أقدم المدارس والمكتبات كوردية ..كيف أسسوا عبر التاريخ لنهضة تعليمية فى مصر

أقدم المدارس والمكتبات كوردية ..كيف أسسوا عبر التاريخ لنهضة تعليمية فى مصر
أقدم المدارس والمكتبات كوردية ..كيف أسسوا عبر التاريخ لنهضة تعليمية فى مصر

مع بداية امتحانات المرحلة الثانوية المصرية وهى أصعب مرحلة تعليمية وشهادة تثير دائما أزمات كثيرة  بين الأسر ..يكثر الحديث عن المدارس التى أسسها الكورد فى مصر .

حتى أن إحدى المدارس  والتى تضم مسجدا سميت بمدرسة ومسجد الكوردي تجاوز عمرها ال600 سنة .. قام الأمير جمال الدين محمود الاستادار ببناء المسجد في عام ١٣٩٥ ميلادي الموافقة ٧٩٧ هجري في عهد السلطان فرج بن برقوق فى دولة المماليك، وكان يشرف على كل بيوت السلطان من مطابخ وحاشية وجاشنكرية ونفقات وكسوة.

وفي نسيج هذا التاريخ التعليمي الممتد، يبرز الدور الكوردي ليترك بصمة غائرة في جذور النهضة التعليمية والثقافية المصرية ، حيث تحولت اللغة العربية، التي كانت بمثابة لغة ثانية للكورد، إلى أداة طيعة بين أيديهم، صاغوا بها فكر الشعوب، وأسسوا من خلالها منابر للعلم والمعرفة لا يزال ضياؤها ساطعاً حتى يومنا هذا.

حراس الضاد

الكاتب الكبير محمد سلماوي، أضاء زاوية لطالما توارت في ظلال التاريخ؛ زاوية تتمثل في الدعم الكوردي المتواصل لقضايا الأمة، والحقوق الثقافية والتاريخية التي يمتلكونها على امتداد جغرافية المنطقة. لقد لخص سلماوي هذا العطاء الممتد قائلاً: "الثقافة الكوردية العريقة لم تهبنا فقط صلاح الدين، ناصر العرب ومحرر القدس، وإنما استمر عطاؤها حديثاً لتهبنا أيضاً أعظم من ارتفع باللغة العربية إلى أسمى درجاتها".

هذا العطاء تجسد في قامات شامخة زلزلت أركان الأدب العربي الحديث؛ كأمير الشعراء أحمد شوقي، الذي صاغ من روحه الكوردية وجدانه العربي لينسج أعذب القصائد، ورائد القصة القصيرة العربية محمود تيمور. إن هذه الأسماء ليست مجرد ومضات عابرة، بل هي امتداد لإرث طويل من المدارس والمساجد والمكتبات التي شيدها الكورد، والتي تقف جدرانها اليوم كشاهد عيان يؤكد أن لهم حقوقاً تاريخية مكللة بالاعتراف والامتنان.

تأسيس البنية التحتية للتعليم 

لقد فتحت هذه الإشراقات الثقافية آفاقاً جديدة للكشف عن الدور المحوري الذي لعبه الكورد في نهضة التعليم بمصر. فمنذ بزوغ فجر العصر الإسلامي، وخاصة مع تقلد القادة والوزراء الكورد مقاليد الحكم، تحولت مصر إلى ورشة عمل كبرى لبناء الصروح العلمية. ولم يكن اهتمام القادة الكرد، وعلى رأسهم صلاح الدين الأيوبي، مقصوراً على توحيد الأمة عسكرياً، بل أدركوا أن بناء العقول هو الحصن الحقيقي للدول.

تجلت هذه الرؤية في تشييد مجموعة من المدارس التاريخية العريقة التي شكلت أقدم نواة للمؤسسات التعليمية المنهجية في مصر، ومن أبرزها:

المدرسة الناصرية: التي أسسها السلطان صلاح الدين الأيوبي عام 1170م في مدينة الفسطاط العريقة، وقد جعل نظام التدريس فيها مقتصراً ومخصصاً بعناية لدراسة ونشر المذهب الشافعي.

المدرسة الصلاحية: صرح علمي آخر شيده صلاح الدين، واختار له موقعاً ذا دلالة روحية عميقة بجوار قبر الإمام الشافعي، لتكون منارة للباحثين في الفقه.

مدرسة الأمير قراسنقر المنصوري أو المدرسة القراسنقرية بناها الأمير شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب السلطنة سنة 700 هـ. على رأس حارة بهاء الدين، بحي الجمالية حالياً وعرفت بالمدرسة القراسنقرية نسبة إلى منشأها إلى أن شيدها مرة أخرى الأمير جمال الدين الاستادار في عصر السلطان الناصر فرج بن برقوق، ثم صارت ملكيتها أخيراً إلى الأمير طوغان الداوادار, ثم آلت للشيخ التميمي مفتى الحنفية ثم إلى ابنه الشيخ عبد الرحمن وآلت ملكيتها في النهاية إلى الشيخ محمد سليم عبد الرحمن

المدرسة القمحية: وهي إحدى ثمار جهود صلاح الدين المبكرة خلال فترة وزارته في أواخر عهد الدولة الفاطمية، وقد خصصت هذه المدرسة لتدريس المذهب المالكي، مما يعكس سعة الأفق والتسامح المذهبي.

