ڤینوس بابان
كاتبة صحفية
مسرور بارزاني والسلطة التي تُبنى بصمت
في الشرق الأوسط ليست كل اللقاءات السياسية مجرد صور بروتوكولية، فبعض الاجتماعات تكشف تحولات أعمق بكثير من البيانات الرسمية، هناك لقاءات تُقرأ من مكان انعقادها ومن مستوى الحضور فيها ومن توقيتها ومن الرسائل غير المعلنة خلف الكلمات الدبلوماسية.
ومن هذا المنطلق فإن زيارة رئيس حكومة إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني إلى تركيا ولقائه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان داخل قصر دولمة بهجة (Dolmabahçe Sarayı) في إسطنبول، لم تكن زيارة عادية بل حملت أبعاداً سياسية وأمنية واقتصادية تتعلق بمستقبل المنطقة. في السياق ذاته عكس اللقاء مستوى متقدماً من التنسيق بين أنقرة وأربيل خصوصاً مع مشاركة وزراء الخارجية والدفاع والطاقة ورئيس الاستخبارات التركي وهو ما يشير إلى أن العلاقة لم تعد بروتوكولية بل تحولت إلى ملف دولة شامل يتداخل فيه الأمن والسياسة والاقتصاد، اختيار قصر دولمة بهجة ، أحد أهم القصور الرئاسية في تركيا يعزز هذا المعنى إذ يُستخدم عادة في اللقاءات ذات الطابع الاستراتيجي الرفيع. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة رسم للتوازنات حيث لم يعد الراع مقتصراً على الجغرافيا بل امتد إلى الطاقة والممرات التجارية والاستقرار، وفي هذا السياق يسعى إقليم كوردستان إلى تثبيت موقعه كفاعل سياسي واقتصادي مهم بينما يعمل مسرور بارزاني على تحويل الاستقرار إلى أداة نفوذ داخل هذا المشهد المعقد.
كما أن حجم الحضور التركي في الاجتماع يكشف أن أنقرة تتعامل مع الإقليم كجزء من معادلتها الإقليمية وليس مجرد كيان داخل العراق، فوجود مؤسسات سيادية وأمنية في اللقاء يعكس أن الملفات المطروحة تتجاوز العلاقات الثنائية إلى قضايا استراتيجية تتعلق بالأمن الإقليمي والطاقة والحدود. وفي تطور مهم داخل الزيارة عقد رئيس حكومة إقليم كوردستان اجتماعاً مع وزير الدفاع التركي وهو ما يضيف بعداً أمنياً مباشراً للعلاقة، هذا المستوى من التنسيق يعكس أن مفهوم الاستقرار لم يعد سياسياً فقط بل أصبح مرتبطاً بالمعادلات الأمنية في المنطقة بما في ذلك إدارة التوترات ومنع التصعيد، وبذلك يتحول إقليم كوردستان إلى جزء من هندسة الأمن الإقليمي وليس فقط طرفاً اقتصادياً أو إدارياً.
استقبال السيد مسرور بارزاني بهذا المستوى يحمل ثلاث رسائل أساسية.. أن أنقرة ترى في إقليم كوردستان شريكاً مستقراً في منطقة مضطربة، وأن العلاقة أصبحت جزءاً من الحسابات الأمنية والاقتصادية التركية، وأن هناك رغبة في بناء قنوات مباشرة مع قيادة قادرة على التأثير داخل العراق. وفي بعد أكثر حساسية أشار الخطاب التركي إلى أن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد بعيداً عن العراق، بل بدأ يمتد إلى داخله بما في ذلك إقليم كوردستان هذا التحول يضع أربيل ضمن دائرة التفاعلات الجيوسياسية بين القوى الكبرى ويجعل موقعها أكثر تعقيداً وحساسية إذ لم تعد مجرد جزء من المعادلة العراقية بل نقطة تماس بين محاور إقليمية ودولية.
كما يعكس الخطاب التركي سياسة مزدوجة تقوم على إدارة العلاقة مع بغداد وأربيل في آن واحد باعتبار أن استقرار العراق لا يمكن فصله عن استقرار إقليم كوردستان، وهذا يعزز موقع إقليم كوردستان كطرف أساسي في التوازن الداخلي العراقي.
وفي السياق الأمني يندرج ملف تركيا بلا إرهاب ضمن رؤية طويلة الأمد لإعادة صياغة البيئة الأمنية في محيط تركيا حيث يُنظر إلى إقليم كوردستان كجزء من هذه المنظومة نظراً لموقعه الجغرافي الحساس، خلال السنوات الأخيرة عمل السيد مسرور بارزاني رئيس حكومة إقليم كوردستان على تقديم نموذج سياسي مختلف يقوم على تعزيز الاستقرار الداخلي وجذب الاستثمار وتوسيع العلاقات الإقليمية، هذا التوجه يعكس إدراكاً بأن النفوذ في الشرق الأوسط لم يعد يُبنى على القوة الصلبة فقط بل على الاقتصاد والاستقرار والعلاقات الدولية، وفي منطقة تعاني من الانقسامات يسعى الإقليم إلى تقديم نفسه كنموذج أكثر استقراراً ما يمنحه موقعاً متقدماً في الحسابات الإقليمية والدولية وهنا يظهر جوهر السياسة الحالية.. تحويل الاستقرار إلى مصدر قوة سياسية واقتصادية.
اقتصادياً، ترتبط تركيا وإقليم كوردستان بعلاقات تجارية واسعة حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الإقليم عبر الأراضي التركية إلى جانب وجود شركات تركية في مجالات البناء والطاقة والبنية التحتية وهذا الترابط يجعل الاستقرار في الإقليم جزءاً من المصالح الاقتصادية التركية، كما أن مشاريع الربط الكبرى مثل طريق التنمية تمثل انتقالاً من التعاون التقليدي إلى مشروع ممر اقتصادي طويل الأمد يربط الخليج بالعراق وتركيا وأوروبا ما يعزز موقع الإقليم كحلقة عبور استراتيجية. وفي الإطار السياسي، يتحرك إقليم كوردستان ضمن سياسة توازن دقيقة بين تركيا وبغداد والقوى الغربية مع تجنب الانخراط في محاور إقليمية حادة وهو ما يعكس إدارة سياسية تقوم على توازن المصالح، ورغم أن الاجتماعات جرت في إسطنبول إلا أن بغداد كانت حاضرة في النقاشات خصوصاً فيما يتعلق بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة وحل الخلافات الدستورية ما يعكس ترابط استقرار المركز والإقليم. أما ملف الطاقة، فيبقى من أهم الملفات الحساسة نظراً لاحتياطات الإقليم النفطية وموقعه الجغرافي الذي يجعله محوراً محتملاً في مشاريع الطاقة المستقبلية. وفي العمق تراقب قوى دولية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وروسيا والاتحاد الأوروبي هذه التحركات بدقة لأن أي إعادة تموضع للإقليم قد تؤثر على خرائط النفوذ والطاقة في المنطقة.
ختاماً، لا يمكن اختزال هذه الزيارة في أبعادها البروتوكولية بل هي إعلان عن نضوج تجربة إقليم كوردستان كلاعب رقمي صلب في المعادلات الإقليمية، لقد تجاوز الإقليم مرحلة كونه ساحة للتفاعلات، ليصبح محركاً لها في ملفات الأمن والطاقة الاستراتيجية وهو ما يترجم رؤية السيد مسرور بارزاني في تحويل التحديات السيادية إلى نقاط ارتكاز استراتيجية تعيد رسم خارطة النفوذ والمصالح في قلب الشرق الأوسط.