أنشأوا الدروب، والحارات، والزوايا، والأسبلة للفقراء... كوردُ مصر كانوا أهلَ خيرٍ ومودة

أنشأوا الدروب، والحارات، والزوايا، والأسبلة للفقراء... كوردُ مصر كانوا أهلَ خيرٍ ومودة
أنشأوا الدروب، والحارات، والزوايا، والأسبلة للفقراء... كوردُ مصر كانوا أهلَ خيرٍ ومودة

لم يكن وجود الكورد في مصر حدثًا عابرًا ارتبط بعهد صلاح الدين الأيوبي فحسب، بل تحول مع مرور القرون إلى حضور اجتماعي وثقافي وعمراني عميق، ترك بصماته على خريطة القاهرة القديمة حتى اليوم. فبين الدروب والحارات والأزقة والزوايا والمساجد والأوقاف، لا تزال أسماء عديدة تحمل كلمة "الكرد" أو "الأكراد"، وهي ليست مجرد أسماء جغرافية، وإنما شواهد حية على اندماج شعبين جمعتهما روابط الدين والثقافة والتاريخ، حتى أصبح الكورد جزءًا أصيلًا من النسيج المصري، كما أصبحت مصر وطنًا ثانيًا لكثير منهم.
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو درب (الأكراد)، أحد أشهر الدروب التاريخية بالقاهرة، والذي يقع تجاه حمام الخليفة في شارع الخليفة، إلى الجنوب من مسجد السيدة سكينة.
 ويذكر مؤرخو القاهرة أن هذا الدرب اكتسب اسمه من إقامة عدد كبير من الأسر الكوردية فيه، حتى أصبح الاسم جزءًا من الذاكرة العمرانية للمدينة.


دروب للفقراء 
 ولا يمكن أن يبقى اسم حي أو درب لقرون متعاقبة إلا إذا كان يعبر عن وجود حقيقي ومستقر، وهو ما يؤكد أن الكورد لم يكونوا مجرد جنود أو موظفين عابرين، بل تحولوا إلى سكان دائمين اندمجوا في الحياة اليومية للقاهرة.
كذلك حارة (الأكراد)، وهي من الحارات القديمة التي ورد ذكرها في كتب الخطط، حيث يشير المؤرخون إلى أنها كانت تضم عددًا من الأسر الكوردية التي استقرت فيها منذ العصر الأيوبي، ثم استمرت خلال العصرين المملوكي والعثماني.
 كما عرفت المدينة حارة الكوردي، التي نسبت إلى أحد العلماء أو الوجهاء الكورد، وهو شرف الدين الكوردي، ومنها خرج شارع (الكردي) الذي ظل يحمل اسمه حتى العصر الحديث.
وتكشف هذه الأسماء عن حقيقة مهمة؛ فالمجتمعات لا تمنح أسماءها للشوارع والحارات إلا إذا ارتبطت بها بعلاقات استقرار وانتماء. ولهذا فإن أسماء مثل "درب الأكراد" و"حارة الأكراد" ليست مجرد إشارات إثنية، وإنما دليل على أن المجتمع المصري تقبل الوجود الكوردي واعتبره جزءًا من نسيجه العمراني والاجتماعي.


زوايا وكتاتيب وأسبلة 
كما أسس علماء وأمراء كورد عشرات المساجد والزوايا والكتاتيب والأسبلة في القاهرة، ومن أشهرها سبيل وكتاب يوسف الكوردي، كما حملت بعض الزوايا أسماء أصحابها من العلماء الكورد الذين عاشوا بين المصريين، وشاركوا في التدريس والقضاء والإفتاء والتصوف.
إن انتشار أسماء مثل (درب الأكراد)، و(حارة الأكراد)، و(حارة الكردي)، و(شارع الكردي)، و(غيط الكردي)، في القاهرة ليس مجرد ظاهرة جغرافية أو أثر لغوي بقي على خرائط المدينة، وإنما هو وثيقة تاريخية تعكس طبيعة العلاقة التي نشأت بين المصريين والكورد منذ أكثر من ثمانية قرون. فهذه الأسماء لم تظهر نتيجة وجود عسكري مؤقت أو هجرة عابرة، وإنما جاءت نتيجة استقرار طويل واندماج اجتماعي وثقافي جعل الكورد جزءًا من النسيج المصري، حتى احتفظت القاهرة بأسمائهم في شوارعها ودروبها، بينما اختفت أسماء كثير من الجماعات الأخرى بمرور الزمن.
ويرتبط هذا الوجود ارتباطًا وثيقًا بقيام الدولة الأيوبية على يد صلاح الدين الأيوبي، الذي اتخذ من القاهرة عاصمة لدولته بعد إنهاء الحكم الفاطمي سنة 1171م. فقد أصبحت مصر المركز السياسي والإداري لدولة امتدت من وادي النيل إلى بلاد الشام والحجاز واليمن وأجزاء من العراق، وهو ما استدعى انتقال أعداد كبيرة من القادة والجنود والفقهاء والقضاة والعلماء والإداريين الكورد إلى القاهرة. غير أن هؤلاء لم يكونوا جيشًا عابرًا ينتهي دوره بانتهاء الحروب، بل استقر كثير منهم في مصر، وجاءوا بأسرهم، وأنشأوا بيوتًا وأوقافًا ومساجد وزوايا، ودخلوا في الحياة الاقتصادية والعلمية، حتى أصبحوا من سكان المدينة الدائمين.


