بين السيرة الهلالية و" دەنگبێژ - المنشد الشعبي" الكوردي: حين تصنع الحكاية الشعبية ذاكرة أصيلة في وجدان الشعوب

بين السيرة الهلالية و" دەنگبێژ - المنشد الشعبي" الكوردي: حين تصنع الحكاية الشعبية ذاكرة أصيلة في وجدان الشعوب
بين السيرة الهلالية و" دەنگبێژ - المنشد الشعبي" الكوردي: حين تصنع الحكاية الشعبية ذاكرة أصيلة في وجدان الشعوب

لكل بلد تراثها الشعبي الذي يشكل جزءًا أصيلًا من هويتها الثقافية وذاكرتها التاريخية، ومن خلاله تنتقل الحكايات والقيم والعادات من جيل إلى آخر. ورغم اختلاف اللغات والجغرافيا، فإن المتأمل في التراث الشعبي لشعوب الشرق الأوسط يكتشف وجود خيوط مشتركة قوية وضاربة في الجذور تربط بينها، سواء في أساليب السرد المشوقة، أو في الملاحم البطولية التي تذكي حماسة النفوس، أو في الأغاني العذبة التي حفظت التاريخ الشفهي عبر القرون الطويلة من الزمان. ومن أبرز هذه النماذج الدالة على هذا الترابط الوثيق والتأثر المتبادل، تلك العلاقة الثقافية والجمالية بين السيرة الهلالية في مصر وفن المنشد الشعبي الكوردي (دەنگبێژ) ، وهما نموذجان فريدان يعكسان قدرة الإنسان المبدع على تحويل التاريخ والذاكرة إلى حكاية مغناة تعيش في وجدان الناس وتتحرك بها عواطفهم ونبضات قلوبهم.

"دەنگبێژ" يرسم ملامح الفن الشعبي الكوردي

يحتل فن (دەنگبێژ - المنشد الشعبي الكوردي) هو فن تراثي وموسيقي كوردي عريق يعتمد على رواية القصص والحكايات بالغناء مكانة خاصة ومرموقة في الثقافة الكوردية، فالمنشد الشعبي الكوردي ليس مجرد مغنٍ عابر أو شاعر يلقي القوافي، بل هو راوٍ حقيقي للتاريخ الشعبي وحافظ للذاكرة الجماعية للأمة الكوردية. وعلى مدى قرون طويلة، جابوا المنشدون القرى النائية والمرتفعات الجبلية الوعرة في كوردستان، يروون قصص الحب العذري، والحروب الطاحنة، والبطولات النادرة، والأحداث التاريخية المفصلية، معتمدين في ذلك كله على الذاكرة الشفهية الحية والصوت الإنساني الدافئ أكثر من اعتمادهم على التدوين والكتابة في الدفاتر. وكانت حكاياتهم الشجية تبدأ غالبًا بعبارات تقليدية تشبه عبارة «كان يا ما كان في قديم الزمان»، في تقليد سردي أصيل نجده أيضًا في كثير من الحكايات الشعبية العربية التي تناقلتها الأجيال.

السيرة الهلالية تشبه الدنجبج

وفي مصر، لعب شعراء السيرة الهلالية الدور نفسه تقريبًا وبذات الزخم والقدرة على التأثير، إذ ارتبطوا ارتباطًا وثيقًا بآلة الربابة التراثية وجابوا القرى والنجوع والكفور، خصوصًا في أرياف وصعيد مصر، يروون ملحمة بني هلال وما تحمله من بطولات ومغامرات وشخصيات أسطورية أسرت عقول المستمعين. وقد تحولت السيرة الهلالية إلى واحدة من أهم وأضخم الملاحم الشعبية العربية على الإطلاق، ليس فقط بسبب طولها المفرط الذي يقترب من مليون بيت من الشعر المنظوم، بل لأنها ظلت حاضرة بقوة في الوعي الشعبي عبر أجيال متعاقبة، حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية والاجتماعية للمجتمع المصري والعربي بأسره.

وتتشابه السيرة الهلالية و المنشد الشعبي الكوردي في كونهما يعتمدان اعتمادًا كليًا على السرد الشفهي المباشر والأداء الحي المتفاعل أمام الجمهور في الساحات والمقاهي والمجالس. ففي كلتا الحالتين لا يكون الراوي ناقلًا جافًا للأحداث التاريخية فحسب، بل هو ممثل بارع، ومغنٍ ملهم، ومؤدٍ محترف يمنح القصة روحها الخاصة ويجسد انفعالاتها. كما أن كليهما يؤدي بحق دور المؤرخ الشعبي البديل الذي يحفظ التفاصيل الإنسانية والاجتماعية الدقيقة التي قد تغفله الكتب الرسمية والمؤلفات السلطوية، ويحول الذاكرة الجماعية البسيطة إلى فن راقٍ قادر على البقاء والاستمرار ومواجهة عاديات الزمن.

