سیاسة
أ.د نزار خورشيد مامه
أ.د نزار خورشيد مامه

محرر

من هامش الأحداث إلى صناعة القرار: فرصة العراق وإقليم كوردستان في شرق أوسط جديد

من هامش الأحداث إلى صناعة القرار: فرصة العراق وإقليم كوردستان في شرق أوسط جديد
من هامش الأحداث إلى صناعة القرار: فرصة العراق وإقليم كوردستان في شرق أوسط جديد

في السياسة، ليست المشكلة في وقوع التحولات، بل في العجز عن قراءتها في الوقت المناسب. والدول التي تتعامل مع المتغيرات الإقليمية بوصفها أحداثًا مؤقتة سرعان ما تجد نفسها مضطرة للتكيف مع وقائع صنعها الآخرون. أما الدول التي تمتلك رؤية استراتيجية، فإنها تحول تلك التحولات إلى أدوات لتعزيز مصالحها وترسيخ مكانتها.
ويعيش الشرق الأوسط اليوم إحدى هذه اللحظات المفصلية. فالتغير في طبيعة العلاقات بين القوى الكبرى، والانفتاح الحذر على مسارات التفاوض بعد سنوات من التصعيد، لا يعني نهاية الصراعات بقدر ما يعني انتقالها إلى مرحلة جديدة تُدار فيها أدوات النفوذ بوسائل مختلفة. وما كان يُحسم بالميدان قد يُحسم اليوم على طاولات التفاوض، وما كان يُفرض بالقوة قد يُفرض عبر الاقتصاد أو الطاقة أو التفاهمات الأمنية.
ومن هنا تبدو القراءة السطحية التي تعتبر أي تقارب أمريكي–إيراني مجرد شأن ثنائي قراءة قاصرة؛ لأن العراق كان ولا يزال إحدى الساحات الأكثر تأثرًا بمستوى العلاقة بين واشنطن وطهران. فكلما تصاعد التوتر انعكس ذلك على الداخل العراقي في صورة استقطاب سياسي أو اضطراب أمني أو ضغوط اقتصادية، وكلما انخفضت حدة المواجهة انفتح هامش أوسع أمام الدولة لاستعادة شيء من استقلال قرارها.
لكن الافتراض بأن التهدئة الخارجية ستنتج تلقائيًا استقرارًا داخليًا ليس افتراضًا دقيقًا. فالاستقرار لا يُستورد من الخارج، بل يُبنى عبر مؤسسات قوية وسياسات واضحة وإرادة سياسية قادرة على تغليب المصلحة الوطنية على حسابات المحاور. وإذا بقيت البنية الداخلية هشة، فإن أي تغير في البيئة الإقليمية لن يكون سوى هدنة مؤقتة قبل أزمة جديدة.
وفي هذا السياق، يبرز إقليم كوردستان بوصفه نموذجًا مختلفًا نسبيًا في إدارة علاقاته الخارجية. فمنذ سنوات اعتمد الإقليم سياسة تقوم على الانفتاح على مختلف الأطراف، وتجنب الانخراط في الاستقطابات الحادة، مع التركيز على المصالح الاقتصادية والاستقرار الأمني. ولم تكن هذه السياسة تعبيرًا عن الحياد بقدر ما كانت إدراكًا لطبيعة الموقع الجغرافي الذي يجعل من الإقليم حلقة وصل بين قوى متعددة ومتباينة.
وتؤكد التجربة أن الاستثمار يبحث أولًا عن الاستقرار، وأن رأس المال لا يتحرك خلف الشعارات بل خلف البيئة القانونية والأمنية الموثوقة. ولهذا استطاع الإقليم، رغم التحديات المالية والسياسية، أن يحافظ على قدر من الجاذبية الاقتصادية، مستفيدًا من شبكة علاقاته الإقليمية والدولية ومن قدرته على تقديم نفسه بوصفه مساحة أكثر استقرارًا في محيط مضطرب.
غير أن المحافظة على هذا المكسب تتطلب قراءة دقيقة للمرحلة المقبلة. فإذا كانت المنطقة تتجه إلى إعادة رسم خرائط النفوذ، فإن المنافسة لن تكون عسكرية فقط، بل ستكون منافسة على استقطاب الاستثمارات، وربط الممرات التجارية، والتحكم في شبكات الطاقة، وتعزيز المكانة الجيوسياسية. ومن يكتفِ بدور المتفرج سيكتشف متأخرًا أن الآخرين قد رسموا قواعد اللعبة الجديدة.
