ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
لماذا لم يبدأ التاريخ الإسلامي بعام الفيل؟ دراسة في المصادر الإسلامية وغير الإسلامية (السريانية والبيزنطية والأرمنية والحبشية)(2)
تكتسب دراسة حملة أبرهة الحبشي وأحداث "عام الفيل" أهمية إضافية عند الاستناد إلى النقوش اليمنية القديمة (الحميرية/السبئية المتأخرة)، التي تمثل مصدرًا معاصرًا تقريبًا للفترة السابقة لظهور الإسلام. فقد كشفت النقوش المنسوبة إلى حكم أبرهة، وخاصة النقش المعروف في "مأرب" والمتعلق بحملاته العسكرية، أن أبرهة كان فعلاً ملكًا قويًا في جنوب الجزيرة العربية، وقاد حملات داخلية وخارجية لتعزيز سلطته، وإعادة تنظيم المجال الديني والسياسي في اليمن بعد سيطرة الأحباش.
أما في المصادر الحبشية، وخاصة التقليد التاريخي المرتبط بمملكة أكسيوم، فإنها تؤكد وجود نشاط عسكري وديني واسع للأحباش في جنوب الجزيرة العربية خلال القرن السادس الميلادي، خصوصًا في اليمن بعد حملة الملك الحبشي الاكسيومي كالب (Kaleb of Axum) ضد ملوك حمير. وتشير هذه المصادر إلى أن أبرهة كان جزءًا من هذا الامتداد السياسي الحبشي، وأنه حكم اليمن بوصفه تابعًا أو مستقلًا عن أكسوم في فترات مختلفة، مع التركيز على تثبيت المسيحية في المنطقة.
غير أن المصادر الحبشية لا تقدم رواية تفصيلية عن حملة دينية على مكة، بل تركز على اليمن وصراع القوى الإقليمية، مما يجعل رواية "الفيل" في المصادر الإسلامية أقرب إلى ذاكرة تاريخية محلية تطورت داخل الجزيرة العربية، وربطت بين حدث عسكري وبين حماية المقدسات في مكة.
وعليه، فإن الجمع بين النقوش اليمنية والمصادر الحبشية والسريانية يظهر أن خلفية عام الفيل تاريخياً ترتبط بصراع سياسي وديني واسع في جنوب الجزيرة العربية، لكن تفاصيل الهجوم على مكة تبقى غير مؤكدة خارج الرواية الإسلامية، مما يعزز فكرة أن الحدث مرّ بعملية إعادة تشكيل في الذاكرة التاريخية العربية المبكرة.
الخلاصة العلمية المتوازنة هي أن الروايات غير الإسلامية لا تنقض بشكل مباشر فكرة وجود أبرهة أو نشاطه العسكري في اليمن، لكنها لا تقدم أيضًا تأكيدًا تفصيليًا لقصة “غزو مكة بالفيل”، وبالتالي يبقى الموقف الأكاديمي الأقرب هو أن لدينا إطارًا تاريخيًا مؤكدًا جزئيًا، ورواية محلية تفصيلية تحت أستعرض لك قراءات الباحثين لنقوش "آبار المريغان"؟تُعرف نقوش "آبار المريغان" (وتحديداً النقش الشهير Ry 506) ) بأنها الوثيقة الأثرية الأهم التي كُتبت بأمر من أبرهة الأشرم نفسه بخط المسند؛ لذلك انقسم باحثو التاريخ والآثار في قراءتهم وتحليلهم لهذا النقش وعلاقته بحملة الفيل إلى اتجاهين رئيسيين:
الاتجاه الأول: النقش يوثق حملة تمهيدية تسبق "عام الفيل"يرى عدد من المؤرخين والباحثين منهم الضابط البريطاني رونالد فيكتور كورتني بودلي Ronald Victor Courtenay Bodley،(1892 – 1970م) ومؤرخون عرب، أن هذا النقش لا يتحدث عن حملة مكة نفسها، بل عن حملة عسكرية سابقة تمهيدية لفرض السيطرة على وسط الجزيرة العربية، يذكر النص أن أبرهة غزا قبيلة مَعَدّ (كونفدرالية قبائل عربية في وسط نجد) في "غزوة الربيع"، وتحديداً بني عامر، وأنه التقى بهم وهزمهم في موضع يُدعى "حلبان" (منطقة غرب الرياض الحالية) ، ثم عاد بجيشه منتصراً. النقش مؤرخ بالتقويم الحميري بسنة 662حـ، وهو ما يعادل تقريباً عام 552 ميلادي. وبما أن المصادر الإسلامية تربط عام الفيل بمولد النبي ﷺ (حوالي 570م)، فإن هذا النقش يسبق الحادثة بنحو عشرين عاماً، مما يجعله وثيقة لتثبيت النفوذ السياسي للأحباش في نجد وليس لهدم الكعبة.
