بائع التسابيح و حكاية كازينو عنتر 1959 في أربيل

بائع التسابيح و حكاية كازينو عنتر  1959 في أربيل
بائع التسابيح و حكاية كازينو عنتر 1959 في أربيل

لم تكن الكازينوهات في أربيل منتصف القرن الماضي مجرد أماكن للترفيه، بل كانت بمثابة برلمانات مصغرة، ومنتديات ثقافية وسياسية تقود وعي الشارع. وفي عام 1959، وُلد في أربيل مقهى استثنائي عُرف بـ "كازينو عنتر". كان هذا المكان يمثل "سقف الحرية" في المدينة
إذا سألت عابراً في شوارعها اليوم عن مكان كازينو عنتر ، فسيشير بقلبه قبل يده نحو زاوية كانت يوماً تهزّ أركان المدينة بالضحكات، وتجمع المعلمين والمثقفين والموظفين، وهتافات الرياضيين..

في عام 1959، قرر عنتر أن يبني للناس بيتاً لا تغلق أبوابه. بضربات مسحاته وبيديه اللتين يعرفان أسرار البناء والإعمار، رفع جدران كازينو من الطوب والخرسانة. لم يكن يعلم حينها أنه لا يبني مجرد مقهى، بل كان يشيّد قلباً نابضاً سرعان ما تحول "كازينو عنتر" إلى جزء لا يتجزأ من واقع المدينة اليومي. لم يكن مكاناً لارتشاف الشاي والقهوة فحسب، بل كان مرآة تعكس كل ما يدور في الشارع الكوردي.

على تلك الطاولات الخشبية الصغيرة، كان يجلس المعلم بجانب التاجر، والمثقف إلى جوار العامل البسيط. هناك، وفي زوايا المقهى العبقة برائحة الهيل، كان الرجال يتسامرون بصوت منخفض، يتبادلون الأحلام حول مستقبل ، ويرسمون في خيالهم ملامح الحلم الكوردي الخفي, ليتحول المقهى بنظر السلطات خطراً آنذاك

فكم من مرة داهمته الشرطة، وكم من مرة أُغلقت أبوابه بالشمع الأحمر واعتُقل رواده! لكن الأسطورة تقول: "كلما أغلقت السلطات كازينو عنتر، عاد في اليوم التالي أقوى، وازدحم بالناس أكثر". كان المقهى كالزئبق، لا يمكن حصاره، لأنه لم يعد مجرد جدران، بل صار فكرة، والفكرة لا تموت.فوق تلك الطاولات الخشبية الصغيرة، ومع رنين استكانات الشاي العبقة بالهيل ورائحة القهوة، كان الرواد يتبادلون الأحاديث المفصلية عن مستقبل المجتمع، ويتناقشون في شؤون الثقافة والأدب والسياسة 

وبسبب هذا النشاط الفكري العارم، وضيق ذرع السلطات به، تعرض الكازينو للمداهمة لمرات عديدة.
هناك، على الرصيف المقابل تماماً، كان يجلس طفل في الثالثة عشرة من عمره يدعى ( پاکزادە-(Pakzad  واسمه يأتي بمعنى:

پاک (Pak): تعني الطاهر، النقي، المبرأ من كل عيب أو دنس.
زاد (Zad): تعني المولود، أو الابن، أو سليل الحسب والنسب.

" وقد اتخذ لنفسه مكاناً صغيراً وبسيطاً يعرض فيه بضاعته الندية: تسابيح ملونة يُحبها العابرون. لقد نشأ (پاکزادە)في أحضان عائلة دينية طيبة ومتمسكة بالتقاليد؛ عائلة كانت تخاف على براءته ونقاء روحه، وترى في المقاهي مساحات قد تشغل الشباب عن السكينة وجادة الصلاح، فكانوا يحيطونه بالكثير من الرعاية والنصائح ليبقى بعيداً عن صخب تلك الأزقة
لكن المفارقة الروحية الجميلة كانت تتجلى في يدي (پاکزادە) الصغيرتين, فبينما كانت أصابعه الغضة تداعب حبات التسابيح، ممررةً خيوط الذكر والاطمئنان لقلوب المصلين والمارة، كانت عيناه البريئتان تلتفتان بشغف طفولي نحو الضفة الأخرى من الشارع. 

