خضم هذه الحرب، قد نفقد زمام الأمور؛ فكافة الأدوات باتت معقدة، وأصبح تأثيرها جليًا في غياب الاستقرار، واستمرار القلق النفسي، واختلال السلوك الناتج عن اضطراب الفهم، والتبدد والانفصال عن الواقع، بسبب الضخ الهائل للمعلومات الذي قد يؤدي في النهاية إلى اضطراب الهوية الانشقاقي.