من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية – الإيرانية من ناصر الدين شاه إلى العصر الحاضر(1)

من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية – الإيرانية من ناصر الدين شاه إلى العصر الحاضر(1)
من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية – الإيرانية من ناصر الدين شاه إلى العصر الحاضر(1)

لم تكن مدينة النجف الأشرف مجرد حاضرة علمية أو مركز ديني يقصده طلاب العلوم الشرعية والزائرون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وإنما تحولت، منذ القرون الأولى للهجرة، إلى أحد أهم الفضاءات الرمزية في الوجدان الشيعي، حتى غدت أمنية كثير من المؤمنين أن تكون خاتمة حياتهم في جوار مرقد الإمام علي بن أبي طالب. وقد تعزز هذا الاعتقاد مع مرور الزمن، واستند إلى ما ورد في عدد من الروايات المتداولة في التراث الإمامي عن فضل الدفن في الغري ووادي السلام، الأمر الذي منح هذه البقعة منزلة استثنائية لم تنلها مقبرة أخرى في العالم الإسلامي. ومع أن عادة نقل الموتى إلى النجف كانت معروفة منذ عصور متقدمة، فإنها ظلت محدودة النطاق، تقتصر غالبًا على بعض العلماء والأسر الميسورة، ولم تتحول إلى ظاهرة اجتماعية واسعة إلا مع قيام الدولة الصفوية في مطلع القرن السادس عشر الميلادي.
احتلت النجف الأشرف وكربلاء مكانة فريدة في الوجدان الشيعي منذ القرون الإسلامية الأولى، إلا أن أهميتهما بلغت ذروتها منذ قيام الدولة الصفوية في مطلع القرن السادس عشر، عندما أصبحت العتبات المقدسة ركنًا أساسيًا في الهوية الدينية والسياسية للدولة الإيرانية. ومنذ ذلك الحين أخذت قوافل الزائرين والعلماء والتجار والجنائز تتوافد من مختلف المدن الإيرانية إلى العراق، حتى غدت النجف وكربلاء مقصدًا دائمًا للإيرانيين، أحياءً للزيارة وأمواتًا للدفن. ولم يقتصر هذا التقليد على عامة الناس، بل شمل عددًا من كبار العلماء والفقهاء والوزراء والأمراء من العهدين الصفوي والقاجاري، الذين أوصوا بأن تكون مثواهم الأخير في جوار مرقد الإمام علي بن أبي طالب في النجف أو مرقد الإمام الحسين في كربلاء، لما تمثله هاتان المدينتان من منزلة روحية رفيعة في العقيدة الإمامية.
وقد أسهم هذا الارتباط في جعل العراق، ولا سيما النجف وكربلاء، حاضرًا على الدوام في الوعي السياسي والديني الإيراني، فكان الشاهات القاجاريون يحرصون على زيارة العتبات المقدسة، ويقدمون لها الهدايا والأوقاف، كما أولت الحكومات الإيرانية المتعاقبة اهتمامًا بالغًا بأمن الزائرين وحرية انتقالهم، حتى أصبح هذا الملف أحد الموضوعات الرئيسة في العلاقات العثمانية–القاجارية خلال القرن التاسع عشر، ثم استمر حضوره في العلاقات العراقية–الإيرانية خلال القرن العشرين والحادي والعشرين.
ومن هذا المنظور، فإن المكانة التي تحتلها النجف وكربلاء في الفكر السياسي والديني الإيراني لا ترتبط بشخص أو مرحلة تاريخية بعينها، وإنما تمثل امتدادًا لتقليد تاريخي متواصل يربط المرجعية الدينية والقيادة السياسية في إيران بالعتبات المقدسة في العراق؛ ولذلك فإن أي اهتمام رسمي إيراني بالنجف وكربلاء، أو أي نقاش يتعلق برموز الدولة أو كبار علمائها أو مراجعها الدينية، ينبغي أن يُفهم في إطار هذا الإرث التاريخي الممتد، الذي تشكل عبر قرون من التواصل الديني والثقافي والإنساني، وليس بوصفه ظاهرة مستجدة فرضتها التطورات السياسية المعاصرة.