كان يراقب الوجوه المبتسمة، ويناظر دخول وخروج المعلمين والمثقفين والموظفين والأغوات بهيبتهم ووقارهم، مستمعاً إلى أصوات نقاشاتهم الدافئة حول مستقبل المجتمع. وعلى الرغم من أن عقله الصغير لم يكن يستوعب تفاصيل ذلك الواقع المعقد أو تلك الأفكار العميقة، إلا أنه كان يشعر بقلبه أن داخل هذا المكان ينبض صدقٌ وحرية يثيران في نفسه فضولاً نقياً للاكتشاف والاستطلاع.

وهنا، في هذه المساحة الهادئة من روحه، كان يدور صراع لطيف وخفي؛ صراع بين الرغبة الفطرية في المعرفة و التقدير العميق لتربية عائلته وإيمانه الذي نشأ عليه. هذا التمزق الداخلي كان يظهر في تصرفات عفوية ولاإرادية، فعندما يغلبه الفضول، يخطو خطوة صغيرة وتلقائية نحو الشارع كأنه يريد أن يستكشف ذلك العالم الساحر، لكنه سرعان ما يتذكر نصائح والده الدافئة، فيتوقف خجلاً ويعود خطوتين إلى الخلف، متشبثاً برصيفه الصغير. 

وفي تلك اللحظات، كان يغرق في حديث هادئ مع نفسه، يفيض بالحيرة وبنبضات قلب متسارعة، متسائلاً بعفويةكيف لهذا المكان الذي يخشى منه والدي، أن يجمع كل هؤلاء الناس الطيبين  وكل هذا النبل؟ وهل يمكن للتسابيح التي بين يدي أن تلتقي يوماً مع تلك الحرية التي أراها ؟  لقد كان يقف على عتبة التساؤل، يبيع السكينة للآخرين، بينما يحمل في قلبه  الغض حيرة وجودية دافئة، باحثاً عن تناغم بين الإيمان والواقع.تحت وطأة هذا الصراع، ولدت في مخيلة.

ماذا لو كبرت وأصبحت تاجراً، وافتتحت مكاناً يشبه هذا مكان.  

رأى أن أمنية صغيرة و غريبة و تكون مبكرة لهذه الشيء , و في مساء أحد الأيام، بعد أن اقترب پاکزادە من بوابة الكازينو أكثر من المعتاد وتنشق رائحة القهوة حتى ثمل بها، عاد إلى البيت والاضطراب يملأ عينيه. جلس على مائدة العشاء البسيطة برفقة والده، في ذلك المساء كان الهواء ثقيلاً، والتوتر النفسي قد بلغ ذروته في جسد پاکزادە دخل البيت وجسده يترجم ارتباكه؛ أكتافه منحنية قليلاً تحت وطأة السر، وأصابعه المرتجفة تفرك أطراف ثوبه باضطراب سيكولوجي مألوف لدى المراهقين عندما تصطدم رغباتهم بجدار السلطة الأبوية. كانت مائدة العشاء البسيطة تجمع بينه وبين والده، الشيخ الذي ينضح وجهه بوقار السكينة.

كان پاکزادە يبتلع غصته، وعيناه تزيغان عن نظرات والده.

يمثل هذا الهروب البصري خوفاً من انكشاف "المحظور الجميل". تلاحقت أنفاس الفتى، ودق قلبه بعنف، وسط مائدة العشاء البسيطة في الغرفة، وكان صوت رنين حبات السبحة بين يدي پاکزادە هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت المكان خائفاً من رد فعل الأب، من غضبٍ قد يكسر فطرته، أو صرامة قد تحرمه حتى من الحلم. 

لكن الرغبة في المعرفة كانت أقوى من الخوف. نظر الفتى إلى والده، الشيخ الوقور الذي انحنى ظهره في محراب العبادة، وقرر أن يلقي بجمرته الصامتة.  وفي هذا اللحظة تنحنح پاکزادە وبصوت متهدج حاول قسراً أن يبدو متزناً، وقال :بنبرة هادئة): "يابا.. لماذا يخاف الدين من النوافذ المفتوحة؟")

الأب-  يرفع عينيه ببطء: و يقول الدين لا يخاف النوافذ يا بني، بل يخاف على الطيور التي لم تقو أجنحتها بعد من الريح."

پاکزادە: لكن في 'كازينو عنتر' طابقين،طابق للأرض والناس، وطابق يرتفع بالوعي والثقافة والسياسة.. أليس الوعي عبادة؟

الأب-يبتسم بوقار ويقول يا ابني : الوعي الذي يولد وسط دخان التبغ وصخب الآراء، يلد مشوشاً. العبادة تحتاج إلى السكينة، والسياسة تبحث عن المصالح."