أما بغداد، فهي أمام اختبار لا يقل أهمية. فالتحدي الحقيقي ليس في كيفية التعامل مع القوى الخارجية، بل في كيفية بناء دولة تمتلك قرارها وتستثمر موقعها الجغرافي الاستثنائي. والعراق يقع عند تقاطع طرق تربط الخليج بتركيا وإيران وبلاد الشام، وهي ميزة استراتيجية لا ينبغي أن تبقى مجرد حقيقة جغرافية، بل يجب أن تتحول إلى مشروع اقتصادي وسياسي يرسخ دور البلاد بوصفها مركزًا للتكامل الإقليمي.
ومن هنا فإن العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان يجب أن تُقرأ خارج إطار الخلافات التقليدية. فالرهان على منطق الغلبة لم يعد منتجًا، بينما يفرض الواقع الإقليمي صيغة جديدة تقوم على الشراكة والتنسيق وتوحيد الجهود في الملفات الاقتصادية والأمنية. إن أي انقسام داخلي لا يضعف طرفًا بعينه، بل يضعف قدرة العراق كله على التفاوض وحماية مصالحه.
كذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز سلطة المؤسسات الدستورية، وتوفير بيئة قانونية مستقرة للاستثمار، ليست مطالب إصلاحية فحسب، بل شروط أساسية للاستفادة من أي تحول إقليمي. فلا يمكن جذب الشركات العالمية أو بناء مشاريع استراتيجية في بيئة يغلب عليها عدم اليقين وتعدد مراكز القرار.
لقد أثبتت التجارب أن الدول الصغيرة والمتوسطة تستطيع أن تزيد من وزنها السياسي إذا أحسنت استثمار موقعها وقدراتها، كما أن الدول الأكبر قد تفقد كثيرًا من نفوذها إذا أساءت قراءة اللحظة التاريخية. والسياسة في جوهرها ليست صراعًا على القوة المجردة، بل هي فن توظيف الفرص قبل أن تتحول إلى مكاسب للآخرين.
إن العراق وإقليم كوردستان يقفان اليوم أمام نافذة قد لا تبقى مفتوحة طويلًا. وإذا كانت العواصم الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها، فمن الحكمة أن يعيد العراقيون أيضًا ترتيب أولوياتهم بعيدًا عن الانقسامات قصيرة الأجل. فالرهان الحقيقي ليس على طبيعة التفاهمات الدولية المقبلة، وإنما على قدرة الداخل على استثمارها.
بالتأكيد. وفيما يلي صياغة أكثر سلاسة واحترافية، مع تجنب العبارات المستهلكة، وإضافة إشارة متوازنة إلى دور حكومة إقليم كوردستان ورئيسها في التحرك الاستباقي وتعزيز العلاقة مع بغداد:
إن قيمة الدول والأقاليم لا تُختبر في قدرتها على تجاوز العواصف فحسب، بل في مدى نجاحها في استثمار التحولات الكبرى لبناء معادلات جديدة أكثر رسوخًا واستقرارًا. ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحّة إلى رؤية سياسية مشتركة بين بغداد وأربيل تقوم على المبادرة لا على ردّ الفعل، وعلى صناعة الفرص بدل الاكتفاء بالتكيف مع نتائجها. وقد برزت حكومة إقليم كردستان خلال المرحلة الأخيرة بوصفها طرفًا يسعى إلى إدارة المتغيرات الإقليمية بعقلانية وحسابات دقيقة، من خلال تحركات دبلوماسية وسياسية مدروسة قادها رئيس مجلس الوزراء مسرور بارزاني، هدفت إلى استباق تداعيات الأزمات وتعزيز قنوات التواصل والتفاهم مع الحكومة الاتحادية، انطلاقًا من قناعة بأن توحيد المواقف الداخلية يمثل صمام أمان في مواجهة بيئة إقليمية شديدة التقلب. فالمستقبل لن يكون من نصيب من ينتظر تبدل الموازين، بل لمن يحسن قراءة اتجاهها ويشارك في صياغتها.