المجلس السياسي الكوردستاني ضرورة وطنية لتوحيد القرار الكوردي في بغداد

المجلس السياسي الكوردستاني ضرورة وطنية لتوحيد القرار الكوردي في بغداد
المجلس السياسي الكوردستاني ضرورة وطنية لتوحيد القرار الكوردي في بغداد

في ظل التطورات السياسية المتسارعة التي يشهدها العراق ولا سيما ما جرى ويجري داخل مجلس النواب العراقي من اصطفافات وتحالفات وقرارات مصيرية بات من الضروري بل من الواجب القومي والسياسي، أن تتجه الأحزاب الكوردستانية كافة إلى تشكيل المجلس السياسي الكوردستاني بوصفه مظلة جامعة لتوحيد الموقف الكوردي في الحكومة الاتحادية في بغداد.

لقد أثبتت التجربة السياسية العراقية أن القوى التي تمتلك مرجعية سياسية موحدة أو إطاراً تنسيقياً جامعاً تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها وترتيب أوراقها والتفاوض بقوة داخل مؤسسات الدولة. 

فالبيت الشيعي يمتلك إطاراً تنسيقياً يجمع قوى وأحزاباً متعددة الذي يضم كل من (ائتلاف دولة القانون، ائتلاف النصر، حركة الصادقون، تيار الحكمة الوطني، منظمة بدر، تحالف خدمات، ائتلاف الاساس العراقي، تحالف تصميم، حقوق، ابشر يا عراق)، والبيت السني اتجه هو الآخر إلى تشكيل مجلس سياسي وطني يضم كل من (تحالف تقدم، تحالف العزم، تحالف الحزم الوطني، تحالف السيادة الوطني - تشريع، تحالف الجماهير) أبرز تحالفاته وقواه السياسية وعلى الرغم من وجود تباينات واختلافات داخل هذه المكونات إلا أنها غالباً ما تجتمع عند المحطات الحاسمة لتنسيق المواقف والخروج بقرار موحد قبل التوجه إلى البرلمان أو الحكومة أو طاولة التفاوض.

أما الساحة الكوردستانية، فرغم ثقلها التاريخي والدستوري والسياسي في العراق فإن غياب قرار سياسي بالاجمع وموحد للقرارات الكوردية في بغداد يضعف الموقف التفاوضي ويفتح الباب أمام الأطراف الأخرى لاستثمار الخلافات الداخلية بين الأحزاب الكوردية وهذا الواقع قد يؤدي إن استمر إلى تراجع القدرة على حماية الحقوق الدستورية لإقليم كوردستان وإلى خلل في مبدأ التوازن والتوافق السياسي الذي بُنيت عليه العملية السياسية العراقية بعد عام 2003.

يجسّد موقف الرئيس مسعود بارزاني مراراً وتكراراً، رؤيةً سياسيةً حكيمة ومسؤولة تنطلق من حرصٍ عميق على وحدة الصف الكوردي وتماسك البيت الداخلي في مواجهة التحديات المتصاعدة فإن دعواته المتكررة إلى الاتفاق وتوحيد الصف الكوردي في التعامل مع الملفات الشائكة في بغداد، تعكس قيادةً واعية تدرك أن قوة الكورد تكمن في وحدتهم وأن المواقف المصيرية تستوجب خطاباً موحداً وإرادةً مشتركة لحماية الحقوق والمكتسبات وتعزيز مكانة شعب كوردستان.

إن الحقوق الكوردية في العراق ليست حقوق حزب واحد ولا كتلة واحدة ولا مدينة واحدة، بل هي حقوق شعب كامل وحقوق إقليم دستوري معترف به ضمن الدولة العراقية الاتحادية، ولذلك فإن الدفاع عنها يتطلب خطاباً موحداً وموقفاً موحداً وآلية قرار مشتركة لا سيما في القضايا المصيرية المتعلقة بالموازنة، والنفط والغاز، والمناطق المتنازع عليها، ورواتب الموظفين، وصلاحيات الإقليم، والتمثيل في مؤسسات الدولة الاتحادية.

من هذا المنطلق، فإن تشكيل المجلس السياسي الكوردستاني يجب أن يكون مشروعاً جامعاً تشارك فيه جميع الأحزاب الكوردستانية المشاركة في العملية السياسية من دون إقصاء أو استثناء وينبغي أن يكون هذا المجلس إطاراً دائماً لتنسيق المواقف والرؤى والقرارات المصيرية التي تخص إقليم كوردستان والشعب الكوردي داخل الحكومة الاتحادية ومجلس النواب العراقي.

