من مصر نكتب في اليوبيل الذهبي لثورة گولان

من مصر نكتب في اليوبيل الذهبي لثورة گولان
من مصر نكتب في اليوبيل الذهبي لثورة گولان

خمسون عامًا مرت على ثورة گولان ولايزال الكورد يستذكرونها كل عام إحياءً لذكراها، وتقديرًا لنتائجها، ولا غرابة في ذلك؛ فالمكتسبات التي يتمتع بها إقليم كوردستان العراق حاليًا جاءت من خلال هذه الثورة كوحدة نضالية ثورية توسطت مرحلتي ثورتين مهمتين في تاريخ الشعب الكوردي، السابقة كانت ثورة أيلول 1961-1975م، واللاحقة جاءت انتفاضة آذار 1991م؛ فبكفاح الكورد في تلك المراحل المتواصلة مجتمعةً يعيش كورد العراق حاليًا في نظام فيدرالي يضبطه دستور وتنظمه قوانين، ويحظى بشرعية دولية.

من القيم الكبيرة لـگولان ليس لكونها ثورة أو انتفاضة فحسب، فللكورد الكثير من الثورات والانتفاضات المهمة عبر تاريخهم الطويل الممتد إلى العصور القديمة؛ وإنما تأتي قيمة گولان في كونها جاءت في مرحلة ظنّ العالم فيها أن الكورد قد انتهوا، ولم يعد لقضيتهم المشروعة ولا لحركتهم التحررية وجود! فقائدهم الكبير ملا مصطفى في المنفى، والبيشمركه مشردون متفرقون في وضع نفسي ومعنوي سيء لا يحسدون عليه، وأجنحة لا يستهان بها من الحركة الكردية قد انشقت وتشكّل كيانًا آخر خارج المناطق الكوردية، والقوات العراقية تسيطر على المناطق الكردية وتهجّر مدنيّيها بقساوة في أقاصي العراق العربي ومجاهل صحرائه. يواكب ذلك كله تلاقي مصالح انتهازية شوفينية إقليمية ودولية اتفقت مع النظام العراقي على التآمر ضد الشعب الكوردي والغدر والتنكيل به فيما هو معروف باتفاقية الجزائر 1975م. إلى غير ذلك من الظروف العصيبة والقاسية التي مر بها الكورد آنذاك.

في ظل ذلك، جاءت ثورة گولان في 26 مايو 1976م، وحمل رايتها الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة الرئيس مسعود البارازني، حاملاً أمانة أبيه، ومستأنفًا مقاومة سياسات البطش والقمع من قبل الأنظمة العراقية، وإحباطًا لتحالفات التآمر والغدر الدولي؛ ليثبت الكورد للعالم أنهم متجذرون في مناطقهم الكوردستانية، متمسكون بها وبحقوقهم الوطنية ما دام فيهم قلب ينبض ودماء تجري.

مهما قرأنا عن گولان، فلن نستطيع أن نستوعب كل خيوطها وعِظم أهميتها أكثر ممن عايشوا مرارة تحالف البطش الداخلي مع الغدر الدولي عام 1975م، وبالتالي خلقت كل أجنحة الحركة التحررية الكوردية آنذاك العزيمة والإصرار بالقدر الذي يمكّنها من مواجهة تلك المؤامرة الدولية، ويعيد الأمل إلى الشعب الكوردي ويؤسِّس لمرحلة طويلة من المقاومة والتنظيم السياسي.

لقد كانت ثورة گولان بمثابة كسر لليأس، وبعثًا جديدًا للحركة التحررية الكوردية، وصدمة كبرى لأعدائها الذين جُنّ جنونهم بسبب سرعة اليقظة الكورد، وإصرارهم على المبدأ حتى لو أدى ذلك إلى ملاحقتهم بالإبادة الجماعية بالأسلحة الكيماوية بعد نحو عقد من الزمان.

وخلال گولان، برز اسم مسعود البارزاني بوصفه أحد أهم قادة المرحلة الجديدة بعد رحيل والده ملا مصطفى البارزاني عام 1979م، وقام بدورٍ محوريٍّ في إعادة بناء التنظيم السياسي والعسكري للحزب الديمقراطي الكوردستاني، كما أشرف على إعادة تنظيم قوات البيشمركة وتوحيد الصفوف في ظروف شديدة الصعوبة.

وبالتالي، نجح القائد الجديد للحركة التحررية الكردية مسعود البارزاني مع بقية إخوانه الآخرين في إعادة الثقة للمواطنين الكورد بعد أن كاد الإحباط أن يتمكّن من تلابيبهم، وحافظ على الهوية السياسية للحركة الكوردية، وركّز على إبقاء القضية الكوردية حاضرة إقليميًا ودوليًا رغم الضغوط الكبيرة التي واجهتها الحركة، ووسع شبكة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية لضمان دعم جديد للقضية الكوردية وعدم عزلها سياسيًا.

في ظل تلك الصحوة بقيادة مسعود البارزاني، سعت ثورة گولان إلى الدفاع عن الوجود القومي الكوردي، ومقاومة سياسات التعريب والتهجير التي مارسها النظام العراقي، والإصرار على المطالبة بالحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكوردي، والحفاظ على استمرارية مشروع الحكم الذاتي لكوردستان. 

بالفعل، نجح الكورد في تحقيق أهدافهم تلك، رغم جسامة التضحيات الكبيرة التي تعرضوا لها، بالوصول إلى الحكم الذاتي في إقليم كوردستان بعد انتفاضة آذار 1991م، وتعزيز الوعي القومي لدى الكورد، وترسيخ ثقافة المقاومة والنضال من أجل الحقوق المشروعة.

ومن هنا، يحق لنا أن نقول عن ثورة گولان في يبويلها الذهبي أنها ستبقى رمزًا للصمود والإصرار في الذاكرة الوطنية الكوردية.

وأخيرًا، كان لي اقتراح على من بيده الأمر في إقليم كوردستان وعلى المستثمرين، بأن يتم إنشاء مدينة أو قرية نموذجية تحمل اسم (23) نسبة إلى عدد بيشمرگه أول مفرزة تحركت في ثورة گولان يوم 26 آيار، على أن تتكون من 23 شارعاً، كل شارع باسم واحد من المفرزة، وأن يكون الشارع الرئيسي باسم أول شهيد فيهم: "سيد عبدالله حاجي عمراني".