إحسان آميدي
كاتب
الاحترام.. مِفتاح الحلول
يُعدُّ الاحترام حاجة إنسانية وجودية، فبدونه يفقد الإنسان كينونته ككائن اجتماعي واع. إنه سلوك فردي، واجتماعي، وسياسي يلازم المرء في كل محافل حياته.
يحتاج الإنسان - فردا كان أم جماعة - وبغض النظر عن جنسه، أو عرقه، أو دينه، أو طبقته، إلى تبادل الاحترام مع الآخر؛ فبالاحترام يزداد المرء رفعة وجمالا، وعبر بوابته تتوثق عرى التماسك وتتحقق التفاهمات والاتفاقات المستدامة.
إن الاحترام قيمة أخلاقية سامية، وسلوك حضاري يعكس مدى تقدير الذات والآخرين، وهو الجسر الذي تُبنى عليه أمتن العلاقات الاجتماعية والمهنية والسياسية. إنه تجسيدٌ للشعور بقيمة النفس والاعتبار للغير، ويُترجم عمليا عبر الاهتمام، والرعاية، وحسن التعامل، وصون الحقوق؛ مما يضمن ديمومة الروابط الإنسانية بمختلف أشكالها.
وفي الثقافة الكوردية، عندما يحترم شخصٌ ما إنسانا آخر، يُقال عنه: "إنه قدّر نفسه وأكرمها كثيرا". فاحترام الآخر هو السبيل الوحيد لنيل تقديره، وهي علاقة قائمة على التبادل؛ فاحترام الذات والآخر، والطفل والكبير، واللغة والعلم، والتقاليد والمعتقدات، والخصوصيات والمشاعر، وصولا إلى احترام البيئة والطبيعة، والاعتراف بحقوق الآخرين.. كل ذلك لا بد أن يُقابل باحترام مماثل، فكما يقول المثل الكوردي: "ما تزرعه تحصده".
يكتسب الإنسان قيمته ويغدو محبوبا حين ينتهج الاحترام مسلكا؛ فكل تقدير يُقابل بمثله، وكل إساءة تُولد رد فعل يماثلها. لذا، لا تنتهك الحقوق، ولا تعبث بالمشاعر، وتجنب الظلم والاضطهاد، ولا تطمع فيما يتجاوز استحقاقاتك المشروعة. تعامل وفق القوانين السماوية والوضعية لتنال مبتغاك بكرامة.
إن جُلَّ المشكلات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي تؤرق البشرية نابعة من غياب التقدير وانعدام الاحترام؛ فظلم المحتلين واستبداد المتسلطين ما هو إلا ازدراءٌ لأصحاب الحقوق، وردود الفعل على هذا الامتهان لا تؤدي إلا إلى دوامات العنف والضرر للجميع.
وبما أن الله قد كرم الإنسان بالعقل، فإن واجبه يملي عليه التمييز بين الخير والشر واختيار الصالح، والترفع عن الحقد والكراهية والتطرف والفساد. عليه أن يكون منصفا ورحيما، يحترم حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، تحقيقا للرضا العام و الاستقرار المجتمعي.
وفي هذا السياق، تبرز أقوال البارزاني الخالد كمبادئ نبيلة تجسد قيم الاحترام والعدالة والمساواة، لتنير درب شعب كوردستان وسياسييهم على حد سواء، وتدعو للعمل بها من أجل غد أفضل.
لقد تحدث البارزاني بصدق عن فسيفساء كوردستان قائلا: "كوردستان هي وطن لجميع القوميات والأديان"، مرسخا بذلك أسس التعايش والشراكة الحقيقية بين كافة المكونات. وعن الحقوق المشروعة لشعب كوردستان أكّد بوضوح: "لم نغتصب أرض أحد، ولم نطلب أكثر من حقوقنا"، في إشارة جلية إلى عفة النفس عن أراضي الآخرين والتمسك بالحقوق المشروعة فحسب.
وبشأن الوحدة والتماسك، قدم نصحه الثمين: "الأفضل أن نطهر قلوبنا من الحقد والكراهية ونتقرب من بعضنا البعض، ونعزز وحدتنا وتماسكنا"، وهي دعوة نابعة من قلب صاف ونية طيبة للتكاتف ونبذ الضغينة لحماية المكتسبات وتحقيق الانتصارات.
أما عن الظلم والجور، فقد حذر قائلا: "من يطمع في مال وأعراض الناس ويمارس الظلم والاضطهاد، فإنه يغضب الله والناس، ولا يمكن اعتباره إنسانا". وهي رسالة شديدة اللهجة ضد الطمع والتجاوز على حقوق الآخرين، مؤكدا أن من يفعل ذلك يتجرد من إنسانيته ويستحق سخط الخالق والمجتمع.
كما وجه الناس نحو النهج القويم بقوله: "يجب على الإنسان أن يكون منحازا للعدالة والضمير والمساواة في الحياة"، داعيا الكوردستانيين إلى التزام المسار الإنساني القائم على العدل. وعن أهمية الامتثال للنظام، قال: "الإنسان يزداد جمالا بالاحترام والالتزام بالقانون"، موضحا أن رقي المجتمع مرهون باحترام القوانين لضمان سير الحياة على أكمل وجه.
لقد منح البارزاني الخالد في أقواله هذه احتراما عظيما للإنسان، وشخّص قضاياه الجوهرية بكل أمانة. وإن التزامنا بهذه التوجيهات كفيل بإعداد أجيال صالحة قادرة على حل المشكلات وإرساء دعائم العدالة.
ختاما، حين يعتمد حكام العالم مبدأ الاحترام المتبادل، سنجد أن كل الحروب والأزمات ستسلك طريقها نحو الحل والاستقرار. إن الاحترام هو المِفتاح الحقيقي لفك كل العقد؛ فبوجوده تتلاشى المظالم والاضطهاد العرقي والديني والطبقي. هو حجر الأساس لبناء أسرة سعيدة، ومجتمع متماسك، وعلاقات دولية سليمة. لذا، يبقى الاحترام واجبا إنسانيا، وأخلاقيا، ودينيا، وقانونيا، يحمي الحقوق ويخلق بيئة آمنة للفرد والمجتمع والعالم أجمع.