صلاح بكر
كاتب
عدالة مكبلة وصندوق پاندورا.. المعايير المزدوجة في تقييم جينوسايد الكورد
تظل جرائم الإبادة الجماعية (Genocide) التي ارتكبت بحق الشعب الكوردي في العراق خلال ثمانينيات القرن الماضي وفي مقدمتها حملات الأنفال، والقصف الكيميائي لمدينة حلبچە، وتغييب البارزانيين والكورد الفيليين جرحاً غائراً في الوجدان الإنساني. ورغم التوثيق القانوني والجنائي المحكم محلياً، والذي تجسد في أحكام المحكمة الجنائية العراقية العليا، إلا أن هذا الملف لا يزال يواجه جداراً من الصمت والتردد في أروقة المنظومة الدولية والقوى الغربية الفاعلة، التي تتجنب منحه الاعتراف القانوني الشامل والملزم كجريمة ابادة جماعية (جينوسايد). إن تفكيك هذا الموقف يستوجب فهم كيف تتحول المبادئ الأخلاقية الدولية إلى أدوات تخضع لانتقائية سياسية مفرطة ومصالح اقتصادية مسبقة.
يعود التلكؤ الدولي في الاعتراف بهذه الجرائم إلى سببين رئيسيين:
الأول يتعلق بـ التوازنات السياسية وقت وقوع الجرائم في ثمانينيات القرن العشرين. فخلال تلك الحقبة، كانت القوى الغربية الكبرى مدفوعة برغبة إستراتيجية لحفظ مصالحها في المنطقة وتأمين تحالفاتها، مما جعلها تغض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة الحاصلة بحق المدنيين الكورد. بل إن هذه القوى عرقلت في حينها صدور قرارات حاسمة وصريحة من مجلس الأمن الدولي تدين استخدام السلاح الكيميائي في حلبچە عام 1988، مفضلةً حماية علاقاتها السياسية اللحظية على حساب العدالة الإنسانية.
أما السبب الثاني "وهو الأكثر عمقاً وحساسية" فيتمثل في خشية الحكومات الغربية من فتح ما يُعرف سياسياً بـ "صندوق باندورا" للمسؤولية القانونية والتعويضات المادية. إن اعتراف الغرب رسمياً وبشكل ملزم بالجينوسايد الكوردي ليس مجرد خطوة معنوية، بل هو قرار يترتب عليه التزامات قانونية دولية. هذا الاعتراف يمنح الضحايا وعوائلهم الحق القانوني الكامل في مقاضاة الشركات والمؤسسات الأجنبية (والأوروبية تحديداً) التي تورطت تاريخياً في تزويد النظام السابق بالمواد والمخططات لبناء ترسانته الكيميائية. لتفادي هذه الفاتورة المالية الثقيلة والملاحقات القضائية لقطاعاتها الاقتصادية، تفضل العواصم الغربية إبقاء الملف في إطار "التعاطف الإنساني الرمزي" دون الدخول في تصنيفات قانونية ملزمة.
هذا المشهد يُظهر بوضوح كيف أن مسألة الاعتراف بالجرائم الدولية باتت مسيّسة بالكامل من قبل الغرب، وتخضع لمنطق المعايير المزدوجة. فالغرب الذي يسارع بتسخير الآلة القانونية الدولية لتصنيف انتهاكات معينة كإبادة جماعية عندما تتوافق مع مصالحه أو عندما يريد الضغط على خصومه، يلوذ بالصمت والتبريرات الإجرائية الصارمة عندما يمس الملف شركاءه أو ماضيه التجاري والاقتصادي. ويتجلى هذا التناقض الصارخ بين مواقف بعض البرلمانات الغربية التي تُصدر قرارات اعتراف رمزية لإبراء ذمتها الأخلاقية، وبين المواقف الرسمية للحكومات التنفيذية في تلك الدول، والتي تمتنع بحسم عن تبني هذا الاعتراف لحفظ مصالحها الدبلوماسية والاقتصادية.
ان غياب الاعتراف الدولي الشامل بالإبادة الجماعية للكورد يبرهن على أن العدالة الدولية ليست نصوصاً مجردة، بل هي ساحة تفرض فيها موازين القوى شروطها. إن استمرار تسييس هذا الملف من قبل القوى الغربية يمثل تقويضاً لمنظومة حقوق الإنسان العالمية، وتأكيداً على أن حسابات الأرباح والتحالفات الإستراتيجية تتقدم — في غرف صناعة القرار الدولي — على دماء الأبرياء وحقائق التاريخ.