ومع ذلك كان بودلي الملقب (ببودلي العرب) من الكتّاب البريطانيين الذين أبدوا إعجاباً بالحضارة العربية والإسلامية، وكتب عدداً من المؤلفات، من أشهرها: حياة النبي محمد The Messenger: The Life of Mohammed، وقد امتازت كتاباته بنبرة متعاطفة مع العرب مقارنةً بعدد من المستشرقين في عصره، وإن لم يكن مستشرقاً أكاديمياً بالمعنى الدقيق، بل كاتب رحلات وسيرة تاريخية. أما موقفه من أبرهة ومكة، فقد عرضه في كتابه The Messenger: The Life of Mohammed الصادر سنة 1946م، ويمكن تلخيصه في النقاط الآتية:
1- يقبل الرواية التقليدية عن حملة أبرهة على مكة، ويرى أن أبرهة، حاكم اليمن الحبشي، قاد جيشاً مزوداً بالفيلة بقصد هدم الكعبة وتحويل الحج إلى الكنيسة(القُليس)التي بناها في صنعاء.
2- يؤكد أن مكة كانت مركزاً دينياً مهماً قبل الإسلام، وأن الكعبة كانت مقصد القبائل العربية للحج، ولذلك رأى أبرهة أن القضاء على الكعبة سيحوّل الحركة الدينية والتجارية إلى اليمن.
3- يتعامل مع قصة أصحاب الفيل بوصفها جزءاً من السيرة الإسلامية التقليدية، ولا يحاول إنكار وقوع الحملة أو نفي وجود مكة، بخلاف بعض الباحثين التنقيحيين المتأخرين مثل Patricia Crone وMichael Cook في بعض أعمالهما المبكرة.
4- لا يناقش الرواية من منظور نقدي تاريخي صارم، فلا يبحث في صحة التفاصيل الواردة في المصادر الإسلامية، بل يرويها بوصفها الإطار التاريخي المتعارف عليه، مع ميل إلى الأسلوب الأدبي أكثر من التحليل الوثائقي.
لذلك، فإن بودلي ليس من منكري وجود مكة، ولا من المشككين في حملة أبرهة، بل يعد من الكتّاب الغربيين الذين قبلوا الرواية الإسلامية الكلاسيكية عن عام الفيل دون الدخول في الجدل النقدي الذي ظهر لاحقاً في الدراسات الاستشراقية الحديثة.
الاتجاه الثاني: النقش يمثل "الرواية الرسمية المنتصرة" للحملة، يميل باحثون آخرون (مثل المستشرق والمؤرخ الاسرائيلي (إم. جي. كيستر وبعض الآثاريين) إلى ربط النقش بحملة مكة من منظور التحليل السياسي للوثائق الملكية القديمة، فمن القواعد المستقرة في علم الآثار أن الملوك القدامى لا يوثقون هزائمهم الكارثية على الصخور. إذا كان أبرهة قد تقدم نحو الحجاز وفشل في اقتحام مكة، فإنه سيكتفي في نقشه الرسمي بذكر الانتصارات المبدئية التي حققها في بداية الحملة (مثل إخضاع قبائل مَعَدّ وبني عامر في طريق سيره) ويتجاهل نهايتها المأساوية.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن "عام الفيل" قد يكون حدث فعلياً في فترة أقدم (حوالي 552م) وأن الروايات الإخبارية اللاحقة دمجت التواريخ لتربط الحادثة الكبرى بمولد النبي ﷺ زمنياً لإضفاء طابع إعجازي متبادل.
