مظفر مزوري
صحفي في مؤسسة كوردستان24
الخيال العلمي للفصائل المسلحة.. تغليس في الصحراء وملاحقة للأوهام في الجبال
في العراق، الجغرافية ليست مجرد تضاريس، بل هي عجينة يشكلها الخطاب السياسي كما يشاء. وبينما تزدحم الشاشات بحديث السيادة، يبرز ملف الوجود الإسرائيلي المفترض كأكبر فزّاعة تُستخدم لتصفية الحسابات، في مشهد يجمع بين التحليل الأمني العميق والكوميديا السوداء.
تمتد صحراء الأنبار وبادية الشام على مساحات خرافية، وهي جغرافيا مثالية من الناحية العسكرية لإنشاء مراكز رصد وتسمع تقني. أمنياً، توفر هذه المنطقة عقداً مواصلاتية تربط العراق بسوريا والأردن، مما يجعلها هدفاً استراتيجياً لأي نشاط استخباري يسعى لمراقبة الجسر البري الإقليمي.
لكن المثير للسخرية هنا، هو حالة الزهد القتالي التي تمارسها الفصائل تجاه هذه الصحراء. فبينما تمتلك هذه الميليشيات طائرات مسيرة يُقال إنها تقطع آلاف الكيلومترات، يبدو أنها تُصاب بعشىً ليلي تقني فوق رمال الأنبار.
من الناحية العسكرية، إذا كانت هناك قاعدة إسرائيلية فعلاً، فإنها ستحتاج إلى أبراج اتصالات، ومنصات إطلاق، وحركة لوجستية لا يمكن إخفاؤها عن عيون المقاومة التي تدعي أنها تحصي أنفاس العصافير في المنطقة. فلماذا تضل الصواريخ طريقها دائماً وتستهدف مزارع أربيل ومنازل المواطنين الآمنة بدلاً من قواعد الصحراء؟
في بورصة الاتهامات العراقية، يبقى إقليم كوردستان هو الحائط المنصي. بمجرد أن تطالب أربيل باستحقاق دستوري، تنطلق ماكينة العمالة فوراً. هنا، ننتقل من التحليل الأمني إلى الخيال العلمي الميليشياوي، حيث تتحول فيلا سكنية أو مكتب تجاري في أربيل إلى مقر قيادة للموساد بلمحة بصر، ودون الحاجة لصور أقمار صناعية أو أدلة جنائية.
أمنياً، هذا التناقض يكشف عن انفصام في العقيدة الدفاعية، فبينما يُتهم الكورد بالعمالة لمجرد ممارسة الدبلوماسية، تُترك المناطق الحدودية المفتوحة تحت حماية البيانات الاستنكارية. ويبدو أن صواريخ الميليشيات مصابة بحساسية مفرطة تجاه هواء الجبال، بينما تعاني من برود عسكري تجاه رمال البادية.
عسكرياً، أي قاعدة أجنبية تحتاج إلى تأمين جوي، وفي ظل السيطرة الجوية الأمريكية على غرب العراق، يصبح الحديث عن قاعدة إسرائيلية مستقلة نكتة عسكرية سمجة. الحقيقة التي يتجنبها هواة القصف هي أنهم لا يجرؤون على توجيه مسيرة واحدة نحو مناطق النفوذ الجوي الحقيقي في الصحراء، فيستعيضون عن ذلك باستعراض عضلات فوق مدن إقليم كوردستان التي تلتزم بضبط النفس حرصاً على الدولة.
هنا نحن أمام تكنولوجيا هجينة من نوع خاص، فصواريخ الانتقاء ذكية جداً، تعرف كيف تتجنب قاعدة عين الأسد بمسافة أمان كافية، لكنها تتحمس بشكل مفرط عندما تلمح الاعمار والبناء في أربيل، اما الرادارات السياسية فهي لا تكتشف الخروقات الجوية الأجنبية التي تمر فوق رؤوسهم يومياً، لكنها تكتشف "مؤامرة كونية" في جلسة شاي بين رجل اعمال كوردي وضيفه في المنزل.
ختاماً، إن الدولة التي تُدار بمنطق الميليشيا تتعامل مع التهديدات الخارجية كقائمة طعام؛ تختار منها ما يناسب مزاجها السياسي وتتجاهل الباقي. فإما أن هناك قواعد أجنبية في الصحراء ويجب على فرسان السيادة التوقف عن ممارسة التغليس والذهاب لمواجهتها، أو أن قصص مراكز الموساد في كوردستان هي مجرد بروباغندا بائسة لم تعد تضحك حتى صانعيها.
الاستمرار في استخدام بعبع إسرائيل لضرب المكونات الداخلية هو اعتراف صريح بالعجز العسكري والسياسي العراقي. فمن يعجز عن حماية باديته من الأشباح، ليس من حقه قصف الجبال بحجة ملاحقة الأوهام.