السلاطين والقادة الكورد أسسوا لصناعة أدوات الحروب وبناء القوة العسكرية في مصر

السلاطين والقادة الكورد أسسوا لصناعة أدوات الحروب وبناء القوة العسكرية في مصر
السلاطين والقادة الكورد أسسوا لصناعة أدوات الحروب وبناء القوة العسكرية في مصر

كثيرون لا يدركون أن الكورد كانوا من أمهر الشعوب في الصناعات العسكرية، إذ برعوا في صناعة مختلف أدوات الحرب التي اعتمد عليها القادة والعسكريون في مصر. وقد شملت هذه الأدوات الأسلحة والمعدات التي استخدمها الجنود والقادة في حماية البلاد والدفاع عنها. وتوثق متاحف قلعة صلاح الدين الأيوبي جانبًا كبيرًا من هذه الصناعات، بما تضمه من سيوف ودروع وخوذ وأسلحة ومدافع وغيرها من المعدات العسكرية التي واجه بها الجيش آنذاك الاعتداءات الخارجية

لم يكن نجاح الدولة الأيوبية في مواجهة الحملات الصليبية وإنجازاتها العسكرية الكبرى وليد الشجاعة في ميادين القتال وحدها، بل كان ثمرة مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة المصرية عسكريًا واقتصاديًا وصناعيًا. وقد أدرك السلطان صلاح الدين الأيوبي منذ توليه حكم مصر عام 1171م أن الانتصار في الحروب لا يتحقق إلا بامتلاك قاعدة إنتاجية قوية توفر احتياجات الجيوش من السلاح والعتاد، وتضمن استقلال القرار العسكري بعيدًا عن الاعتماد على الخارج.

ومن هنا بدأ عهد جديد للصناعات العسكرية في مصر، كان للقادة والسلاطين الكورد الدور الأكبر في تأسيسه وتطويره، وهو الإرث الذي انتقلت ثماره إلى الدولة المملوكية، التي استطاعت لاحقًا أن تحقق طفرة كبيرة في صناعة المدافع والأسلحة النارية.

بناء جيش قوي 

ورث صلاح الدين دولة أنهكتها الصراعات الداخلية خلال السنوات الأخيرة من الحكم الفاطمي، وكان الجيش يعاني ضعفًا في التنظيم، كما تراجعت الصناعات المرتبطة بالتسليح. لذلك لم يكتفِ بإعادة تنظيم القوات المسلحة، وإنما أعاد بناء المنظومة الصناعية التي تخدمها، فأنشأ دورًا وورشًا حكومية لصناعة مختلف أنواع الأسلحة، وجمع فيها الحدادين والنجارين وصناع المعادن والمهندسين والحرفيين المهرة، ووضعها تحت إشراف الدولة لضمان جودة الإنتاج واستمراره.

وأصبحت القاهرة والفسطاط مركزين رئيسيين لصناعة السيوف والرماح والدروع والخوذ والتروس والأقواس والنبال، إلى جانب إنتاج العربات العسكرية وأدوات الحصار، وهو ما وفر للجيش الأيوبي قدرة كبيرة على تجهيز قواته دون الاعتماد على مصادر خارجية.

صناعة آلات الحصار

كان الحصار أحد أهم وسائل الحرب في العصور الوسطى، ولذلك أولى صلاح الدين اهتمامًا بالغًا بتطوير صناعة المنجنيقات وآلات الاقتحام، فأنشئت ورش متخصصة لإنتاج المنجنيقات الضخمة والعرادات والكباش الحديدية وأبراج الحصار والسلالم العسكرية والجسور المتحركة. ولم تكن هذه الصناعات بسيطة، بل احتاجت إلى خبرات هندسية دقيقة في تصميمها وصناعة أجزائها الخشبية والمعدنية، وهو ما أدى إلى ظهور نخبة من المهندسين والحرفيين العسكريين الذين أصبحوا من أهم عناصر القوة في الدولة. 

وقد لعبت هذه المعدات دورًا بارزًا في حصار المدن والقلاع الصليبية، وساعدت الجيوش الإسلامية على استعادة العديد من الحصون، وكان استخدامها بكفاءة أحد أسرار نجاح الحملات العسكرية الأيوبية.

ورش الأسلحة 

اعتمدت الصناعات العسكرية الأيوبية على تطوير صناعة الحديد والصلب، حيث أعيد تشغيل أفران صهر المعادن، وتوسعت ورش الحدادة في إنتاج نصال السيوف ورؤوس الرماح والدروع الزردية والصفائح الحديدية والسلاسل الضخمة المستخدمة في تحصين المدن والموانئ. كما أولت الدولة اهتمامًا خاصًا بجودة الخامات، سواء ما كان ينتج محليًا أو ما كان يستورد من مناطق الأناضول والجزيرة العربية ثم يعاد تصنيعه داخل مصر.

وأدى هذا التطور إلى ازدهار صناعة السلاح الأبيض، حتى أصبحت الأسلحة المصرية تنافس مثيلاتها في بلاد الشام، وأصبحت الدولة تمتلك مخزونًا استراتيجيًا من الأسلحة يلبي احتياجات الجيوش في أوقات السلم والحرب.

الترسانات البحرية 

أدرك القادة الكورد أن الصراع مع الصليبيين لا يقتصر على البر، وإنما يمتد إلى البحر، لذلك أعادوا إحياء صناعة السفن الحربية في ترسانات الفسطاط والإسكندرية، حيث بنيت سفن القتال وسفن نقل الجنود والمؤن، إلى جانب تصنيع المجاديف والأشرعة والحبال والمراسي والأدوات المعدنية اللازمة للأسطول.