پاکزادە: أرى المهندسين والأغوات والمعلمين يدخلون هناك، يتحدثون عن مستقبل المجتمع وحريته. هل الحرية خطيئة؟

الأب -يضع يده على المصحف: "الحرية يا بني ليست صراخاً في مقهى، ولا فكرة تُناقش مع استكانة شاي. الحرية الحقيقية هي أن تُحرر قلبك من هوى الدنيا.. الكازينو يعطيك حرية جسد، والقرآن يعطيك حرية روح.

"پاکزادە: لكنني عندما أقف خلف عربة التسابيح، أشعر أنني محبوس في رصيف ضيق، بينما هم يبنون بلداً كاملاً في الطابق الثاني! 

الأب- ينظر ليد ولده: "أنت تبيع التسابيح، حبة وراء حبة، تعلّم الناس الصبر وتذكرهم بالخالق. هم في الطابق الثاني يقلبون الدنيا، والدنيا زائلة. من يبني الآخرة، يبني ما لا يهدمه بشر."

پاکزادە بحيرة: "وماذا لو كبرت يا أبي، وأردت أن أجمع بين الاثنين؟ أن أكون تاجراً يملك أماكن تجمع الناس وتمنحهم هذا السقف من الحرية؟"

الأب- يقترب منه ويلمس كتفه بثقل الحكمة: "إن أردت ذلك يوماً، فاجعل سقوفك تحمي قلوب الناس لا أن تفتنهم. تذكر يا پاکزادە.. الحرية التي لا يحرسها الله.. تتحول إلى قيد أعمق من المعتقل."

"يابا.. في الكازينو المقابل، يبنون المستقبل بالعلم، والسياسة، والواقع.. أليس هذا هو التطور الذي نحتاجه؟"

توقفت يد الأب في الهواء. في تلك اللحظة، تجسدت على وجه الشيخ مفاجأة صامتة. لم تكن مفاجأة غضب، بل كانت دهشة العارف الذي رأى فجأة أن طفله قد عبر ليلة وضحاها إلى ضفة النضج، وأن الأسئلة لم تعد عن "ألعاب الصبا"، بل عن "ماهية الوجود". نظر الأب إلى ولده، فرأى في عينيه لمعة التمرد الفكري، ورأى الشحوب الذي يكسو وجهه خوفاً. انخفضت يد الأب برفق، وابتسم ابتسامة حانية بددت كل رعب في قلب الفتى.

رد الأب بنبرة هادئة، يملؤها أمان العقيدة وأصالتها:
"يا بني، العلم يبني وسيلة العيش، لكن الدين يبني الغاية من الحياة.. فما نفع الوسيلة إن ضلت الغاية؟"

التقط پاکزادە أنفاسه، وتشجع إثر هذا السلام الذي غمر الغرفة، فقال متسائلاً بلغة الواقع:

لكنهم هناك يتحدثون عن الحرية وحقوق الإنسان، وعربتي لا تبيع سوى أحجار صامتة!"

نظر الأب إلى عيني ابنه مباشرة، تلك النظرة التي تحتضن الخوف وتزرع السكينة، وقال:
"الحرية يا بني ليست في تحرير سقف الكلام تحت سحب الدخان، بل في تحرير رقبتك من شهوات الدنيا. الإسلام لم يأتِ ليقيد عقلك، بل جاء ليحميه من التيه. في الكازينو يبحثون عن الأمان وسط ضجيج البشر، وفي سبحتك وسجادتك تجد الأمان في معية خالق البشر."

يا پاکزادە.. انزل إلى الدنيا بعلمك وعقلك، شيد المباني وناقش الأفكار، لكن اجعل قلبك معلقاً بالمسجد. الدين يا بني ليس عزلة عن الحياة، بل هو الذي يمنحك التوازن والأمان كي لا تبتلعك أمواج هذه الحياة. خذ من الكازينو علمهم وواقعيتهم، واجعل من إسلامك سلاماً يحمي خطواتك. فالعلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى.. وأصل الفضيلة أن تكون قوياً في الدنيا، تقياً في الخفاء."