بعض العشائر العربية الموجودة اليوم في المناطق المحاذية لكوردستان العراق أو أطراف كوردستان قد تنسب نفسها إلى أصول هلالية أو قيسية، لكن هذه الأنساب تحتاج إلى دراسة حالةً بحالة ولا يمكن تعميمها على جميع القبائل.

وتشير المصادر التاريخية إلى وجود قبائل بني هلال في مناطق المشرق العربي، بما في ذلك العراق والشام، قبل انتقال القسم الأكبر منها إلى مصر ثم شمال أفريقيا في القرن الحادي عشر الميلادي. ومن الطبيعي أن تكون تحركاتها قد مرت بمناطق قريبة من كوردستان أو الجزيرة الفراتية التي كانت تضم عربًا وكوردا وسريانًا وغيرهم من الشعوب

تشابه والتقاء الثقافات 

ولا يقتصر هذا التشابه الثقافي على مصر وكوردستان وحدهما، بل يمتد ليشمل مناطق واسعة ومتصلة من الشرق الأوسط عرفت بقوة الثقافة الشفهية وأهمية الحكاية المغناة في مجتمعاتها. ففي بلاد بابل والموصل بالعراق، تمامًا كما هو الحال في كوردستان، ظلت الأغاني الشعبية والحكايات الملحمية جزءًا أساسيًا ورئيسيًا من تفاصيل الحياة اليومية، تُروى في المجالس العائلية والمناسبات الاجتماعية والدينية، وتحفظ بدقة قصص الأبطال والعشائر الكبرى وأحداث التاريخ المحلي. والأمر نفسه نجده يتكرر بوضوح في جنوب مصر، وتحديدًا في قنا وأسوان وبلاد النوبة، حيث ما زالت الحكاية الشعبية والأغنية التراثية تمثلان عنصرًا أساسيًا وركيزة لا غنى عنها في الحياة الثقافية والاجتماعية اليومية. 

فهذه المناطق، على الرغم من تباعدها الجغرافي واختلاف تضاريسها، تشترك كلها في تقديس الذاكرة الشفهية واحترام الراوي الشعبي الذي ينقل التراث بأمانة من جيل إلى آخر. كما تتشابه تشابهًا مذهلًا في الاحتفاء بقيم البطولة، والشجاعة، والكرم الحاتمي، والانتماء المطلق للأرض، وهي قيم نبيلة تشكل جوهر الثقافة الشعبية المحركة لهذه المجتمعات الأصيلة.

 

البيئة الجبلية تصنع فنا خالصا 

ومن الملاحظ واللافت للانتباه أن البيئات الجبلية الوعرة والريفية البسيطة كانت الحاضنة الأساسية والتربة الخصبة لنمو هذا النوع من الفنون الشفهية. ففي قرى كوردستان الجبلية المعزولة، كما في قرى الصعيد المصري والنوبة، ظل الغناء الشعبي المتوارث وسيلة وحيدة وجوهرية للتعبير عن المشاعر الجماعية من فرح وحزن، وتوثيق الحروب والأزمات والأحداث الكبرى التي تمر بها الجماعة. ولهذا فإن المستمع المتأمل إلى أغاني الدنجبج الشجية أو إلى مقاطع من السيرة الهلالية الحماسية يشعر بروح إنسانية متقاربة تلامس وجدانه، رغم اختلاف اللغة المنطوقة وتباين المقامات الموسيقية، لأن المصدر الإنساني الخلاق واحد، وهو تجربة الإنسان الحية في مواجهة تحديات الحياة وحفظ ذاكرته الجماعية من النسيان والاندثار.

وتُعد السيرة الهلالية من أغنى الملاحم الشعبية العربية قاطبة من حيث تنوع الشخصيات وتشابك الأحداث وعمق المضامين، إذ تتفرع منها قصص فرعية عديدة بالغة الثراء مثل سيرة الفارس المغوار أبو زيد الهلالي، والأميرة شيحة الهلالية المعروفة بذكائها الحاد وحنكتها السياسية والدبلوماسية، والفارس ذياب بن غانم، فضلًا عن عشرات الشخصيات الأخرى التي صنعت عالمًا روائيًا وملحميًا متكامل الأركان. وقد ظلت هذه الحكايات والمغامرات مصدرًا رئيسيًا ورا those للثقافة الشعبية، خاصة في المجتمعات الريفية والقبلية التي اعتمدت على الرواية الشفهية بوصفها وسيلة أساسية للتعليم والتربية والتثقيف والترفيه في آن واحد قبل انتشار وسائل الإعلام الحديثة.