المقريزي يؤكدها حقائق
وقد أشار المؤرخ تقي الدين المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار إلى نزول جماعات كوردية بالقاهرة في العصر الأيوبي، كما سجل وجود مواضع نسبت إليهم، وهو ما يؤكد أن هذه التسميات ليست روايات شعبية، بل حقائق أثبتتها المصادر التاريخية. كذلك يوضح علي مبارك في الخطط التوفيقية الجديدة أن أسماء الحارات والدروب في القاهرة كانت تُنسب عادة إلى أكثر سكانها، أو إلى أصحاب الأوقاف والمنشآت، أو إلى الشخصيات التي اشتهرت بها، ولذلك بقيت أسماء كثيرة حتى بعد زوال أصحابها بقرون، لأنها أصبحت جزءًا من الذاكرة العمرانية للمدينة.

ومن هنا نفهم لماذا انتشرت أسماء كوردية في القاهرة. فلم يكن الأمر تمييزًا عرقيًا، وإنما كان انعكاسًا لطريقة المصريين في تسمية الأحياء. فكما عرفت القاهرة حارة المغاربة، وحارة الروم، ودرب الطبلاوي، وسوق السلاح، ودرب الجماميز، عرفت أيضًا درب (الأكراد)، و(حارة الأكراد)، و(غيط الكردي). وكانت التسمية في جوهرها وسيلة للتعريف بالمكان، لا للفصل بين السكان أو إنشاء أحياء مغلقة على أساس الأصل أو العرق.

 

