هل يُكرر الكورد ما فعلته السّنة في العراق عام 2005

هل يُكرر الكورد ما فعلته السّنة في العراق عام 2005
هل يُكرر الكورد ما فعلته السّنة في العراق عام 2005

يتردد في الأوساط السياسية والشعبية، أحاديث حول أهمية  المشاركة أو العزوف، المقاطعة أو ترك الخيّار أمام الكورد  المستقلين -الغير مُلتزمين تنظيمياً مع الأحزاب- في المشاركة من عدمها في الانتخابات غير المباشرة للوصول إلى البرلمان السوري المقبل.      

بالعموم فإن مشاركة الكتل السياسية الكوردية في الانتخابات ومجلس الشعب، ستُشكل رسائل قوى للسلطة الحالية أمام المجتمع الدولي، وسيُعطي زخماً سياسياً لها، بالمقابل سيعني أيضاً خوض الكورد غمار الحياة النيابية للمرة الثانية في تاريخهم، بعد انتخابات تسعينيات القرن الماضي، والتي وصل بموجبه ثلاث من رؤساء الأحزاب الكوردية للبرلمان، مع وصول شخصية اشورية، وأخر من المغموريين العرب عن محافظة الحسكة.

ومع ذلك لم تتح لهم فاعلية في المشاركة السياسية، أو رسم التشريعات والقوانين. وهذه المرة، تُعاد الفرصة بشكل جديد، استثمارها على قاعدة ضمان التوازن والشراكة الحقيقية، سيكون من مصلحة الطرفين-السلطة والكورد- لرسم السياسات العامة والخاصة للبلاد.       

حاليا وصل قطار الانتخابات في عموم سوريا إلى نهايته باستثناء السويداء، والمنطقة الكردية في الحسكة وكوباني، بعد أن جرت الانتخابات في عفرين. والمؤسف إجراء الانتخابات في سري كانيه في ظل تهجير أكثر من 90% من سكانها، كورداً وسريان اشوريين، وعرباً، وشركساً، فمن حضر تلك الانتخابات؟ علماً أن السواد الأعظم من المُهجرين يقطنون قامشلو والحسكة حالياً، وكان من الممكن توفير ظروف تقنية لمشاركتهم أيضاً. 

في السياق السياسي والتاريخي السوري، ومنذ سيطرة البعث على مقاليد الحكم، ولم يخض السوريين أي انتخابات حقيقية، وبل إن النتائج كانت مضمونة ومُعدة سلفاً في أروقة الأفرع الأمنية والنظام سابقاً. و كل من وصل إلى البرلمان عبر تلك التذكية، كان عبارة عن نسخة فوتوكوبي للنظام السوري والأفرع الأمنية.                             

لذا من المفروض أن تكون أول انتخابات تشريعية عامة بعد سقوط الأسد، مؤسسة لبرلمان أكثر رصانة في المراحل والأعوام المقبلة؛ لأن ليس الهدف بناء دولة لبضع سنوات عبر حالة تشريعية مؤقتة أو غير مكتملة الأركان، بل دولة قوية تستمر لعقود. والنموذج الانتخابي غير المباشر المُتبع حالياً، هو  نتيجة جملة من المعوقات منها الهجرة والدمار وعدم تواجد غالبية السوريين في الداخل...إلخ. 

وفي هذه الأيام، ومع تهيئ محافظة الحسكة لإجراء أول انتخابات بعد سقوط الأسد. فإن المأمول والمطلوب أن تنتقل سوريا من عدوى الحكم الواحد إلى تكريس التعددية السياسية. وسيكون للبرلمان الحالي وتشريعاته تداعيات مؤثرة على حاضر ومستقبل السوريين. 

لكن الأساس، بالمقابل هو ضمان وصول الكتل السياسية للبرلمان، وأخذ حقها في إحداث أي تغيير لمصلحة البلاد ضمن قبة البرلمان الذي، و كما يُروج، إنه سيكون هو مصدر للتشريع لجميع العراقيل التي تعيق بناء الدولة السورية، وهي الحالة الطبيعية على كُلّ حال. لكن طبيعة النظام الانتخابي، وأدوار اللجنة العليا والفرعية، تضع تلك الضمانات على المحك، وليس الفكرة التشكيك بها، بل التوازن والشراكة في عضوية اللجنة الفرعية. أو وصول أشخاص غير مرغوب بهم على الساحة السورية الثورية كما حصل في الرقة قبل أسابيع.

وفي مقدمة المشاكل والقضايا المطروحة للنقاش في البرلمان هو نظام الحكم وشكل الدولة وقضايا الهويّة والموقف من الديمقراطية وحقوق النساء والشباب و...إلخ. إضافة إلى توزيع السلطة والثروة والضرائب بين المركز والأطراف وقانون الأحزاب والنقابات. وهل سيتم نقل الصلاحيات أم تفويض الصلاحيات للمحافظات، وشكل اللامركزية ما بين الإدارية وفق قانون الإدارة المحلية، أو اللامركزية الموسعة، وكل القضايا المتعلقة برسم الخارطة السياسية والمجتمعية والاقتصادية لضمان عيش جميع السوريين، ضمن مفهوم جديد لهذه البلاد.

نتحدث هنا عن المواطنة الحقوقية، وهي التي يجب أن تبنى على أساس الحقوق والمساواة، لكن عن أيّ مواطنة نتحدث في ظل تعريب مفهوم الدولة وتعريف الجمهورية بــ"الجمهورية العربية السورية" في حين الأحقية هي تسمية " الجمهورية\الدولة السورية" انطلاقا من الصيرورة التاريخية والتنوع والتعدد القومي والديني والاثني في سوريا.

جذر المشكلة هي في ترك مصير وصول الكورد إلى البرلمان، رهينة "للتأمل والقدر"، فهو ما سيعني حتماً خللاً في موازين القوى، ورجوع حجم وتأثير الكتل السياسية الكوردية التقليدية للصفوف الخلفية، وهو يحمل تأثيراً في ذلك الحراك، وبداية مغايرة للسلطة نفسها في تعاطيها مع القضية الكوردية ضمن قبة البرلمان؛ إذ ليس كُل من يصل لمجلس الشعب، سيكون بالنفس ذاته الذي يخلق مساحات أمان وانسجام بين الكورد وباقي السوريين.

الانتخابات التي ستجري، ومع عدم الحسم الكوردي لشكل وطبيعة ونوعية المشاركة، فإنها تحمل المتابعين إلى عام2005، وأول انتخابات تشريعية في العراق، والذي قاطعه العرب السّنة، والذين يشكلون قرابة ربع سكان البلاد، ومع ذلك تشكل البرلمان العراقي، وبقيت المناطق السنية منسية، وتحملت القواعد الاجتماعية السّنية مغبة ذلك التصرف الخاطئ، ودفعوا أكلافاً باهظة على صعيد المشاركة في رسم السياسات، والمناصب العليا، والتوظيف.