ويُعدّ المستشرق والمؤرخ الإسرائيلي Meir Jacob Kister يعقوب كيستر(1914–2010م) من أبرز الباحثين المتخصصين في تاريخ العرب قبل الإسلام وصدر الإسلام، وقد تناول في عدد من دراساته الروايات الإسلامية المتعلقة بمكة والجزيرة العربية، ومنها قضية حملة أبرهة الحبشي على مكة المعروفة في التراث الإسلامي بـ(عام الفيل). وتميّز منهجه بالجمع بين النقد التاريخي للمصادر الإسلامية ومقارنتها بالمعطيات التاريخية واللغوية والنقشية المتاحة.
لم يتبنَّ كيستر موقفاً تشكيكياً متطرفاً ينكر وقوع الحملة من أساسها، كما لم يقبل الروايات الإسلامية قبولاً حرفياً، بل انطلق من منهج نقدي يسعى إلى التمييز بين النواة التاريخية للحدث وبين الإضافات الروائية والدينية التي تراكمت حوله عبر القرون. وقد رأى أن كثرة الأخبار الواردة في كتب السيرة والتاريخ والتفسير بشأن حملة أبرهة تدل على وجود ذكرى تاريخية راسخة في الوعي العربي، إلا أن اختلاف هذه الروايات في بعض تفاصيلها يشير إلى تطورها التدريجي داخل البيئة الإسلامية. وفي دراسته الشهيرة(بعض الروايات المتعلقة بمكة- Some Reports Concerning Mecca" " ) الصادرة سنة 1972م، حاول كيستر إعادة فحص الأخبار المتعلقة بمكة قبل الإسلام، ولاحظ أن الروايات الخاصة بأبرهة والحرم المكي لا يمكن التعامل معها بوصفها سجلاً تاريخياً مباشراً، بل ينبغي تحليلها في ضوء ظروف تدوينها والأهداف الدينية والثقافية التي صاحبت نقلها. ومن هذا المنطلق افترض أن حملة أبرهة تمثل حدثاً تاريخياً حقيقياً في أصله، غير أن الذاكرة الإسلامية أعادت صياغته ضمن إطار ديني يبرز حماية الله للكعبة ومكانتها المقدسة.
كما سعى كيستر إلى الربط بين الأخبار الإسلامية وبين النقوش اليمنية المعروفة آنذاك، ولا سيما نقش أبرهة المؤرخ بسنة 552م، الذي يذكر حملة عسكرية قادها الملك الحبشي داخل الجزيرة العربية. وقد افترض أن هذه الحملة أو إحدى الحملات المشابهة ربما كانت تمثل الخلفية التاريخية التي استندت إليها رواية (عام الفيل)، وأن الذاكرة العربية ربطت لاحقاً بين تلك الأحداث وبين محاولة استهداف مكة. وبذلك رأى أن الرواية الإسلامية قد تحتفظ بعناصر تاريخية حقيقية، وإن كانت لا تسمح بإعادة بناء الحدث بدقة كاملة.
ويُلاحظ أن كيستر لم يكن معنياً بإثبات المعجزة الواردة في سورة الفيل أو نفيها، لأن اهتمامه انصبّ أساساً على دراسة تطور الرواية التاريخية ومراحل تشكلها في المصادر الإسلامية المبكرة. ولذلك تعامل مع النصوص بوصفها شواهد على الذاكرة الجماعية العربية أكثر من كونها تقارير تاريخية مباشرة عن الحدث.
وعليه يمكن القول إن موقف كيستر اتسم بالاعتدال المنهجي؛ فهو لم ينكر وقوع حملة لأبرهة في الجزيرة العربية، ولم يعدّ قصة الفيل اختلاقاً محضاً، وإنما رأى أن الروايات الإسلامية تحتفظ بذكرى حدث تاريخي حقيقي، إلا أنها وصلت إلى صورتها المعروفة بعد مراحل من التطور الروائي والتفسير الديني، الأمر الذي يقتضي إخضاعها للتحليل النقدي والمقارنة مع الأدلة التاريخية والنقشية المتاحة.