وفي هذا السياق، فإن أي نقاش معاصر يتعلق بإمكان دفن أو نقل رفات شخصية إيرانية بارزة إلى النجف أو كربلاء كالمرشد الايراني الراحل " آية الله علي خامنئي"(1939-2026م)، لا يمكن النظر إليه باعتباره حدثًا منفصلًا عن الماضي، بل هو امتداد لتقليد تاريخي طويل ارتبط بالمكانة الدينية الاستثنائية لهاتين المدينتين، اللتين استقبلتا عبر القرون آلاف العلماء والفقهاء والأمراء وكبار الشخصيات من إيران وغيرها من البلدان الإسلامية. ومن ثم، فإن أهمية النجف وكربلاء في الوجدان الإيراني لا تنبع من حدث آني، وإنما من تراكم تاريخي وثقافي وديني أسهم في جعل العتبات المقدسة إحدى الركائز الثابتة في العلاقات العراقية–الإيرانية عبر العصور.
فمع اعتلاء الصفويين عرش إيران سنة 1501م، وإعلان المذهب الإمامي الاثني عشري مذهبًا رسميًا للدولة، شهدت العلاقة بين إيران والعتبات المقدسة في العراق تحولًا جذريًا. فقد أدرك الشاه إسماعيل الصفوي وخلفاؤه أن تعزيز الارتباط بالمراقد المقدسة في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء يمثل أحد أهم وسائل ترسيخ الهوية المذهبية للدولة الجديدة، ولذلك أوقفوا الأوقاف، وأنفقوا الأموال على عمارة المشاهد، وشجعوا العلماء على الهجرة إلى العراق، كما أخذت العائلات الإيرانية الثرية ترسل موتاها ليدفنوا في جوار مرقد الإمام علي، إيمانًا بأن الدفن في تلك البقعة المباركة يمنح الميت منزلة روحية رفيعة.
وازداد هذا الارتباط رسوخًا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، على الرغم من الحروب المتكررة بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية. والمفارقة أن الصراع العسكري لم يمنع استمرار حركة الزائرين وقوافل الجنائز، وإن كانت تتعرض أحيانًا للتوقف بسبب إغلاق الحدود أو اندلاع العمليات العسكرية. فقد كانت السلطات العثمانية تدرك أن منع الإيرانيين من زيارة العتبات أو دفن موتاهم فيها قد ينعكس سلبًا على علاقاتها مع جارتها الشرقية، كما كانت تدرك في الوقت نفسه أن هذه الحركة الضخمة تمثل موردًا ماليًا مهمًا لولايات بغداد والنجف وكربلاء، سواء من خلال الرسوم الرسمية أو النشاط التجاري الذي رافق مواسم الزيارة.
ومع قيام الدولة القاجارية أواخر القرن الثامن عشر، دخلت هذه الظاهرة مرحلة جديدة أكثر اتساعًا وتنظيمًا. فقد تبنى القاجاريون سياسة تقوم على إظهار رعايتهم للعتبات المقدسة، وعدّوا ذلك جزءًا من شرعيتهم السياسية والدينية. وأصبحت النجف بالنسبة إلى الأسرة القاجارية ليست مجرد مدينة مقدسة، بل مركزًا روحيًا يرتبط مباشرة بصورة الدولة نفسها. ولذلك أخذ كبار رجال البلاط، والوزراء، والأمراء، وكبار ملاك الأراضي، يوصون بنقل رفاتهم إلى النجف بعد وفاتهم، بينما كانت الدولة تقدم التسهيلات اللازمة لنقل الجنائز عبر الطرق الممتدة من تبريز وطهران وأصفهان وشيراز وكرمانشاه إلى خانقين، ومنها إلى بغداد فالنجف.
ومن المهم هنا تصحيح فكرة شائعة ترد في بعض المقالات الحديثة، وهي أن ملوك القاجار دُفنوا في النجف. فالواقع التاريخي يختلف عن ذلك؛ وهي أن مظفر الدين شاه(1896 – 1907م) وأحمد شاه القاجاري (1909 -1925م) دُفنا في مرقد الامام الحسين في كربلاء، وليس في النجف، بينما ناصر الدين شاه(1848 – 1896م) دُفن في مرقد شاه عبد العظيم الحسني في الري(= جنوب طهران)، وفتح علي شاه (1797 – 1834م) ومحمد شاه (1834 – 1848م) دفنا في مرقد السيدة فاطمة المعصومة في قم. غير أن النجف احتضنت بالفعل عددًا من أمراء الأسرة القاجارية، والأميرات، وبعض زوجات الملوك، فضلًا عن وزراء الدولة وكبار رجالها، إلى جانب عشرات العلماء الإيرانيين الذين اختاروا الإقامة في النجف حتى وفاتهم، أو أوصوا بنقل جثامينهم إليها. وقد جعل ذلك من وادي السلام أشبه بسجل حي للعلاقات الروحية بين إيران والنجف على مدى قرنين متتاليين.
وكان من أبرز من اختاروا النجف مثوى أخيرًا عدد من كبار فقهاء إيران الذين ارتبطت أسماؤهم بالحوزة العلمية، ومنهم الشيخ مرتضى الأنصاري (1214–1281هـ / 1800–1864م) يُعد أشهر فقهاء الشيعة الإمامية في القرن الثالث عشر الهجري، ويُلقب بـ"الشيخ الأعظم" و"خاتم الفقهاء والمجتهدين". وقد بلغت المرجعية الدينية في عصره ذروة نفوذها، حتى أصبح المرجع الأعلى للطائفة الإمامية بعد وفاة محمد حسن النجفي سنة 1266هـ/1850م. واستقطب آلاف الطلبة من إيران والعراق والهند والقوقاز، حتى تحولت النجف في عهده إلى العاصمة العلمية للعالم الشيعي. كما دُفن فيها بعده عدد من كبار المراجع الإيرانيين، مثل محمد حسن الشيرازي (1230–1312هـ / 1815–1895م) يُعد من أعظم مراجع الشيعة الإمامية في القرن التاسع عشر، ومن أبرز الشخصيات الدينية التي أسهمت في تعزيز المكانة العلمية للنجف وسامراء، واشتهر عالميًا بفتواه في تحريم استعمال التبغ (التنباك) سنة 1891م، التي أرغمت حكومة ناصر الدين شاه القاجاري على إلغاء امتياز احتكار التبغ الممنوح لشركة بريطانية؛ وأصبحت تلك الفتوى محطة مفصلية في التاريخ السياسي الإيراني الحديث، وإن كان السيد الشيرازي قد توفي في سامراء ودفن فيها، فإن رفاته نقل لاحقًا إلى النجف، فضلًا عن عشرات العلماء الذين كانت أصولهم من أصفهان وتبريز ويزد وقزوين وكاشان. وهؤلاء جميعًا أسهموا في تعميق الارتباط العلمي والديني بين النجف وإيران، حتى أصبح انتقال العلماء بين الطرفين ظاهرة مألوفة لا تقل أهمية عن انتقال الزائرين والجنائز.
ومع اتساع هذه الحركة، نشأت حولها منظومة اقتصادية متكاملة لم تكن تقل شأنًا عن تجارة البضائع. فقد ظهرت فئة من المتعهدين المتخصصين في نقل الجنائز، يمتلكون القوافل والدواب، ويتولون استخراج التصاريح، وتأمين الحراسة، ودفع الرسوم، والتفاوض مع شيوخ العشائر التي تمر بها القوافل. وكانت كل جنازة تمثل رحلة طويلة قد تمتد لأسابيع أو أشهر، بحسب بعد المسافة والظروف الأمنية. وكثيرًا ما كانت القوافل تضم عشرات أو مئات التوابيت في رحلة واحدة، الأمر الذي حول الطريق بين كرمانشاه وخانقين وبغداد والنجف إلى واحد من أكثر الطرق حركة في القرن التاسع عشر.
ولم تكن هذه القوافل تسير في فراغ، بل كانت تمر بمناطق نفوذ عشائر كردية وعربية مختلفة، وكانت بعض القبائل توفر الحماية لقاء مبالغ مالية، في حين كانت قبائل أخرى تفرض الإتاوات أو تعترض القوافل إذا اضطربت الأوضاع الأمنية. ولهذا أصبحت الحكومة العثمانية معنية بتنظيم هذه الحركة، ليس فقط حفاظًا على الأمن، بل أيضًا لضمان تحصيل الرسوم المقررة، التي تحولت مع مرور الزمن إلى مورد مالي مهم لخزينة الولاية.
ولأن أعداد الجنائز القادمة من إيران أخذت تتزايد عامًا بعد عام، بدأت تظهر مشكلات لم تكن معروفة من قبل. فقد كان كثير من الجثامين يُنقل بعد مضي أسابيع على الوفاة، وأحيانًا في ظروف مناخية قاسية، الأمر الذي أثار مخاوف الأطباء والسلطات الصحية من انتقال الأمراض والأوبئة، ولا سيما الكوليرا والطاعون. ومن هنا بدأت الدولة العثمانية تفكر في فرض إجراءات للحجر الصحي، وإقامة محاجر على الطرق الحدودية، وهي الإجراءات التي ستصبح فيما بعد إحدى أبرز نقاط الخلاف مع الحكومة القاجارية، التي رأت في بعضها تضييقًا على رعاياها وعلى حقهم في دفن موتاهم في العتبات المقدسة.
ولم تمض سنوات قليلة حتى خرجت ظاهرة نقل الجنائز من إطارها الديني الخالص لتصبح قضية إدارية واقتصادية ودبلوماسية معقدة. فقد كانت القوافل الخارجة من المدن الإيرانية الكبرى، كطهران وتبريز وأصفهان ويزد وشيراز وكرمانشاه، لا تحمل الزائرين فحسب، وإنما تحمل معها عشرات التوابيت في كل رحلة، وكان بعضها يضم رفات أشخاص توفوا منذ أشهر بعد أن حُفظت جثامينهم بوسائل بدائية ريثما يحين موعد السفر. وكانت هذه القوافل تسلك في الغالب طريق كرمانشاه–خانقين–بغداد–النجف، أو طريق خوزستان–البصرة–النجف، بحسب الظروف الأمنية وحالة الطرق، حتى أصبح منظر الجمال والخيول والبغال المحملة بالتوابيت مشهدًا مألوفًا في الولايات العثمانية الشرقية.
وقد تنبهت الإدارة العثمانية مبكرًا إلى أن هذه الحركة الضخمة تمثل موردًا ماليًا لا يستهان به، ففرضت رسومًا على إدخال الجنائز إلى الأراضي العثمانية، ثم رسومًا أخرى عند دفنها في النجف أو كربلاء. وكانت هذه الرسوم تتفاوت بحسب مكانة المتوفى ونوع الدفن، إذ كان دفن الجثمان داخل الصحن الشريف أو في السراديب الملحقة به يختلف من حيث التكلفة عن الدفن في مقبرة وادي السلام. كما كانت هناك رسوم تؤخذ مقابل إصدار التصاريح، وأخرى لقاء خدمات النقل الداخلي والحراسة. ومع مرور الزمن أصبحت هذه الموارد تمثل أحد أهم إيرادات الأوقاف والسلطات المحلية، وهو ما يفسر حرص الحكومة العثمانية على تنظيمها وعدم تركها بيد الوسطاء أو شيوخ العشائر.
إلا أن فرض الرسوم لم يكن موضع ترحيب من الحكومة القاجارية، التي كانت ترى أن رعاياها يمارسون حقًا دينيًا لا يجوز أن يثقل بالأعباء المالية. وقد احتج السفراء الإيرانيون في إسطنبول أكثر من مرة على زيادة الرسوم، ورفعوا مذكرات إلى الباب العالي يطالبون فيها بتخفيضها أو إعفاء بعض الفئات منها، ولا سيما العلماء وأفراد الأسر المعروفة. وكانت الحكومة العثمانية ترد بأن هذه الرسوم لا تستهدف الإيرانيين وحدهم، وإنما تدخل ضمن الأنظمة المالية والإدارية المطبقة على جميع من يدفنون في العتبات المقدسة، فضلًا عن أن الدولة تتحمل نفقات حماية الطرق، وصيانة المدن، والإشراف الصحي على حركة الجنائز.
ولم تكن الرسوم هي المشكلة الوحيدة، بل ظهرت مشكلة أخرى أكثر خطورة تمثلت في تفشي الأمراض الوبائية. فقد شهد القرن التاسع عشر موجات متكررة من الكوليرا والطاعون، وكانت السلطات الصحية الأوروبية والعثمانية على السواء تخشى أن يؤدي نقل الجثامين لمسافات طويلة إلى انتشار العدوى. ولهذا أنشأت الدولة العثمانية محاجر صحية في بعض المنافذ الحدودية، وألزمت القوافل بالتوقف لفترات محددة قبل السماح لها بمتابعة السير، كما اشترطت في بعض الفترات دفن الجثامين التي يشتبه في تسببها بخطر صحي في أماكن مخصصة، أو منع إدخالها إذا ثبت أنها قادمة من مناطق موبوءة.
وقد أثارت هذه الإجراءات اعتراضًا شديدًا من الجانب الإيراني، لأن كثيرًا من الأسر كانت تعد تأخير الدفن أو منع نقل الجثمان إخلالًا بوصية الميت واعتداءً على شعيرة دينية. وتبادلت الحكومتان مذكرات عديدة حول هذه المسألة، وأصبحت قضية الحجر الصحي جزءًا ثابتًا من المفاوضات العثمانية–القاجارية، شأنها شأن قضايا الحدود والقبائل والتجارة. وتكشف الوثائق المحفوظة في الأرشيف العثماني أن ولاة بغداد كانوا يرفعون باستمرار تقارير إلى إسطنبول يشرحون فيها المشكلات الناتجة عن تدفق الجنائز، ويقترحون وسائل لتنظيمها دون إثارة غضب الحكومة الإيرانية.
ومن جهة أخرى، أدت الأرباح الكبيرة التي حققتها تجارة نقل الجنائز إلى ظهور شبكات من الوسطاء والمتعهدين. فقد تخصص بعض التجار في تجهيز التوابيت، وآخرون في تأجير الدواب، بينما تولت جماعات أخرى مرافقة القوافل وتأمينها. وكانت بعض القبائل الكوردية والعربية الواقعة على الطرق الرئيسة تعقد اتفاقات مع المتعهدين لتوفير الحماية مقابل مبالغ مالية، في حين استغلت قبائل أخرى ضعف السلطة المركزية في بعض الفترات لفرض إتاوات على القوافل، الأمر الذي دفع الحكومة العثمانية إلى إرسال قوات لحماية الطرق، ولا سيما الطريق الممتد بين خانقين وبغداد، ثم بين بغداد والنجف.
وقد لاحظ القناصل البريطانيون في بغداد أن حركة الجنائز القادمة من إيران لم تكن مجرد ظاهرة دينية، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في اقتصاد العراق. وتشير تقاريرهم إلى أن آلاف الأشخاص كانوا يعملون بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الخدمات المرتبطة بهذه القوافل، من أصحاب الخانات، وسائقي الدواب، والحمالين، وصناع التوابيت، وباعة الأكفان، وأصحاب القوارب التي تعبر دجلة والفرات، فضلًا عن أصحاب الدكاكين الذين كانوا يعتمدون في تجارتهم على مواسم الزيارات الدينية. ولذلك لم تكن النجف وكربلاء تستقبلان الموتى فقط، وإنما كانتا تستقبلان أيضًا حركة اقتصادية نشطة انعكست على أسواقهما وعمرانهما.
ومع ازدياد أهمية هذا الملف، أصبح من الطبيعي أن يحتل مكانًا بارزًا في العلاقات الرسمية بين إسطنبول وطهران. فعندما كانت تنشب أزمة حدودية بين الدولتين، كانت حركة الزائرين والجنائز تتأثر مباشرة، فتتكدس القوافل عند الحدود، أو تضطر إلى اتخاذ طرق أطول وأكثر كلفة. وعندما كانت العلاقات تتحسن، كانت الحكومتان تسارعان إلى تسهيل مرور القوافل، لأن أي تعطيل لها كان يثير استياء الرأي العام الشيعي في إيران، ويؤثر في المكانة الدينية للدولة القاجارية.