أخلاق الفرسان.. كيف أدار الكورد صراعاتهم بقيم المروءة؟

أخلاق الفرسان.. كيف أدار الكورد صراعاتهم بقيم المروءة؟
أخلاق الفرسان.. كيف أدار الكورد صراعاتهم بقيم المروءة؟

في تاريخ الحروب، غالباً ما تذوب الأخلاق تحت وطأة الرصاص، لكن مراجعة دقيقة لتاريخ الحركة الكوردية في منطقة بارزان، كما وثقها الباحث الأكاديمي الدكتور مهند الجبوري في دراسته "عشائر بارزان ودورها في العراق"، تكشف عن ظاهرة فريدة؛ وهي "عسكرة الأخلاق". فبينما كانت الجبال تشهد معارك ضارية، كانت هناك منظومة قيمية صارمة تحكم حركة المقاتل الكوردي، تجعل من "النبل" سلاحاً لا يقل قوة عن البندقية.

الفوز الأخلاقي قبل النصر العسكري

لم تكن القيادة الكوردية، متمثلة في مدرسة بارزان، ترى في الحرب وسيلة للتشفي أو الانتقام. يشير الجبوري في أبحاثه إلى أن الشيخ أحمد البارزاني وضع "دستوراً أخلاقياً" للمقاتلين، كان يُدرس كجزء من التكوين الشخصي للفرد. لم يكن مسموحاً تحت أي ظرف الاعتداء على المدنيين، أو حرق المحاصيل، أو التعرض لدور العبادة، حتى لو كانت تابعة لخصومهم في السياسة.

هذا الالتزام لم يكن نابعاً من ضعف، بل من إيمان عميق بأن "القضية العادلة لا تُنصر بالوسائل القذرة". لقد أدرك القادة الكورد مبكراً أن معركتهم هي معركة "حقوق"، وأن الحفاظ على نظافة اليد هو الضمان الوحيد لكسب احترام العالم، والأهم من ذلك، الحفاظ على نسيج الأخوة مع المكونات الأخرى التي تعيش في المنطقة.

الأسرى.. ضيوف لا سجناء

من أكثر النقاط إشراقاً في تاريخ هذه الصراعات، والتي تستحق أن يقرأها المواطن العربي اليوم بعناية، هي طريقة تعامل الثوار الكورد مع الأسرى من جنود الجيش العراقي. يروي التاريخ الأكاديمي قصصاً موثقة عن جنود وجدوا في جبال بارزان معاملة "الضيوف". كان القادة الكورد يدركون أن هؤلاء الجنود هم أبناء عوائل عراقية بسيطة، سِيقوا إلى الحرب قسراً.

كان الشيخ والقيادة يحرصون على تأمين طعام الأسرى حتى لو جاع المقاتلون الكورد، وكثيراً ما كانت تنتهي المعارك بإطلاق سراح الأسرى وتأمين وصولهم إلى ذويهم، محملين برسائل سلام تؤكد أن الخلاف ليس مع "الشعب" بل مع "القرار السياسي الجائر". هذه الممارسات لم تكن مجرد تكتيك عسكري، بل كانت تجسيداً لشهامة الجبل الكوردي.

حماية التنوع: العهد البارزاني

لم يقتصر نبل المواجهة على التعامل مع الخصوم، بل شمل حماية الأقليات الدينية والقومية في أوقات الفوضى. في الفترات التي غطاها الدكتور الجبوري (1903-1958)، كانت بارزان ملاذاً آمناً لكل مستجير، بغض النظر عن دينه أو عرقه. لقد كان القادة الكورد يرون في التنوع قوة، وفي 

حماية "الغريب" واجباً مقدساً.

إن هذه "الأخلاقية في الحرب" هي التي جعلت من الثورة الكوردية نموذجاً ملهماً. إنهم لم يقاتلوا لأنهم يهوون القتل، بل قاتلوا ليحيوا ، وعندما اضطروا للمواجهة، فعلوا ذلك بشرف الفرسان. إن رسالة هذه السلسلة للقارئ العربي هي أن "الكوردي" الذي حمل السلاح، كان يحمل في قلبه غصن زيتون ينتظر اللحظة المناسبة ليُغرس في أرض السلام والعدالة.