وبخصوص تفاصيل قراءة النص (ماذا قال أبرهة حرفياً؟) يبدأ النقش بعبارة دينية مسيحية واضحة تنفي الروايات التي ادعت وثنيته:"بقوة الرحمن ومسيحه، الملك أبرهة زيبمان ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات..." ثم يسرد تفاصيل إرسال القادة العسكريين (مثل القائد "أبو جبر") لتأديب القبائل الثائرة، وينتهي بذكر إعلان قبيلة معد الولاء له، وتقديم الرهائن كضمان للسلام، ثم قفل راجعاً إلى اليمن.
إن نقوش المريغان تثبت تاريخياً وعلمياً أن أبرهة كان يمتلك بالفعل جيشاً ضخماً قادراً على اختراق عمق الجزيرة العربية والوصول إلى مشارف الحجاز، مما يجعل الفكرة العسكرية لحملة الفيل "ممكنة جغرافياً وواقعياً"، حتى وإن غاب ذكر "مكة" كهدف نهائي في السجلات الرسمية للدولة الحميرية- الحبشية، تحتاج إلى قراءة نقدية دون إسقاطها أو قبولها حرفيًا بالكامل.
كان اعتقاد الباحثين أن نقوش مريغان تذكر قصة غزو أبرهة لمكة، ولكن لاحقاً صار من الواضح، كما يقول كريستيان روبن، أن هذا غير صحيح، ومع ذلك فإن اكتشاف (رسوم فيلة) في نجران بالقرب من أحد نقوش أبرهة، يجعل قصة غزو مكة أمراً ممكن الحدوث فيما بين عامي 560 - 565م، لكن يرى الباحث الفرنسي "روبان " أن قصة الفيل إنما هي إشارة إلى طاعون جستنيان الذي ضرب المنطقة في عهد الملك أبرهة. وقد نشر مئات الدراسات العلمية باللغتين الفرنسية والإنكليزية، ويُنظر إليه اليوم بوصفه أحد أهم المراجع العالمية في تاريخ اليمن القديم. ومن أحدث أعماله اشتراكه مع الباحث اليمني "ظهير عاطف البارقي" في نشر دراسة سنة 2025م حول نقش حميري من عهد أبرهة يتضمن قراءة محتملة لكلمة قد تشير إلى (الفيل)، وهو ما أثار اهتماماً واسعاً في الدراسات المتعلقة بعام الفيل. ويكتسب هذا النقش أهمية خاصة لأنه يذكر أبرهة بالاسم، ولأنه يتضمن كلمة غامضة (ʾlfl) اقترح الباحثان أنها قد تعني (فيل). وإذا صح هذا التفسير فسيكون أول دليل نقشي معاصر من جنوب الجزيرة العربية يشير إلى استخدام الأفيال في عهد أبرهة، وفي ضوء هذا النقش، تتأكد صحة الروايات الإسلامية العربية في امتلاك أبرهة للفيلة، وأن غزو جيشه لمكة بالفيل لم تعد مستحيلة.
وفي السياق نفسه أشار المؤرخ اليوناني المختص بالتاريخ البيزنطي المعاصر للاحداث "ديونيسيوس ستاثاكوبولوس" إلى تفشي طاعون جستنيان في جنوب الجزيرة العربية ما بين عامي 547م - 549م، وكذلك تفشت جائحة أخرى كانت شرارتها فيما بين عامي 560 - 561، واجتاحت القسطنطينية وسوريا وبلاد الرافدين، ومن ثم انتشرت في المناطق المحيطة، وهي الجائحة التي يشير إليها روبان .وأشار "ديونيسيوس" إلى وقوع جائحة ثالثة فيما بين عامي 571 - 573م، انتشرت في أوروبا ثم دخلت إلى القسطنطينية والشرق الأوسط، قد تكون مطابقة لما ورد من معلومات عن عام الفيل، لا سيما من أصحاب المدرسة العقلية في الاسلام (الشيخ محمد عبده وتلامذته).
