إحسان آميدي
كاتب
مهزلة السياسة
السياسة هي علم وفن استخدام القدرات والسلطة وإدارة شؤون الدولة والمجتمع والمجموعات السياسية والقوى للوصول إلى أهداف محددة، وتتعامل السياسة مع قضايا الجغرافيا والمجتمع والأمن والاقتصاد والعلاقات الدولية والمنظمات وغيرها، وتعتمد على الحوار والمفاوضات.
بيد أن للسياسة تعريفات وأوجه أخرى كثيرة، فلكل جهة رؤيتها ووجهة نظرها تعرفها وتفسرها وتعمل بها وفقاً لمصلحتها، خاصة عندما يكون هناك أكثر من جهة متخاصمة ومتنافسة .
تعريفي المفضل للسياسة هو: (أنها ذلك النشاط الإنساني الذي يُبذل من أجل المصلحة العامة)، التي تحقق مصلحة جميع البشر باختلافاتهم الجنسية والعرقية والإثنية والفكرية والطبقية، من أفراد ومكونات وشعوب ودول.
في عالم السياسة الضعيف يرفع شعارات انسانية و ديموقراطية ومبادرات الحوار والتفاهم والتعاون والسلام، اما من في السلطة أو يعتلي عرش السلطة فيتمسك بتثبيت اركان السلطة و تحقيق مصالحها.
الحوار والتفاوض نهج دبلوماسي وركيزة أساسية للسياسة، والهدف منهما هو التوافق وإقناع الطرف الآخر، ووسيلة لفك النزاعات وحل المشاكل من خلال التفاهم والاتفاقيات والوصول إلى نتائج تحقق المصالح المختلفة.
الدبلوماسية التي تستطيع حل الخلافات والأزمات والصدامات، يمكنها بناء التفاهم وحل المشكلات العويصة بالطرق السلمية، وأحياناً تصبح التهديدات باستخدام القوة والحروب عناصر تساهم في الخوض بالحوار و حل المشكلات تحت مسمى "الدبلوماسية القاسية".
عندما تكون هناك مقاومة وصمود وتصدي، يبرز النهج الدبلوماسي وتبدأ الحوارات وتأخذ مبادرات المساعي الحميده مجراها وتُجرى المفاوضات. إن الثقة والنية الحسنة واستخدام المرونة والكلمات والمصطلحات الممهدة هي ما يُعزز نجاح عملية التفاوض.
ما ذكر أعلاه هو الجانب المشرق من السياسة، لكن في الواقع العملي ليس الأمر كذلك؛ فالقوة والتهديد والتعنت والكذب و الخداع والتراجع والالتفاف و المناورات والمؤامرات تلعب دورها في تعقيد الامور !. إن مبادئ العلوم السياسية والسلوك الدبلوماسي جيدة جداً وتكون في أغلب الاحيان مقبول من الاطراف المتفاوضة، لكن السلوكيات السياسية معاكسة للمبادئ؛ فهي كقانون الغاب حيث القوي يأكل الضعيف!، والمهيمن يضغط على الآخر ويجبره على التنازل، و المقتدر يفعل ما يشاء وما يحلو له!، وبذلك جعلوا من السياسة مهزلة.
مهزلة السياسة هي عندما تصبح استخدام السياسة عبارة عن مشاهد عبثية، ويتم اللعب بمبادئ السياسة والقيم الإنسانية والمصالح العامة، ويطغى عليها طابع اللاشرعية والفساد والتعصب الأعمى، ويغلب عليها المصالح الضيقة الشخصية او الإنفرادية وتُضرب المصالح الوطنية وتُداس إرادة الشعب وتُستخدم الأساليب غير المشروعة.
في هذا المنحى، نرى أن الكورد شعب محب للسلام ويبحثون دائماً عن الهدوء والحلول السلمية لقضيتهم، وكانت أهداف وشعارات الكورد دائماً واقعية ومنطقية وممكنة التنفيذ، ومع ذلك لم تكن تُقبل. ورغم ذلك، اتبع الكورد دائماً سياسة مرنة للوصول إلى أهدافهم، وللضرورة وكرد فعل على سياسة القمع لجأوا لاستخدام العنف ضد الظلم.
في حوارات الكورد مع الحكومات المختلفة، كان الكورد وحدهم من يملكون النية الحسنة للتفاوض و مشروع سلمي للحل، بينما كانت لدى الحكومات نوايا وخططا خبيثة ومؤامرات؛ فأحياناً قاموا باعتقال وفود التفاوض أو تسميمهم أو محاولة الإعتداء عليهم وتصفيتهم، والمفاوضات و الهدنة عندهم فترة تهدئة مؤقتة للاستعداد لجولة أخرى من الصدام. أي انها لم تكن لديهم إيمان بالمفاوضات ولا بحقوق الكورد ولا بالقيم الإنسانية ولا نية حسنة للحل، لذا لم تصل المفاوضات في أغلب الاحيان إلى نتائج مثمرة، وعادت الحرب مرة أخرى وكأن الأمر سخرية! حتى وصل الأمر بالكورد إلى فقدان الثقة بسياسات الطرف المقابل والمفاوضات معهم، وللأسف لم يكن الكورد يوماً بالقوة التي يمكنهم من فرض مطالبهم وتحقيق أهدافهم.