مدرسة العادل بن السلار: التي أسسها الوزير الكوردي البارز "العادل بن السلار" في أواخر العصر الفاطمي. وتكمن أهمية هذه المدرسة في كونها من أوائل المؤسسات التعليمية التي مهدت الطريق وساهمت بقوة في نشر وإحياء المذاهب السنية في مصر.

إلى جانب هذه المدارس التي أسسها القادة، كان لأميرات البيت الأيوبي دور لا يقل أهمية في رعاية العلم. فقد برز اسم الأميرة الكوردية "خاتون خان"، التي سخرت ثروتها وخصصت أوقافاً واسعة ومتنوعة لخدمة العلم الشريف. وقد أثمرت هذه الأوقاف عن إنشاء "رواق الكورد" في الجامع الأزهر الشريف، ذلك الرواق الذي تحول إلى خلية نحل معرفية تخرج منها مئات العلماء والفقهاء عبر القرون.

مع تعاقب الأزمان ودخول مصر في عهد دولتي المماليك، شهد الجامع الأزهر تقدماً علمياً منقطع النظير، وبلغت شهرته الآفاق في مختلف العلوم الإسلامية. هذا الإشعاع العلمي جعل من الأزهر مقصداً تهفو إليه قلوب النابهين من الكورد، فشدوا الرحال إليه للأخذ عن كبار علمائه، والاغتراف من خزائن كتبه العامرة. وما زاد من قوة هذا الارتباط هو العناية الفائقة التي أولاها الأزهر لدراسة وتدريس الفقه الشافعي، وهو المذهب الذي يدين به الغالبية العظمى من طلبة العلم الكورد، مما جعل انتظامهم في سلك طلبة الأزهر أمراً يسري في دمائهم

جسور المعرفة: من جبال كوردستان إلى قلب القاهرة

لم تكن العلاقة التعليمية ذات اتجاه واحد، بل امتدت لتشكل جسوراً للتواصل الفكري العابر للحدود. فقد ذكر المؤرخون أن الأزهر الشريف ارتبط بعلاقة وثيقة مع مدرسة "قبهان" في مدينة العمادية، والتي كانت تُعد من أكبر وأعرق مدارس كوردستان في القرن العاشر للهجري "السادس عشر الميلادي". تجلت هذه العلاقة في التبادل العلمي الرصين، حيث حُفظت في مكتبة "قبهان" مسودة مخطوطة "شرح نور الدين" في الفقه، والتي كان مؤلفها قد بعث بها خصيصاً من مصر لعرضها على علماء مدرسة قبهان للتدقيق والمراجعة، مما يعكس وحدة الأمة الفكرية.

مكتبات كوردية 

ولم يكتفِ الكورد بطلب العلم ونشره في المساجد والمدارس، بل أسسوا المكتبات العلمية التي كانت بمثابة شرايين تنبض بالثقافة في شوارع القاهرة. ومن أبرزها المكتبة التي أسسها فرج الله زكي الكردي في منطقة "حوش عطا" بحي الجمالية العريق، وخصصها لبيع الكتب والاتجار بها، مساهماً بذلك في تيسير وصول المعرفة للمصريين. وكان هذا الحوش يقع في دار كبيرة أنشأها الأمير سليمان آغا السلحدار سنة 1233هـ "1817م".

حكايات لا زالت تروى 

إن المتأمل في خريطة القاهرة التاريخية سيجد بصمات الوجود الكردي محفورة في أسمائها وأزقتها. خذ على سبيل المثال منطقة "سويقة اللالا"، التي تبدأ من آخر شارع الحنفي وتنتهي بشارع الدرب الجديد. تعود تسمية هذا الحي العريق إلى السيدة "صفية اللالا"، وهي المربية القديرة لأولاد الملوك والأمراء "وكلمة اللالا تعني المربية بالتركية". عاشت هذه السيدة الكوردية الأصل في الحي وتوفيت فيه، وأُقيمت لها زاوية عُرفت بـ "زاوية الست لالا"، حيث دُفنت بجوار جدها عبد الجليل بيك عام 1295م.

تزخر هذه المنطقة بالمعالم المعمارية؛ ففيها ثلاث عطفات شهيرة: "المحتسب" وبها زاوية رضوان، و"المدق" وبها زاوية عمر شاه، وعطفة "مرزوق" التي تنتهي بحمام مرزوق المخصص للنساء. وعلى جهة اليمين تقع "حارة العراقي" التي تحتضن ضريح الشيخ العراقي والشيخ محمود.

وفي قلب هذا العبق التاريخي، يقف جامع الكوردي بشموخ؛ وهو مسجد يصعد إليه بدرج أنيق، وأسفله حواصل تجارية تحيط بها الأشجار والنخيل. ترتفع مئذنته بدورين، ويحتضن بداخله ضريح "الشيخ عيسى الكوردي" الذي تعلوه مقصورة خشبية بديعة. وفي أول المنطقة، يطالعنا الجامع المعروف بـ "جامع داوود باشا"، والذي بدأ رحلته كمدرسة أنشأها الأمير داوود باشا المتولي على مصر عام 945هـ، وألحق بها سبيلاً مكسواً بالرخام للفقراء والمارة العابرين .