بين بناء المسجد وبناء المدرسة… الحضارة لا تقوم على خيارٍ واحد

بين بناء المسجد وبناء المدرسة… الحضارة لا تقوم على خيارٍ واحد
بين بناء المسجد وبناء المدرسة… الحضارة لا تقوم على خيارٍ واحد

منذ الإعلان عن مشروع مسجد بارزاني الكبير، برزت على الساحة نقاشات واسعة، وظهرت آراء ترى أن الأموال المخصصة لهذا المشروع كان الأولى أن تُوجَّه إلى بناء المدارس أو الجامعات أو المؤسسات التعليمية. وهي وجهة نظر تنطلق من الحرص على التعليم، وهو حرص مشروع لا يختلف عليه اثنان، إلا أنها تطرح القضية وكأن المجتمع يقف أمام خيارين متناقضين: إما أن نبني مسجدًا، وإما أن نبني مدرسة.

لكن هل تُبنى الأمم بهذه المعادلات المبسطة؟

إن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالدول التي صنعت مكانتها في التاريخ لم تعتمد على التعليم وحده، رغم أنه أساس النهضة، ولم تكتفِ ببناء الجامعات والمستشفيات، بل حرصت، في الوقت ذاته، على تشييد معالم حضارية تحفظ هويتها، وتجسد تاريخها، وتقدم صورتها إلى العالم.

فالحضارة ليست مبنىً يُشيَّد، ولا مدرسةً تُفتتح، ولا مستشفىً يُدشَّن، وإنما هي منظومة متكاملة، يكون فيها الإنسان والعلم والهوية والثقافة شركاء في صناعة المستقبل.

ولعل التاريخ خير شاهد على ذلك. فما إن تُذكر فرنسا حتى يحضر برج إيفل، وتُذكر الهند فيتبادر إلى الذهن تاج محل، وتُعرف مصر بأهراماتها، والصين بسورها العظيم، وإيطاليا بالكولوسيوم، وأستراليا بدار أوبرا سيدني. هذه المعالم ليست مجرد منشآت هندسية، بل تحولت إلى ذاكرة وطنية، ورموز حضارية، وعناوين تختصر تاريخ أمم بأكملها.

ومن هذا المنطلق، فمن حق الشعب الكوردي، شأنه شأن سائر شعوب العالم، أن يمتلك معلمًا حضاريًا عالميًا يعكس تاريخه، ويجسد هويته، ويُعرّف العالم بثقافته. لذلك، فإن النظر إلى مسجد بارزاني الكبير باعتباره مكانًا للعبادة فقط، لا يعكس الصورة الكاملة؛ إذ يمكن لهذا المشروع أن يكون مشروعًا حضاريًا واستراتيجيًا تتجاوز آثاره حدود الوظيفة الدينية.

ومن اللافت أن كثيرًا من أشهر المعالم العالمية أُنشئت في فترات لم تكن دولها قد استكملت جميع احتياجاتها التنموية. ولم يكن ذلك تقليلًا من قيمة التعليم أو البحث العلمي، وإنما كان تعبيرًا عن وعي عميق بأن بناء الإنسان لا يتعارض مع بناء الهوية، وأن نهضة الأمم تقوم على التوازن بين الاثنين.

كما تؤكد التجارب العالمية أن المعالم الحضارية الكبرى أصبحت اليوم رافدًا اقتصاديًا مهمًا، فهي تستقطب ملايين الزوار سنويًا، وتنشط قطاعات السياحة والفندقة والنقل والتجارة والاستثمار، وتوفر آلاف فرص العمل، وتتحول مع مرور الزمن إلى مورد اقتصادي مستدام، لا إلى مجرد مشروع إنفاق.

وإذا نُفذ مشروع مسجد بارزاني الكبير وفق رؤية استراتيجية وتخطيط علمي متكامل كما خطط له ، فإنه قادر على أن يصبح أكثر من مسجد؛ ليكون مركزًا حضاريًا يجمع بين العبادة والثقافة والعلم والسياحة. فإقامة مكتبة عامة، ومتحف للتراث، ومركز ثقافي، وقاعات للمؤتمرات، ومراكز للبحوث والدراسات، من شأنها أن تمنح المشروع بعدًا عالميًا، وأن تعزز فرص تسجيله مستقبلًا ضمن قائمة التراث العالمي متى ما استوفى المعايير الدولية.

ولعل أهم ما يمكن أن يحققه هذا المشروع هو ترسيخ الهوية الوطنية، والتعريف بتاريخ الشعب الكوردي وتراثه، وتنشيط السياحة الدينية والثقافية، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، واستضافة المؤتمرات والفعاليات الفكرية والثقافية، فضلًا عن ترك إرث حضاري يبقى شاهدًا للأجيال القادمة.

إن تقدم الأمم لا يُقاس بعدد المدارس والجامعات وحدها، كما لا يُقاس بعدد المعالم العمرانية فقط، وإنما يُقاس بقدرتها على الجمع بين بناء الإنسان وبناء المكان، وبين صناعة المعرفة وصيانة الهوية.

فالمسجد والمدرسة ليسا مشروعين متنافسين، بل جناحان لحضارة واحدة. وحين يُحسن التخطيط وتتكامل الرؤية، يصبح كل منهما داعمًا للآخر، وتسير التنمية المادية والنهضة الثقافية جنبًا إلى جنب.

ومن هنا، فإن مشروع مسجد بارزاني الكبير، إذا أُدير برؤية بعيدة المدى، يمكن أن يتحول إلى معلم حضاري وثقافي وسياحي بارز، يحمل رسالة دينية سامية، ويجسد هوية كوردستان، ويترك للأجيال القادمة إرثًا يروي قصة شعب و يجسد إسم زعيم وطني كبير، ويعكس حضارة وطن.