بل إن الملاحظ أن الأحياء الكوردية في القاهرة لم تتحول يومًا إلى ما يشبه "الجيتو" أو الحي المنعزل، وإنما كانت جزءًا من الأحياء الشعبية المصرية. فقد عاش الكورد إلى جوار المصريين، وتزوجوا منهم، وشاركوا في التجارة والحرف والإدارة والقضاء والتعليم، حتى ذابت الفوارق بينهم خلال أجيال قليلة. ولهذا لم تعد كلمة "الكردي" في أسماء الشوارع تعني أن سكانها جميعًا من الكورد، وإنما أصبحت اسمًا تاريخيًا لموضع ارتبط يومًا بوجودهم.
ويؤكد عدد من الباحثين المعاصرين أن هذه الظاهرة تمثل أحد أهم نماذج الاندماج الحضاري في التاريخ المصري. فالباحثة إيمان عبد الفتاح، المتخصصة في تاريخ القاهرة الإسلامية، ترى أن أسماء الحارات والدروب الكوردية تعد شاهدًا أثريًا على استقرار الكورد بالقاهرة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن نجاح اندماجهم في المجتمع المصري، إذ لم يحتفظوا بأحياء مغلقة، وإنما أصبحوا جزءًا من النسيج العمراني والاجتماعي للمدينة. كما يذهب المؤرخ الكوردي محمد أمين زكي إلى أن الكورد في مصر احتفظوا بالاعتزاز بأصولهم، لكنهم اندمجوا سريعًا في المجتمع المصري، ولم تنشأ بينهم وبين المصريين حواجز اجتماعية أو ثقافية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الوجود الكوردي في القاهرة لم يقتصر على الدروب والحارات، بل امتد إلى الزوايا والمساجد والأسبلة والأوقاف. فقد أنشأ علماء وأمراء كورد عددًا كبيرًا من المنشآت الدينية والخيرية، وكانت أبوابها مفتوحة لجميع المصريين، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة القائمة على المشاركة لا الانعزال. فالزاوية في القاهرة لم تكن مكانًا للعبادة فقط، بل كانت مدرسة، ومكانًا لإطعام الفقراء، واستقبال الغرباء، وتعليم الأطفال، ولذلك أصبحت جزءًا من الحياة اليومية لسكان الأحياء، بصرف النظر عن أصول منشئيها.
ويفسر هذا كله سبب احتفاظ القاهرة بهذه الأسماء حتى اليوم، بينما لا نجد ظاهرة مشابهة في مدن كوردستان نفسها. فالسؤال الذي يطرحه كثيرون هو: لماذا توجد في القاهرة "درب الأكراد"، بينما لا نجد في أربيل أو السليمانية أو دهوك "درب الأكراد"؟
والإجابة تكمن في طبيعة التسمية ذاتها. ففي القاهرة كانت المدينة تضم جماعات متعددة؛ مصريين، وكوردا، ومغاربة، ورومًا، وأتراكًا، ويمنيين، وغيرهم، فكان من الطبيعي أن تُنسب بعض الأحياء إلى الجماعة التي سكنتها أو إلى الشخصية التي أنشأتها. أما في مدن كوردستان التاريخية، حيث كان غالبية السكان من الكورد أصلًا، فلم تكن هناك حاجة إلى تسمية حي باسم "الأكراد"، لأن المدينة بأكملها كانت كوردية. ولهذا كانت أسماء الأحياء هناك تُنسب إلى القبائل، أو الأسواق، أو الحرف، أو الأولياء، أو التضاريس، لا إلى القومية نفسها.
ومن ثم، فإن كثرة الأسماء الكوردية في القاهرة ليست دليلًا على انفصال الكورد عن المجتمع المصري، بل على العكس تمامًا؛ فهي دليل على أن المصريين اعترفوا بوجودهم، وتعاملوا معهم باعتبارهم جزءًا من المدينة، حتى أصبحت أسماؤهم جزءًا من جغرافيتها. ولو كان وجودهم مؤقتًا أو قائمًا على الاحتلال العسكري وحده، لاختفت هذه الأسماء بانتهاء العصر الأيوبي، كما اختفت أسماء كثيرة ارتبطت بأحداث عابرة. لكنها بقيت لأن أصحابها تحولوا إلى سكان دائمين، وتركوا أثرًا عمرانيًا واجتماعيًا استحق أن تحفظه الذاكرة الشعبية.
ولم تكن هذه المنشآت مغلقة على أبناء الجالية الكوردية، بل كانت مفتوحة لجميع المصريين، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة التي قامت على المشاركة لا العزلة. فالزاوية في المجتمع المصري لم تكن مجرد مكان للعبادة، بل كانت مؤسسة اجتماعية تقدم الطعام للفقراء، وتستضيف الغرباء، وتعلم الأطفال، وتعقد فيها حلقات الذكر والعلم. وعندما ينشئها عالم كوردي، فإنها تصبح جزءًا من حياة المصريين اليومية، فيذوب الفارق بين الأصل القومي والانتماء الوطني.
وتتجلى هذه الصورة كذلك في الأوقاف الكوردية التي انتشرت في القاهرة. فقد امتلك عدد من الأمراء والعلماء الكورد بساتين وأراضي واسعة، من أشهرها "غيط الكردي"، وهو اسم بقي متداولًا في كتب المؤرخين، رغم انتقال ملكيته أكثر من مرة. كما عرفت المدينة أوقافًا عديدة حملت أسماء أصحابها الكورد، وكانت ريعها يخصص للفقراء وطلاب العلم وصيانة المساجد، وهو ما يعكس إسهامهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وليس العسكرية فقط.
ويؤكد المؤرخ الكبير علي مبارك في كتابه "الخطط التوفيقية" أن كثيرًا من أسماء المواضع في القاهرة ترجع إلى أصحابها أو سكانها، وهو ما يفسر بقاء أسماء مثل "غيط الكردي" و"حارة الكردي" و"درب الأكراد". أما المقريزي، فقد سجل في "المواعظ والاعتبار" عددًا من المواضع التي ارتبطت بالكورد، سواء من خلال السكن أو الوقف أو المنشآت الدينية، وهو ما يمنح هذه الأسماء قيمة تاريخية تتجاوز مجرد التسمية.
إن (درب الأكراد(، و(حارة الأكراد)، و(حارة الكردي)، و(شارع الكردي)، و(غيط الكردي)، ليست مجرد مواقع على الخريطة، بل صفحات من تاريخ طويل من التعايش. وهي تؤكد أن العلاقة بين المصريين والكورد لم تُبنَ على المصالح السياسية وحدها، وإنما على المشاركة في بناء المدن، وإنشاء المؤسسات، وخدمة المجتمع، حتى أصبحت هذه الأسماء جزءًا من التراث المصري نفسه. ولهذا فإن دراسة هذه المواضع لا تقدم معلومات عن تاريخ الكورد وحدهم، بل تكشف أيضًا عن طبيعة الشخصية المصرية التي استطاعت عبر القرون أن تستوعب شعوبًا وثقافات متعددة، وتحولها إلى جزء من هويتها الوطنية دون أن تمحو خصوصيتها، وهو ما يجعل الوجود الكوردي في مصر نموذجًا تاريخيًا نادرًا للتآلف والاندماج والتعايش الحضاري.