من لم يشارك في صناعة الإنجاز يسهل عليه التفريط به فالقيمة الحقيقية لا يدركها إلا من دفع ثمنها بالتضحيات

من لم يشارك في صناعة الإنجاز يسهل عليه التفريط به فالقيمة الحقيقية لا يدركها إلا من دفع ثمنها بالتضحيات
من لم يشارك في صناعة الإنجاز يسهل عليه التفريط به فالقيمة الحقيقية لا يدركها إلا من دفع ثمنها بالتضحيات

لقد آمنا منذ سنواتنا الأولى برسالة واضحة وهدف محدد. ومنذ أن بدأنا نخط أولى كلماتنا في طريق النضال أدركنا أن كوردستان ليست مجرد أرض بل قضية شعب وحقوق وتضحيات. شاركنا في هذا الطريق وتحملنا الصعاب وكنا نؤمن بأن يومًا سيأتي يتحول فيه حلم شعبنا إلى واقع وأن يكون لكوردستان كيان يحفظ كرامة أبنائها ويصون حقوقهم.

ولم يكن هذا الطريق سهلًا بل مرّ بالدموع والدماء وبالسجون والمنافي وبالجبال التي احتضنت المناضلين وبالمقابر الجماعية التي ابتلعت الأبرياء وبحملات الأنفال والتهجير والقصف الكيمياوي الذي استهدف شعبًا كاملًا.

فأين كنت أنت من كل هذه التضحيات؟ وأين كنت عندما كان الرجال والنساء يواجهون الموت من أجل أن يرى هذا الكيان النور؟ وأين كنت عندما كانت القيادات الوطنية تجلس معًا وتضع خلافاتها جانبًا لأن الجميع كان يدرك أن دم الشهيد الذي سال في أي بقعة من أرض كوردستان هو دم مقدس وأن هذه الأرض ليست مجالًا للمساومة أو للمزايدات السياسية؟

لقد تعلمنا أن الاختلاف في السياسة أمر طبيعي لكننا تعلمنا أيضًا أن هناك ثوابت لا يجوز المساس بها. قد نختلف على حكومة أو برنامج أو إدارة لكننا لا نختلف على الكيان الذي دفع شعبنا ثمنه آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من المؤنفلين والمغيبين.

إن الدفاع عن إقليم كوردستان ليس دفاعًا عن حزب أو حكومة أو شخص بل هو دفاع عن حصيلة عقود من النضال وعن دماء الشهداء وآهات الأمهات وتضحيات البيشمركة وآلام المؤنفلين والمغيبين والمهجرين .فالدول والأقاليم لا تُبنى بالتصريحات المتهورة ولا يمكن لرغبة فرد أو لمصلحة سياسية مؤقتة أو لموقف متقلب أن يلغي ما صنعته تضحيات أجيال كاملة.

فما ثبت بالدم لا يُمحى بكلمة وما شُيّد بتضحيات الشهداء لا تهدمه نزوات السياسة لأن الأوطان التي تُصنع بالتضحيات تبقى راسخة في ضمير شعوبها مهما حاول البعض التقليل من قيمتها أو التشكيك في مشروعيتها. قد تكسب إعجابًا عابرًا من قبل أسيادك أو غير أسيادك وقد تحصد إعجابات من الدافعين لك أو من المراهقين أمثالك لكنك لن تستطيع أن تمحو ذاكرة شعب.

فذاكرة الشعوب لا تحفظ أسماء من يرفعون أصواتهم بالتفاهات بل تحفظ أسماء من ثبتوا عندما اشتدت المحن ومن حملوا قضيتهم وهم يعلمون أن ثمنها قد يكون حياتهم. وسيظل الفرق واضحًا بين من يرى الوطن أمانة يجب الحفاظ عليها وبين من يتعامل معه كملف سياسي قابل للمساومة. وسيبقى التاريخ منصفًا لأنه لا يكتب لمن يرفع صوته أكثر بل لمن يصون الأمانة عندما تكون مهددة.

وما حدث لكم بالأمس على أيدي أقرب المتحالفين معكم ليس إلا نتيجة طبيعية لمن يستهين بثوابته ويُفرّط بكرامته السياسية. ومن يرضَ لنفسه التنازل مرة فلن يملك أن يعترض إذا فُرضت عليه الإهانة مرةً أخرى. ولعل في ذلك درسًا لمن أراد أن يتعظ.