ولعبت هذه الترسانات دورًا مهمًا في حماية البحر الأحمر والسواحل المصرية، كما أصبحت مراكز صناعية متكاملة تضم مئات العمال والحرفيين والمهندسين، وأسهمت في ترسيخ مكانة مصر كقوة بحرية مؤثرة في شرق البحر المتوسط.

مصانع ومخازن للسلاح

لم تكن القلاع التي شيدها الأيوبيون مجرد منشآت دفاعية، بل كانت جزءًا من منظومة الإنتاج العسكري. وتعد قلعة الجبل التي بدأ صلاح الدين إنشاءها أبرز مثال على ذلك، إذ ضمت مخازن ضخمة للأسلحة، وورشًا لصناعة الدروع والسيوف، وأماكن لصيانة المعدات العسكرية، إضافة إلى مستودعات للأخشاب والحديد، ومراكز لتدريب الصناع والمهندسين العسكريين.

وقد استمرت القلعة تؤدي هذا الدور طوال العصرين المملوكي والعثماني، مما يعكس نجاح الرؤية التي وضعها صلاح الدين في دمج الإدارة العسكرية بالإنتاج الصناعي.

لم تتوقف النهضة الصناعية العسكرية بوفاة صلاح الدين، بل واصلها خلفاؤه من السلاطين الأيوبيين، وفي مقدمتهم الملك العادل أبو بكر، الذي حافظ على دور الصناعة العسكرية وزاد من إنتاج الأسلحة، وعمل على إنشاء مخازن استراتيجية للعتاد.

كما شهد عصر الملك الكامل محمد توسعًا في الترسانات البحرية، وتطويرًا لورش صناعة المنجنيقات والدروع، مع الاهتمام بتحصين المدن والقلاع. أما الملك الصالح نجم الدين أيوب فقد كثف إنتاج السلاح استعدادًا لمواجهة الحملة الصليبية السابعة بقيادة الملك الفرنسي لويس التاسع، وشهد عهده توسعًا في إنشاء الورش والمخازن العسكرية.

الجنود المجهولون

وراء هذه النهضة الصناعية وقف آلاف الحرفيين والمهندسين الذين لم تحفظ المصادر أسماء معظمهم، لكن أعمالهم بقيت شاهدة على مهارتهم. فقد ضمت دور الصناعة حدادين، ونجارين، وصناع حبال، وخبراء في صهر المعادن، ومهندسين متخصصين في تصميم آلات الحصار وبناء القلاع، وكانت الدولة توفر لهم المواد الخام والرواتب، إدراكًا لأهمية دورهم في دعم الجيش.

عندما انتقلت السلطة إلى المماليك عام 1250م، لم يبدأوا من فراغ، بل ورثوا شبكة متكاملة من الورش والترسانات والمخازن والخبرات الفنية التي أسسها الأيوبيون. وعندما ظهر البارود في العالم الإسلامي، وجد المماليك قاعدة صناعية قادرة على استيعاب التكنولوجيا الجديدة، فطُورت ورش صب المعادن لإنتاج المدافع البرونزية والحديدية، وصنعت القذائف وعربات المدافع، لتصبح مصر في القرنين الرابع عشر والخامس عشر من أبرز مراكز صناعة المدفعية في العالم الإسلامي.

ولذلك يرى عدد من الباحثين أن ازدهار صناعة المدافع في العصر المملوكي لم يكن حدثًا منفصلًا، بل جاء امتدادًا طبيعيًا للبنية الصناعية التي أرساها صلاح الدين وخلفاؤه، حيث انتقلت الخبرات في صهر المعادن والحدادة وصناعة المعدات الثقيلة من المنجنيق وآلات الحصار إلى صناعة الأسلحة النارية.

إرث لا يزال حاضرًا

ورغم اندثار معظم دور الصناعة العسكرية الأيوبية، فإن آثارها لا تزال ماثلة في عدد من المنشآت التاريخية، وعلى رأسها قلعة صلاح الدين بالقاهرة، التي ظلت مركزًا عسكريًا وإداريًا لقرون طويلة، إلى جانب عدد من القلاع الأيوبية المنتشرة في مصر، والتي تعكس تطور الهندسة العسكرية في ذلك العصر.

كما بقيت نماذج من الأسلحة والدروع الأيوبية والمملوكية محفوظة في المتاحف، شاهدة على مستوى التقدم الصناعي الذي بلغته مصر في تلك الحقبة، واستمرت تقاليد الحدادة وصهر المعادن وصناعة الأدوات المعدنية عبر الأجيال، لتشكل جزءًا من التراث الصناعي المصري.

لقد نجح السلاطين والقادة الكورد، وفي مقدمتهم صلاح الدين الأيوبي، في تحويل مصر إلى قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة في عصرها، ولم يكن اهتمامهم مقتصرًا على إعداد الجيوش، بل امتد إلى بناء المؤسسات المنتجة للسلاح، وتطوير الترسانات البحرية، وإنشاء دور الصناعة، ورعاية المهندسين والحرفيين، وهي السياسات التي أرست أسس القوة العسكرية للدولة الأيوبية، ومهدت الطريق أمام النهضة العسكرية الكبرى التي شهدتها مصر في العصر المملوكي مع ظهور المدافع والأسلحة النارية، لتبقى تلك المرحلة إحدى أهم المحطات في تاريخ الصناعة العسكرية المصرية.