أما الموسيقى الشعبية الكوردية، فقد ارتبطت هي الأخرى ارتباطًا وثيقًا ومصيريًا بالتجربة التاريخية القاسية والممتدة للشعب الكردي، وحملت في مضامينها الإنسانية موضوعات الحب العذري الشفيف، ولوعة الفراق والاتحار، والبطولة الفذة في الدفاع عن الوجود، والمقاومة الباسلة والانتماء الصادق للجبال والأرض. وكان الدنجبجيون يؤدون دورًا مركزيًا ومحوريًا في نقل هذه الموضوعات والقيم من خلال قصائدهم الطويلة وأغانيهم المتوارثة التي تحولت مع مرور الوقت إلى سجل حي ونابض للتاريخ الاجتماعي والثقافي الكوردي. وقد ساعدت تقنيات التسجيل الصوتي الحديثة خلال القرن العشرين في حفظ جانب مهم وثمين من هذا التراث الشفهي ومنع ضياعه وتشتته أمام موجات التحديث المعاصرة.

وتلعب الآلات الموسيقية التقليدية دورًا محوريًا وحاسمًا في تشكيل الهوية الفنية والموسيقية لكل من التراثين المصري والكردي على حد سواء. ففي مصر، تمثل آلة الربابة، بأوتارها القليلة وصوتها الشجي المبحوح، الروح الموسيقية الخالصة للسيرة الهلالية، ولا يكاد يُتصور في عقل المستمع أداء هذه الملحمة الشعبية الكبرى من دون صوت الربابة الساحر المصاحب لتدفق الشاعر في إنشاده. وفي المقابل، تبرز في الموسيقى الكوردية آلات تقليدية عديدة ومتنوعة تحاكي طبيعة الجبال والوديان، مثل الطنبور، والكمنجة، والعود، والزرنة، والدف، والدهول، وهي آلات عريقة أسهمت بقوة في تشكيل الشخصية الموسيقية الكردية المستقلة ومنحتها طابعها الحزين والمميز الذي يعبر عن خلجات النفس وعمق التجربة عبر القرون.

ورغم اختلاف هذه الآلات، وتباين الإيقاعات، وتعدد اللغات بين العربية والكردية، فإن الجوهر الثقافي والهدف الإنساني يبقى متقاربًا ومتطابقًا إلى حد بعيد. فالحكاية المغناة في مصر، وكوردستان، والعراق، والنوبة تؤدي في النهاية الوظيفة الحيوية والاجتماعية نفسها؛ فهي تحفظ التاريخ من التزييف، وتنقل القيم الأخلاقية الرفيعة، وتعزز في النفوس الشعور بالانتماء، وتمنح المجتمعات المحلية وسيلة فنية للتعبير عن نفسها وعن طموحاتها خارج إطار التدوين والكتابة الرسمية الجافة. ولهذا كله، يمكن للمؤرخين والأنثروبولوجيين النظر إلى السيرة الهلالية والدنجبج الكردي بوصفهما وجهين مشرقين لتجربة إنسانية واحدة ومشتركة، تتجلى فيها بأبهى صورها قدرة الشعوب الحية على تحويل الذاكرة الإنسانية البسيطة إلى فن باهر، والتاريخ الجاف إلى غناء عذب، والحكاية الشفهية إلى جسر متين يربط الماضي بالحاضر ويفتح آفاق المستقبل.

إن هذا التشابه العميق والواضح بين هذه الثقافات الشعبية المتنوعة يؤكد دلالة قاطعة على أن التراث الإنساني، مهما اختلفت لغاته وتعددت أشكاله وتنوعت منابعه الجغرافية، ينبع في الأصل من حاجة فطرية ومشتركة لدى سائر الشعوب إلى حفظ ذاكرتها الجماعية وصيانة هويتها الثقافية من الذوبان والضياع. ومن هنا تبقى السيرة الهلالية والمنشد الشعبي الكوردي ، كما تبقى حكايات بابل الخالدة والموصل العريقة وأغاني قنا وأسوان وبلاد النوبة الساحرة، شواهد حية ونابضة على وحدة التجربة الإنسانية، وقدرة الفن الشعبي الصادق على تجاوز الحدود السياسية والجغرافية المصطنعة، وصناعة لغة إنسانية مشتركة تجمع بين الشعوب على قواسم الجمال والخير والمحبة.