ما بين أمن الطاقة وأمان المعادن ما الذي ينبغي أن يفعله العراق؟

ما بين أمن الطاقة وأمان المعادن ما الذي ينبغي أن يفعله العراق؟
ما بين أمن الطاقة وأمان المعادن ما الذي ينبغي أن يفعله العراق؟

لم تعدِ التحولاتُ التي يشهدُها قطاعُ الطاقةِ مجردَ تغيراتٍ عابرةٍ في مصادرِ الإنتاجِ أو أنماطِ الاستهلاكِ، فقد أصبحتْ إعادةَ صياغةٍ شاملةً لموازينِ القوةِ الاقتصاديةِ والجيوسياسيةِ في العالمِ. فبعدَ عقودٍ كانَ فيها النفطُ والغازُ المحدِّدَ الرئيسَ للنفوذِ الدوليِّ، يشهدُ العالمُ اليومَ انتقالًا تدريجيًا نحو نموذجٍ أكثرَ تعقيدًا، تتداخلُ فيه الطاقةُ التقليديةُ مع التكنولوجيا المتقدمةِ، والمعادنِ الاستراتيجيةِ، وسلاسلِ الإمدادِ، والقدرةِ الصناعيةِ.

إنَّ مفهومَ (أمنِ الطاقةِ) ما عادَ يقتصرُ على تدفقِ النفطِ والغازِ فحسبْ، وإنّما باتَ يشملُ تنويعَ المصادرِ، وتأمينَ المعادنِ الحيويةِ، وحمايةَ ممراتِ التوريدِ، وتعزيزَ القدراتِ الذاتيةِ لتصنيعِ التقنياتِ المتقدمةِ. ومنْ هنا، لم يعدِ التنافسُ الدوليُّ يدورُ حولَ امتلاكِ المواردِ الطبيعيةِ فحسبْ، بلْ حولَ التحكمِ في حلقاتِ الإنتاجِ والتصنيعِ والتوزيعِ؛ وهي العناصرُ التي أصبحتْ تشكلُ أساسَ القوةِ الاقتصاديةِ في القرنِ الحادي والعشرينَ.

في هذا السياقِ، برزتْ معادنُ مثلُ الليثيومِ، الكوبالتِ، النيكلِ والعناصرِ الأرضيةِ النادرةِ؛ بوصفِها أصولًا استراتيجيةً لا تقلُّ أهميةً عن النفطِ. فهذهِ المعادنُ تُعدُّ العصبَ الرئيسَ في إنتاجِ البطارياتِ، والسياراتِ الكهربائيةِ، وشبكاتِ الطاقةِ، والرقائقِ الإلكترونيةِ، والصناعاتِ الدفاعيةِ؛ ما جعلَها محورًا للتنافسِ المحمومِ بينَ القوى الاقتصاديةِ الكبرى. وأمسى من المتوقَّعِ أنْ تتجهَ الاستثماراتُ العالميةُ إلى تأمينِ مصادرِ هذهِ المعادنِ، بالتوازي مع الحفاظِ على أمنِ إمداداتِ النفطِ والغازِ.

برغمِ الحديثِ المتزايدِ عن التحولِ نحو الطاقةِ النظيفةِ، فإنَّ المؤشراتِ الاقتصاديةَ تؤكدُ أنَّ النفطَ سيظلُّ عنصرًا رئيسيًا في منظومةِ الطاقةِ العالميةِ خلالَ العقودِ المقبلةِ، إلا أنَّ قيمتَهُ المستقبليةَ لن تعتمدَ على حجمِ الاحتياطياتِ القابعةِ تحتَ الأرضِ، بلْ على قدرةِ الدولِ المنتجةِ على استثمارِ عائداتِهِ في بناءِ اقتصاداتٍ أكثرَ تنوعًا ومرونةً. وهنا يكمنُ الفارقُ الجوهريُّ بينَ الدولِ التي تنظرُ إلى النفطِ باعتبارِهِ مجردَ مصدرٍ للإيراداتِ الآنيةِ، وتلكَ التي تعاملُهُ كوسيلةٍ حيويةٍ لتمويلِ التحولِ الاقتصاديِّ الشاملِ.