ولا ينبغي أن يكون المجلس مجرد هيئة تشاورية رمزية بل يجب أن يُمنح صلاحيات واضحة وكاملة لاتخاذ القرارات الحاسمة في الملفات الكبرى وفق رؤية مشتركة تراعي المصلحة العليا للشعب الكوردي وتحافظ في الوقت نفسه على التعددية السياسية داخل الإقليم فالتعددية الحزبية أمر طبيعي وصحي لكن الخلافات الحزبية لا يجوز أن تتحول إلى سبب لإضعاف الموقع الكوردي في بغداد أو التفريط بالمكتسبات الدستورية والسياسية.

وعلى المستوى التنظيمي، يمكن أن تُبنى تركيبة المجلس على أساس الوزن الانتخابي لكل حزب في انتخابات برلمان كوردستان التي تُجرى كل أربع سنوات فالحزب الذي يحصل على نسبة 40% من أصوات الناخبين تكون له النسبة ذاتها داخل المجلس، والحزب الذي يحصل على 20% تكون له النسبة ذاتها وهكذا وبهذه الآلية تتحقق العدالة السياسية ويحافظ المجلس على التوازن بين الشرعية الانتخابية والتمثيل الحزبي، بعيداً عن منطق الهيمنة أو الإقصاء.

أما من حيث الشرعية القانونية والسياسية فيمكن تفعيل المجلس بإحدى آليتين واضحتين:

الأولى: أن تتم المصادقة على شرعية المجلس داخل برلمان كوردستان القادم ليكون مؤسسة سياسية معترفاً بها ضمن الإطار الدستوري والسياسي للإقليم.

والثانية: أن تجتمع جميع الأحزاب الكوردستانية وتوقع معاهدة سياسية رسمية، تتضمن المبادئ والصلاحيات وآليات اتخاذ القرار وأن يتم الاتفاق عليها بالإجماع بما يمنحها المصداقية السياسية والقانونية اللازمة لاتخاذ القرارات الحاسمة في القضايا المصيرية.

إن وجود هذا المجلس سيمنح الأحزاب الكوردستانية صوتاً موحداً داخل بغداد ويقلل من حدة الخلافات والمشاحنات بين الكتل الكوردية ويعزز فرص التفاهم الداخلي ويفتح الباب أمام معالجة كثير من الملفات العالقة بروح جماعية ومسؤولة كما أنه سيبعث برسالة واضحة إلى جميع الشركاء في العملية السياسية العراقية بأن الكورد رغم تعدد أحزابهم واتجاهاتهم يمتلكون قراراً موحداً عندما يتعلق الأمر بحقوقهم الدستورية ومصير إقليمهم وشعبهم.

إن المرحلة الراهنة لا تحتمل المزيد من التشتت ولا تسمح بتحويل الخلافات الحزبية إلى ثغرات تُستغل على حساب المصالح العليا فالعراق يعيش مرحلة إعادة ترتيب للموازين السياسية وكل مكوّن يسعى إلى تثبيت موقعه وحماية استحقاقاته ومن غير المقبول أن يبقى القرار الكوردي متفرقاً في لحظة تحتاج إلى أعلى درجات التنسيق والوحدة والمسؤولية.

لذلك فإن الدعوة إلى تشكيل المجلس السياسي الكوردستاني ليست دعوة ضد أي حزب ولا لصالح حزب على حساب آخر بل هي دعوة لصالح كوردستان ولصالح وحدة الصف الكوردي ولصالح حماية الحقوق الدستورية والقومية والسياسية للشعب الكوردي داخل العراق الاتحادي.

إن التاريخ لا يرحم المترددين في اللحظات المصيرية والمسؤولية اليوم تقع على عاتق جميع القيادات والأحزاب الكوردستانية كي ترتقي إلى مستوى المرحلة وتضع المصلحة العليا فوق المصالح الحزبية الضيقة وتؤسس لإطار سياسي جامع يكون عنواناً لوحدة القرار الكوردي في بغداد.

فبوحدة القرار تُصان الحقوق وبالتنسيق تُبنى القوة وبالمجلس السياسي الكوردستاني يمكن أن تستعيد الكلمة الكوردية وزنها وتأثيرها في الحكومة الاتحادية ومؤسسات الدولة العراقية.