في تاريخ العراق السياسي، أجرت الحكومات المتعاقبة عشرات الحوارات مع القيادة الكوردستانية وتم إبرام اتفاقيات مؤقتة ثم قامت بمؤامرات ضد قادة الكورد وتراجعت وأُلغيت مضامين الاتفاقيات، لأن الحكومات ما كانت صادقة ولم تكن لديها نية حسنة للحل بل كانت تخطط للمؤامرات.
لقد فقد الكورد الثقة بحكومات الدول المحتلة، و حتى بالدول الصديقة لأنهم خذلوا الكورد في كثير من المرات!، وبناءً على تجربتهم وضعوا الاوساط الشعبية الكوردية تعريفات خاصة للسياسة، كقولهم: "السياسة بحر" والمقصود أنها عميقة وواسعة والعبور منها صعب! أو يقولون "السياسة كذب"، فبقدر ما يُقال من كذب وزيف و لف و دوران تضيع الحقيقة في وسطها، أو يقولون ان السياسة خدعة اي انها أسلوب لتمرير النوايا الخبيثه!. أو يقولون "السياسة لا أب لها ولا أم"، والمقصود لا أخلاق فيها ولا تعرف أحداً ولا تخجل، هي فقط تحقق مصالح القوة، وهذا يطابق مع المبدأ الميكافيلي: "الغاية تبرر الوسيلة"!.
ما يفعله حكام الشرق الأوسط ومحتلو كوردستان الآن هو ضد كل الأسس والقيم الإنسانية ومبادئ العلوم السياسية، وهو تدمير للأمن والاستقرار في بلدانهم قبل الاخرين. ان ما يدعون به باسم الشعب و الوطنية أسلوب خداع وتمويه الجماهير الغافلة لتحقيق مآربهم، و كذلك فإن ما تقوم بها أمريكا وإسرائيل وإيران في الشرق الأوسط تحت شعارات مخادعة للرأي العام هي مهزلة سياسية، فلا توجد فيها أي مبادئ. إيران التي ترفع شعار "لا شرقية ولا غربية" وتتمنى الموت للآخرين، تتدخل بشكل غير مشروع وسافر وتهدد الجميع عدا الموالين! وأمريكا وإسرائيل تتدخلان وتقولان سنغير الشرق الأوسط وتهددان و تشنان الحروب، وفي النهاية يتفاوضان على ما كانا يدعيان!، حيث يدعون باشياء و يريدون أشياء أخرى، أي يتبعون سياسة المثل القائل: "أرهِ الموت ليرضى بالحمى"!.
منذ سنوات وصراع أمريكا وإيران يشبه لعبة القط والفأر؛ تارة ينظر إليه وتارة يركض خلفه، وتارة يمسكه وتارة يطلقه! و الحراك الدبلوماسي مستمر و مع ذلك وقعت الحرب و الحوار قائم بصيغ متعددة!، وكأنهم لا يريدون حسم هذه القضية لأغراض مخفية!.
إن تصريحات القادة المعنيين بهذه الصدامات جعلت الأوضاع أكثر ضبابية وفقد الناس مسار دروبهم، وتسببت في تخريب كل مبادئ السياسة و القيم الإنسانية وفقدان المصداقية ووقعت الكثير من الخسائر من كل الأطراف، في حين ان كل هذه المشاكل و الخلافات قابلة للحل لو كانت هناك نوايا حسنة و مبادرات للحل السلمي، حقاً إنها مهزلة السياسة.
يبدو أن قواعد السياسة واللعبة والمواجهة قد تغيرت، وأصبح كل طرف يفعل ما يحلو له بلا خجل وحياء، والمهم هو مصلحته فقط!. أمريكا التي كانت تقول سنجعل الشرق الأوسط ديمقراطياً، تقول الآن: "حاكم مستبد يحقق مصالحنا أفضل لنا!"، وإسرائيل التي كانت تقول سنغير خارطة الشرق الأوسط، تقول الآن: "المهم لنا هو تأمين أمن إسرائيل!". و ايران متمسكة بمصالحها و لها نفس طويل في المفاوضات، ولعل المفاوضات الصفوية العثمانية التي دامت من معركة چالديران عام ١٥١٤ إلى اتفاقية زهاو عام ١٦٣٩ دامت اكثر من ١٢٥ سنة!، دليل على مدى صبر ايران في المفاوضات. اما مشاكلها مع كافة دول الجوار و مكونات شعبها فلم تهدأ أبدا و حواراتها مستمرة دون حل عادل. و يبدو ان التاريخ السياسي للمجتمع البشري كلها على نفس المنوال!.
والكورد طيبوا القلب و ذو النية الحسنة صدقوا أقوالهم وبنوا أحلامهم عليها! وفي الوقت نفسه، لا تزال سياسات دول المنطقة ومحتلي كوردستان قمعية.
حقاً هذه السخرية ضربت كل مبادئ العلوم السياسية وشوهتها، ويجب إعادة تعريفها من جديد ووضع معايير لها والعمل بها، وإلا سيسقط العالم كله في الفوضى ويحترق بنارها.
نأمل من أصحاب القرار و ذوي الشأن في العالم أن يهتموا بالإنسان وحقوقه ويخدموا البشرية ويحققوا الاستقرار والسلام .والرفاهية، من أجل أمن وسكينة العالم