سكت الأب، وعاد لتناول طعامه بهدوء. في تلك اللحظة، شعر پاکزادە بأن جدار الخوف قد انهار تماماً،وكيف أجمع بين السكينة التي تريدها لي، وبين طموحي في بناء هذا العالم؟"

وضع الأب يده على كتف ابنه، فسرى في جسد الفتى دفء الأمان، وسكنت رعشة أصابعه. قال الأب بحكمة الأنبياء وأصالة الفضيلة: 

لكن پاکزادە  انطلق  من المائدة كالسهم، تاركاً طعامه وكلمات والده معلّقة في هواء الغرفة الخانق. ركض في عتمة الليل، يلهث وتتقاذفه الرياح في الأزقة الضيقة، ولم يجد مستقراً لخطواته الفزعة إلا رصيفه المعتاد؛ هناك حيث تقبع عربة التسابيح الخشبية، ملاذه الآمن والوحيد كلما ضاقت به الجدران.

ارتكن پاکزادە إلى زاوية العربة، واحتضن ركبتيه، وانفجرت دموعه المحبوسة هطلةً واحدة، ممزوجة بوعورة الصراع الداخلي بين واقعه البسيط المحدود وبين فضوله المشتعل وطموحه الذي يراه أكبر من حدود الرصيف.

في هذه الأثناء، انفتح الباب الخشبي الثقيل للكازينو، وانبعث منه ضوء دافئ صبغه خيال دخان السجائر. خرج صاحب المكان بعباءته المهيبة المعروف، "حاجي عنتر". لمحه جافلاً يبكي في عتمة الرصيف، فاقترب منه بخطوات وئيدة، وانحنى يربت على كتفه بحنان أبوي:

حاجي عنتر (بصوت جهور دافئ): "ما يبكيك يا صاحب التسابيح في هذا الليل؟ أضاعت منك حبة عقيق، أم ضاق بك الرصيف وبما تحمله في صدرك؟"

پاکزادە (يمسح دموعه بكم ثوبه): "بل ضاق بي عقلي يا عم.. جئت أبيع السبح لأكسب قوت يومي وألتزم بحدود عيشي كما يريد أبي، وجئتَ أنت بطابقيك لتجمع عقولاً تتحدث بالحرية والمستقبل. أبي يقول إن هذا الفضول الذي يملأ رأسي هو قيد سيتعبني، وأنا أشعر بالشتات بين رغبتي في البقاء هنا، وبين روحي التي تكاد تطير لتسمع ما يدور بالداخل وتفهم العالم." 

حاجي عنتر (يجلس بجانبه على حافة الرصيف ويبتسم): "أبوك رجل وقور يخاف عليك من صخب الأفكار ومتاهات الطريق. لكن قل لي، هل ترى المعلمين والمثقفين والأغوات الذين يدخلون هنا غلفاً لا يفقهون شيئاً؟"

پاکزادە (بحيرة المراهق وفضوله الشرس): "لا.. أراهم يبنون بلداً في الطابق الثاني بكلماتهم، بينما أنا هنا أعد الحبات بانتظام ميت. أشعر أنني محاصر في مكاني، بينما أحلامي تتجاوز هذا الرصيف."

حاجي عنتر (ينظر إلى التسابيح الملونة على العربة، ثم يمسك بإحداها ويريها پاکزادە):
"انظر إلى سبحتك هذه يا پاکزادە.. الخيط الذي يجمع الحبات هو الذي يحميها من التشتت، وهذا هو أصلك وثباتك. لكن انظر إلى الحبات نفسها؛ إنها مختلفة الألوان، والأشكال، والمصادر. هكذا هم البشر الذين تراهم يدخلون من هذا الباب؛ كل شخص منهم أتى من فئة، من بيئة، ومن مكان معين في هذا المجتمع. لم يولدوا متشابهين، ولم يأتوا لهدف واحد، بل كل منهم يحمل في قلبه حُلماً ما، أو يسعى لتحقيق شيء معين يُشبه لونه وطبيعته."

وتابع حاجي عنتر وعيناه تتأملان الأزقة:
"أحياناً يظن المرء أن حلمه بعيد، أو أن مكانه الحالي يمنعه من التحليق، لكن الحقيقة أن هذه الحبات المختلفة تتكامل لتصنع في النهاية شكلاً مكتملاً. الفضول الذي في داخلك ليس خطيئة يا بني، بل هو بذرة ذكاء وإشارة إلى أنك تبحث عن دورك في هذه الحياة. لا تخف من المعرفة، ولا تشعر بالذنب لأنك تريد أن تفهم. بع تسابيحك بنظامك الجميل، واقرأ كتابك، واستمع لوعي الأحرار بوعي وحذر، وحين تكبر وتكتمل تجربتك.. ستعرف كيف تصنع لنفسك مكاناً يحمي حلمك، ويجمع بين ثبات المبدأ وحرية الفكر. 

انجلت سحابة الدموع عن عيني پاکزادە ، وسكنت روعته. لم يكن حواراً عادياً، بل كان جسراً عبر فوقه الصبي من ضيق الحيرة والتشتت النفسي إلى رحابة الوعي الحذر واستيعاب اختلاف الحياة وأحلامها. نظر إلى حاجي عنتر بكثير من الامتنان، وأدرك أن الأفكار العظيمة لا تموت، حتى وإن هُدمت الجدران لاحقاً.

لم يدم البوح الدافئ بين پاکزادە وحاجي عنتر طويلاً؛ إذ اخترق الصمت صوت مألوف، يحمل بحّته وقار السنين وثقل التربية: " پاکزادە.. پاکزادە..". 
التفت الفتى برعب، ليرى قامة أبيه الشيخ تقف على بُعد خطوات تحت ضوء الفانوس الخافت في الزقاق، ينظر إليه بملامح لا تشي بغضب، بل بعمق حزين. تملّك الخوف والارتباك قلب پاکزادە ، فانتفض واقفاً، تاركاً صاحب الكازينو خلفه، وركض نحو أبيه منكس الرأس، كمن ضُبط متلبساً بالحلم.

مشى الأب وابنه جنباً إلى جنب في طريق العودة، وظل الصمت سيد الموقف للحظات، قبل أن يتحدث الأب بهدوء وثقة حكيمة؛ فقد أدرك بفطنته أن ولده لا يبحث عن لهوٍ عابر، بل يدور حول شيء غير مألوف، شيء يخرج عن طبيعة الحياة الساكنة التي رُسمت له.

الأب -بصوت منخفض وثقيل: "يا بني.. الطائر الذي يطيل النظر إلى السماء خارج سياجه، إما أن يبحث عن فضاء حقيقي، أو أنه يغتر بلمعان السراب. أنا لا أمنعك عن الناس عناداً، لكني أخشى أن تبيع يقينك البسيط مقابل شكوك منمقة."

كانت عبارات الأب ثقيلة جداً على سن پاکزادە ، كلمات مشحونة ببعدٍ فلسفي روحي، جعلت الفتى يلوذ بالصمت المطلق. مشى خائفاً، ساكتاً، لا يملك رداً، لكن تلك الكلمات لم تمر عابرة؛ بل نقرت في عقله وزعزعت شيئاً في داخله، وإن لم تغير فضوله تماماً، فقد زرعت في روحه احتراماً أعمق لثقل الكلمة والموقف.

لكن الأقدار لا تنتظر نضوج الصبيان. فالأب، بحكم التزامه الديني وارتباطه بحلقات العلم والحجروات الدينية (المدارس الإسلامية التقليدية للفقهاء والمشايخ)، كان عليه التزام إلزامي بالانتقال من مكان إلى آخر لتأدية واجباته التعليمية والدينية. 

كان قراراً قاطعاً خارجاً عن إرادة وسيطرة پاکزادە ، الذي وجد نفسه مجبراً على حزم حياته الصغيرة في حقيبة واحدة والرحيل.

في صباح اليوم الأخير، وقبل أن تتحرك قافلة العائلة، أخذ پاکزادە خطوته الأخيرة نحو الرصيف الذي شهد صراعه. اقترب من عربته الخشبية المألوفة، وبدأ يلمّ مسابحه؛ يجمع حبات العقيق واليسر ببطء كأنه يودع أجزاءً من طفولته.

وعندما انتهى، التفت للمرة الأخيرة نحو "كازينو عنتر". في تلك اللحظة، شعر پاکزادە أن الخوف قد مات، وأن جدار التقاليد الصارم قد انهار أمام حتمية الفراق. وبلا تردد، دفع الباب الخشبي الثقيل ودخل!

لأول مرة، لم يعد الرصيف عازلاً؛ وقف پاکزادە في الطابق الأول، يطالع بعينين متسعتين ذلك العالم الذي طالما راقبه من الشقوق. رأى المثقفين، والمعلمين المؤدبين، والمهندسين، يجلسون بوقار يتبادلون الحديث برقي، بينما يرتفع صخب النقاش الثقافي من درج الطابق الثاني.

تحسس پاکزادە القطع النقدية القليلة التي جناها من بيع السبح في جيبه، واشترى بها كوباً من القهوة. هي المرة الأولى التي يذوق فيها مرارة البن الدافئ. ارتشفها ببطء، وكانت تلك الرشفة بطعم النضوج، طعم الحرية التي تخيلها دائماً. نظر حوله نظرة عميقة، لم تكن نظرة وداع، بل كانت نظرة استشراف، كأنه يرى في تفاصيل هذا المكان وهويته مستقبلاً خاصاً به سيصنعه يوماً ما. 

مرت السنوات سريعة، وتحول مجرى التاريخ بعنف. دار الزمان دورته القاسية، وبحلول عام 1980، تغير كل شيء؛ إذ عصفت بالبلاد أحداث سياسية واقتصادية خانقة، وبدأت ملامح الحرب تخيم على الأفق. وفي غمرة تلك الأحداث والقرارات الحكومية الجائرة لإعادة تخطيط المدن وإزالة المعالم التي تحمل أنفاس الحرية ، جاءت الجرافات ودمرت "كازينو عنتر".

انمحت الجدران بطابقيها، واختفت الطاولات الخشبية الصغيرة، وتغيرت أسماء الأزقة حتى بات المكان كأنه لم يكن موجوداً إلا في دفاتر الذكريات، وغاب جسد حاجي عنتر عن الدنيا لاحقاً عام 1998.

وفي الحاضر.. يعود  پاکزادە بعد عقود طويلة من الغربة والنزوح والترحال بين الحجروات والمدن. لم يعد ذلك الصبي الخائف صاحب عربة السبح؛ بل عاد كواحد من أكبر تجار المدينة ورجال أعمالها، رجلاً يملك اليوم سلسلة من أفخم وأكبر ا"شاي خانة والمقاهي الثقافية الحديثة.

يقف پاکزادە بسيارته أمام ذلك الرصيف المهجور الذي كان يوماً مسرحاً لطفولته وصراعه. ينظر إلى الفراغ ويسترجع رائحة القهوة الأولى التي تذوقها هنا عام رحيله. لكنه تفاجأ! حين اقترب، وجد بقايا جدار قديم صامد، لبنات من الطوب والخرسانة عانقت الأرض وتحدت الجرافات وعوامل الزمن والأحداث السياسية القاسية. انحنى پاکزادە ، وتحسس تلك الحجارة الباقية بيده المقترحة، واغرورقت عيناه بالدموع.

نظر إلى الفراغ المحيط، وأدرك أن الأسطورة لم تندثر؛ فالكازينو لم يكن مجرد جدران هُدمت، بل كان حُلماً تحول في حياته من مجرد فضول مراهق وممنوعات تربوية، إلى استثمار حقيقي يبتسم العجوز ويدرك أن والده كان محقاً حين قال له إن "الحرية يجب أن يحرسها الله"، وأن حاجي عنتر كان محقاً حين قال له "إن الفضول بذرة ذكاء".

لقد نجح پاکزادە التاجر في أن يجمع بين طهر السُّبحة وحرية الكلمة؛ شاي خانة الحديثة ليست مجرد مشاريع تجارية، بل هي امتداد لـ "كازينو عنتر" القديم.. صاغها من طوب ذكرياته، لتبقى أسطورة المكان حية في قلبه، حتى وإن غيبتها الجرافات عن الأرض.
بل قرر أن يفتتح "شاي خانة"؛ مكان أصيل يفوح منه عبق الماضي، تفوح في أرجائه رائحة الهيل النفاثة، وتتوزع فيه الكراسي الخشبية والطاولات الصغيرة تماماً كالمكان الذي سلب عقله صغيراً.

صار پاکزادە هو صاحب "الشاي خانة"، وبسبب نشأته الدينية وثقافته العالية، لم يكن مجرد تاجر؛ بل كان روح المكان. كان يتجول بين الطاولات، يراقب رواده من المثقفين والشباب، ويرى في عيونهم نفس الشغف الذي كان يملأ عينيه. كلما سكب الشاي في الاستكانات، كان يتذكر وقوفه خلف عربة السبع خائفاً وممنوعاً، ويبتسم لأن مكانه هذا أصبح يمثل "سقفاً جديداً للحرية" يحوطه الوقار والأدب الذي تعلمه في الحجروات..

وصرح قائم يحمل اسم "الشاي خانة" الخاصة به. لقد نجح پاکزادە في أن يجمع بين رغبة أبيه (طهر الفكر) ورغبة حاجي عنتر (حرية المكان)، ليعود إلى بيته وهو يعلم أن خطواته لم تكن عبثاً، وأن الحكاية بدأت من حبة سبحة.. وانتهت بإمبراطورية من العبق والذكريات.