بالنسبةِ للعراقِ، فإنَّ هذهِ التحولاتِ تمثلُ اختبارًا حقيقيًا وبنيويًا للنموذجِ الاقتصاديِّ القائمِ؛ فالاقتصادُ العراقيُّ ما زالَ يرزحُ تحتَ وطأةِ الاعتمادِ شبهِ الكليِّ على الإيراداتِ النفطيةِ؛ ما يجعلُهُ الأكثرَ عرضةً لتقلباتِ الأسعارِ والتغيراتِ في الطلبِ العالميِّ. وفي المقابلِ، يمتلكُ العراقُ فرصةً استراتيجيةً سانحةً تتمثلُ في توظيفِ مواردهِ النفطيةِ لبناءِ قاعدةٍ إنتاجيةٍ جديدةٍ تقومُ على الصناعاتِ التحويليةِ والبتروكيماوياتِ واستثمارِ الغازِ المصاحبِ، فضلًا عن الولوجِ إلى قطاعاتِ الطاقةِ المتجددةِ والاقتصادِ الرقميِّ، بما يحدُّ من ظاهرةِ الاعتمادِ على مصدرِ الدخلِ الواحدِ.

إنَّ التحولَ المطلوبَ لا يعني أبدًا التخليَ عن النفطِ، بلْ تعظيمَ قيمتِهِ الاقتصاديةِ؛ فبدلًا من الاكتفاءِ بتصديرِهِ كمادةٍ خامٍ، ينبغي توجيهُ الاستثماراتِ نحو الصناعاتِ التي ترفعُ القيمةَ المضافةَ، وتخلقُ فرصَ عملٍ مستدامةً، وتزيدُ من تنافسيةِ الاقتصادِ الوطنيِّ. كما أنَّ تطويرَ البنيةِ التحتيةِ، وتحسينَ البيئةِ الاستثماريةِ، وتعزيزَ التعليمِ التقنيِّ والبحثِ العلميِّ، تمثلُ جميعُها ركائزَ أساسيةً لاقتصادٍ قادرٍ على مواكبةِ التحولاتِ العالميةِ.

تؤكدُ التجاربِ الدوليةَ أنَّ الدولَ التي نجحتْ في تحويلِ ثرواتِها الطبيعيةِ إلى تنميةٍ مستدامةٍ هي التي استثمرتْ في الإنسانِ والمؤسساتِ والابتكارِ، وليسَ في المواردِ الخامِ وحدَها. ولذلكَ، فإنَّ التحديَ الحقيقيَّ أمامَ العراقِ لا يتمثلُ في حجمِ احتياطيِّهِ النفطيِّ، بلْ في كيفيةِ إدارةِ هذهِ الثروةِ ضمنَ رؤيةٍ اقتصاديةٍ بعيدةِ المدى. وفي ظلِّ التنافسِ الدوليِّ المتزايدِ على الطاقةِ والمعادنِ والتكنولوجيا، فإنَّ السؤالَ الجوهريَّ الذي ينبغي أنْ يشغلَ صانعَ القرارِ العراقيَّ لم يعدْ: "كيفَ نزيدُ إنتاجَ النفطِ؟"، بلْ أصبحَ: "كيفَ نجعلُ من النفطِ نقطةَ انطلاقٍ لبناءِ اقتصادٍ أكثرَ استدامةً وقدرةً على المنافسةِ؟".

في عالمٍ تتغيرُ فيه موازينُ القوى بسرعةٍ، لن يكونَ الأغنى بالمواردِ هو الأقوى بالضرورةِ، وإنما الأقوى هو مَنْ يُحسنُ استثمارَ مواردهِ لبناءِ مستقبلٍ اقتصاديٍّ آمنٍ ومستدامٍ.