ويرى الاخير أن ظهور الإسلام ينبغي فهمه في إطار التحولات الكبرى التي شهدها الشرق الأدنى خلال القرنين السادس والسابع الميلاديين، حيث أسهمت الحروب البيزنطية الساسانية المتواصلة والأزمات الاقتصادية والديموغرافية في إعادة تشكيل البيئة السياسية للمنطقة؛ ومن هذا المنظور، تُفهم أحداث اليمن ونجران وحكم أبرهة بوصفها جزءاً من شبكة أوسع من الصراعات الإقليمية التي سبقت ظهور الإسلام، لا باعتبارها أحداثاً معزولة عن السياق المتوسطي والبيزنطي العام.
تشير المعطيات التاريخية الحديثة، ولا سيما النقوش الجنوبية العربية والمصادر غير الإسلامية (الأرمنية والسريانية والبيزنطية والحبشية)، إلى أن الإطار العام الذي تُروى فيه حادثة عام الفيل ومكانة مكة يستند إلى أساس تاريخي يمكن تتبعه في سياق القرن السادس الميلادي، حتى وإن ظلت بعض تفاصيل الرواية الإسلامية محل نقاش.
فمن جهة النقوش الأثرية في جنوب الجزيرة العربية، تثبت النقوش الحميرية والسبئية، وعلى رأسها النقوش المرتبطة بحكم أبرهة، وجود كيان سياسي حبشي في اليمن خلال القرن السادس الميلادي، وقيام هذا الحكم بحملات عسكرية داخل الجزيرة العربية. وتُظهر بعض النقوش مثل نقش مريغان وغيره أن أبرهة قاد بالفعل تحركات عسكرية واسعة ضد قبائل عربية في وسط الجزيرة، ما يؤكد البعد التوسعي لنشاطه السياسي والعسكري، وهو الإطار التاريخي الذي تُدرج فيه الرواية الإسلامية الخاصة بعام الفيل.
أما المصادر السريانية والبيزنطية، مثل: تواريخ يوحنا الأفسسي، ومؤرخين سريان آخرين، فقد أشارت إلى النفوذ الحبشي في اليمن وصراعهم مع القوى المحلية والفرس، كما تحدثت عن تدخلات سياسية وعسكرية للحبشة في جنوب الجزيرة العربية. هذه المصادر لا تذكر مكة صراحة في الغالب، لكنها تؤكد وجود حالة اضطراب سياسي وعسكري في الجزيرة العربية في زمن يتوافق مع الإطار الزمني التقليدي لعام الفيل، أي النصف الثاني من القرن السادس الميلادي.
وفي المصادر الأرمنية، مثل كتابات سيبيوس Sebeos، نجد إشارات إلى التحولات السياسية الكبرى في الجزيرة العربية وصعود قوى محلية وإقليمية مرتبطة بالحبشة وبيزنطة، وهو ما يعزز الصورة العامة لوجود نشاط عسكري واسع في جنوب وغرب الجزيرة العربية، وإن دون تفصيل مباشر لحادثة مكة نفسها.
أما المصادر الحبشية، ولا سيما التقاليد المرتبطة بالمملكة الأكسيومية، فتشير إلى امتداد النفوذ الحبشي إلى اليمن واعتبارها منطقة نفوذ ديني وسياسي في إطار الصراع مع اليهودية المحلية والفرس. وهذا السياق ينسجم مع الرواية الإسلامية التي تجعل أبرهة حاكماً فعلياً لليمن وقائداً لحملات في الجزيرة العربية.
وبذلك يمكن القول إن اجتماع هذه المصادر غير الإسلامية مع النقوش الأثرية لا يثبت تفاصيل حادثة عام الفيل كما وردت في كتب السيرة الإسلامية، لكنه يثبت بشكل واضح وجود ثلاثة عناصر أساسية:
1- وجود أبرهة ونفوذه في اليمن.
2- وقوع نشاط عسكري حبشي داخل الجزيرة العربية.
3- ووجود مركز ديني مهم في الحجاز ضمن بيئة سياسية مضطربة في القرن السادس الميلادي.
وهذا التوافق العام بين المصادر الأثرية والتاريخية يجعل الإطار التاريخي لعام الفيل ومكة أقرب إلى الواقع التاريخي، مع بقاء بعض التفاصيل محل نقاش علمي بين الباحثين.