د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
مسرور بارزاني… دبلوماسية الثقة وبوابة مرحلة جديدة في المنطقة
في مرحلة تُعدّ من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة، تأتي زيارة مسرور بارزاني إلى تركيا لتؤكد أن إقليم كوردستان بات رقماً أساسياً في معادلات الاستقرار والسلام، وأن الحوار والعلاقات المتوازنة أصبحا الطريق الأكثر واقعية لحماية شعوب المنطقة من دوامة الصراعات والحروب.
الزيارة، بما حملته من رسائل سياسية وأمنية ودبلوماسية، لم تكن زيارة بروتوكولية عابرة، بل بدت وكأنها إعلان واضح عن مرحلة جديدة من التفاهم والتقارب، سواء بين إقليم كوردستان وتركيا، أو ضمن الإطار الأوسع للعلاقة مع العراق والمنطقة بشكل عام. ومن خلال متابعة تفاصيل اللقاءات، وطريقة الاستقبال الرسمية، وحجم الشخصيات الحاضرة من وزراء ومسؤولي الأمن والدفاع والخارجية والمخابرات، يتضح حجم الاهتمام التركي بهذه العلاقة، والإدراك المتبادل لأهمية المرحلة المقبلة.
لقد عكست الصور المنشورة من قبل رئيس حكومة إقليم كوردستان و التغطية الاعلامية حالة من الارتياح والثقة المتبادلة، حتى بدا واضحاً أن لغة الجسد والصور أحياناً تتحدث أكثر من التصريحات الرسمية. فطريقة الاستقبال، والاحترام المتبادل، وأسلوب التوديع، كلها حملت إشارات سياسية مهمة تؤكد أن تركيا تنظر إلى إقليم كوردستان بوصفه شريكاً أساسياً في تحقيق الأمن والاستقرار، لا مجرد طرف ضمن معادلات مؤقتة.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحولات كبرى، وصراعات متشابكة، وحروب تتأرجح بين المد والجزر، يجد الكورد أنفسهم في قلب الأحداث بحكم الجغرافيا والتاريخ والموقع السياسي. ومع ذلك، أثبت الكورد خلال السنوات الماضية أنهم ليسوا جزءاً من الحروب أو عوامل تأجيجها، بل جزء من الحل، وعنصر استقرار وتوازن في المنطقة. وهذا الموقف المتزن، القائم على ضبط النفس والحكمة السياسية، منح إقليم كوردستان احتراماً متزايداً على المستوى الإقليمي والدولي.
إن الحديث اليوم عن عراق جديد لا يمكن فصله عن أهمية الدور الكوردي في ترسيخ مفاهيم الدولة المدنية والشراكة الحقيقية. فالعراق الذي يسعى الجميع لبنائه يجب أن يكون دولة دستور وقانون ومؤسسات، لا دولة سلاح وصراعات داخلية. ومن هنا تأتي أهمية النهج الذي يدعو إلى الحوار، والتفاهم، ونزع أسباب التوتر، والعمل على بناء مستقبل تشارك فيه جميع المكونات على أساس الحقوق والواجبات المتساوية.
وفي هذا السياق، فإن التقارب التركي – الكوردي يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الاستقرار الإقليمي، خاصة أن تركيا تُعدّ دولة ذات تأثير كبير في المنطقة والعالم، وتمتلك ثقلاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً لا يمكن تجاهله. كما أن التصريحات الصادرة عن القيادة التركية، والتي أكدت أهمية دور إقليم كوردستان في عملية السلام والاستقرار، تحمل دلالات عميقة على وجود قناعة متنامية بأن الحلول السياسية والحوار الجاد هما الطريق الصحيح للمستقبل.
ولا يمكن إغفال الإشادة الواضحة بالدور التاريخي للرئيس مسعود بارزاني في دعم مسارات السلام والتقارب، إذ إن مكانته السياسية وخبرته الطويلة جعلت منه شخصية محورية قادرة على تقريب وجهات النظر وفتح أبواب الحوار في الأوقات الصعبة. فالكثير من الملفات المعقدة تحتاج إلى شخصيات تمتلك الحكمة والقبول والعلاقات الواسعة، والرئيس مسعود بارزاني يُعدّ من أبرز هذه الشخصيات في المنطقة.
كما أن الشارع الكوردستاني اليوم بحاجة حقيقية إلى هذا النوع من الانفتاح والعلاقات المتوازنة مع دول الجوار، لأن الاستقرار السياسي والاقتصادي لا يتحقق إلا من خلال بناء الثقة وتعزيز المصالح المشتركة. وقد أثبتت التجارب أن أي علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والنية الصادقة تنعكس إيجاباً على الشعوب، وتفتح أبواب التنمية والاستقرار والتقدم.
ومن الواضح أن إقليم كوردستان يسير بخطوات ثابتة نحو ترسيخ سياسة تقوم على التوازن والانفتاح، بعيداً عن سياسة المحاور والتوترات. وهذا ما جعل الإقليم يحافظ على مكانته رغم كل التحديات التي مرت بها المنطقة خلال العامين الماضيين، سواء من أزمات أمنية أو سياسية أو اقتصادية.
إن نجاح الكورد في الحفاظ على الاستقرار الداخلي، وفي بناء علاقات إيجابية مع المحيط الإقليمي والدولي، لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة رؤية سياسية تعتمد الواقعية والحوار واحترام المصالح المشتركة. ولهذا تبدو هذه الزيارة امتداداً طبيعياً لمسار طويل من العمل السياسي والدبلوماسي الهادئ.
كما أن الآمال اليوم تتجه نحو تشكيل حكومات تعتمد الكفاءة والتكنوقراط، وتعمل لخدمة جميع المواطنين بعيداً عن الانقسامات والصراعات، لأن المرحلة الحالية تتطلب إدارة واعية قادرة على التعامل مع التحديات الجديدة بروح الدولة الحديثة.
لقد حملت هذه الزيارة الكثير من الإيحاءات الإيجابية، ليس فقط على مستوى العلاقات الثنائية، بل أيضاً على مستوى مستقبل المنطقة بأكملها. فحين يكون هناك تفاهم حقيقي بين القوى المؤثرة، وحين تُمنح الأولوية للسلام والتنمية بدل السلاح والصدام، تصبح فرص الاستقرار أكبر، وتصبح الشعوب أكثر أملاً بمستقبل أفضل.
ومن هنا يمكن القول إن زيارة رئيس حكومة إقليم كوردستان إلى تركيا لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية لمستقبل العلاقات الإقليمية، ورسالة واضحة بأن الكورد اختاروا طريق الحوار والسلام والشراكة، وأنهم مستمرون في بناء علاقات متوازنة مع الداخل العراقي ودول الجوار والمجتمع الدولي.
إن المنطقة اليوم بحاجة إلى قادة يؤمنون بالحوار أكثر من الصراع، وبالتقارب أكثر من القطيعة، وبالدولة المدنية أكثر من لغة السلاح. وربما هذا ما عكسته هذه الزيارة بكل تفاصيلها، من لحظة الاستقبال وحتى لحظة التوديع، في مشهد بدا وكأنه يقول إن هناك مرحلة جديدة تُرسم بهدوء، وإن إقليم كوردستان سيكون جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط