من النجف وكربلاء إلى قم ومشهد: تحولات جغرافية الدفن لدى العلماء الإيرانيين

من النجف وكربلاء إلى قم ومشهد: تحولات جغرافية الدفن لدى العلماء الإيرانيين
من النجف وكربلاء إلى قم ومشهد: تحولات جغرافية الدفن لدى العلماء الإيرانيين

 ارتبطت ثقافة الدفن لدى الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، ولا سيما في إيران، بالإيمان بفضل الدفن في جوار مراقد الأئمة، انطلاقًا من المكانة الدينية التي تحتلها هذه المشاهد المقدسة في المعتقد الإمامي. وقد احتلت النجف الأشرف المرتبة الأولى في هذا السياق لاحتضانها مرقد الإمام علي بن أبي طالب، الذي يُعد أول الأئمة عند الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، فغدا الدفن في جواره أمنية لكثير من العلماء والملوك والأمراء وعامة المؤمنين، استنادًا إلى ما ورد في كتب الحديث والزيارات من فضائل المجاورة لمرقده، وما نُقل من روايات عن فضل مقبرة وادي السلام، التي عُدت في التراث الإمامي من أشرف بقاع الدفن وأعظمها بركة؛ ولهذا أصبحت النجف، منذ القرون الإسلامية الأولى، مقصدًا لنقل الجنائز من مختلف أنحاء العالم الشيعي، ولا سيما من إيران، حتى قبل أن تتبوأ مكانتها بوصفها العاصمة العلمية للمذهب الإمام الاثنا عشري.

وجاءت كربلاء في المرتبة الثانية من حيث المكانة الدينية، لاحتضانها مرقد الإمام الحسين بن علي وأخيه أبي الفضل العباس، فأقبل على الدفن فيها عدد من العلماء والوجهاء والأمراء الذين رأوا في المجاورة للإمام الحسين منزلةً روحية عظيمة، ولا سيما بعد ازدهار الحوزة العلمية الكربلائية خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين/ الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين. كما حظيت الكاظمية بمكانة خاصة لوجود مرقدي الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد، وأصبحت موضع دفن عدد من العلماء والأعيان، في حين اكتسبت سامراء أهميتها الدينية بعد دفن الإمامين علي الهادي والحسن العسكري فيها وغيبة المهدي فيها ايضا. ثم بعد استقرار المرجع محمد حسن الشيرازي (1814 -1895م) في سامراء سنة 1874م، فأسس فيها حوزة علمية كبرى، وأصبحت سامراء في عهده مركزًا مهمًا للمرجعية الشيعية، واشتهر بإصداره فتوى تحريم التبغ سنة 1891م، التي عدّت من أبرز المواقف السياسية للمرجعية الشيعية في العصر الحديث، وأسهمت في إلغاء امتياز التبغ الذي منحته الحكومة القاجارية لشركة بريطانية. مما جعلها تستقطب عددًا من العلماء وطلبة الحوزة.

وقد اكتسبت النجف منذ القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي موقعًا فريدًا بوصفها المركز العلمي الأول للمذهب الإمامي الاثنا عشري. ويُعد انتقال شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385–460هـ/995–1067م) إلى النجف سنة 448هـ/1056م نقطة التحول الكبرى في تاريخ المدينة، بعد اضطراره إلى مغادرة بغداد إثر الاضطرابات التي شهدتها العاصمة العباسية. فقد أسس الشيخ الطوسي في النجف مدرسة علمية أصبحت نواة الحوزة العلمية التي استقطبت العلماء والطلبة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، ولا سيما من إيران، وتحولت مع مرور الزمن إلى المرجعية العلمية العليا للمذهب الإمامي؛ ومنذ ذلك الحين لم تعد النجف مجرد مدينة للزيارة، بل غدت مركزًا لإنتاج المعرفة الدينية، وتخريج الفقهاء، وصناعة المرجعية، وهو ما منحها مكانة استثنائية في الوعي الشيعي.

ومنذ ذلك الحين اجتمع في النجف عاملان قلما اجتمعا في مدينة أخرى؛ أولهما وجود مرقد الإمام علي وما يمثله من قداسة دينية، وثانيهما استقرار المرجعية العليا والحوزة العلمية فيها. وقد جعل هذا الجمع بين القداسة الدينية والزعامة العلمية النجف الوجهة الأولى للعلماء الإيرانيين في حياتهم، كما جعلها المكان المفضل لدفنهم بعد وفاتهم، إذ رأى كثير منهم أن خاتمة الحياة العلمية ينبغي أن تكون في المدينة التي عاشوا فيها ودرّسوا وأفتوا بين ربوعها، وفي جوار الإمام الذي شدوا إليه الرحال طلبًا للعلم والبركة.

ولم يكن العامل الديني وحده كافيًا لتفسير هذه الظاهرة، بل إن المكانة العلمية للنجف لعبت دورًا لا يقل أهمية. فمنذ القرن الخامس الهجري استقرت المرجعية الدينية العليا في النجف فترات طويلة، وأصبح كبار الفقهاء الإيرانيين يقيمون فيها عقودًا من الزمن، ويقودون الحركة العلمية من داخل حوزتها. وقد أدى هذا الاستقرار إلى أن يكون الدفن في النجف امتدادًا طبيعيًا لمسيرتهم العلمية، إذ كان كثير منهم يقضي معظم حياته بين التدريس والتأليف والإفتاء داخل المدينة، فلا يرى مبررًا للعودة إلى موطنه الأصلي بعد الوفاة. ومن أبرز هؤلاء: الشيخ الطوسي (995–1067م)، ومحمد كاظم الخراساني (1839–1911م)، ومحمد حسين النائيني (1860–1936م)، وأبو الحسن الأصفهاني (1860–1946م)، وأبو القاسم الخوئي (1899–1992م)، وجميعهم ولدوا في إيران، لكنهم اختاروا النجف موطنًا علميًا ومدفنًا دائمًا.

كما أسهمت الدولتان الصفوية (1501–1736م) والقاجارية (1796–1925م) في تعزيز هذه المكانة، إذ أولت الحكومات الإيرانية اهتمامًا بالغًا بالعتبات المقدسة في العراق، رغم وقوعها ضمن السيادة العثمانية. فقد خصص الصفويون ثم القاجاريون أوقافًا واسعة لإعمار مراقد الأئمة، وأرسلوا الأموال والهدايا، وشجعوا انتقال العلماء والطلبة إلى النجف وكربلاء، كما اعتاد كثير من ملوك القاجار وأمرائهم نقل جثامينهم أو جثامين أفراد أسرهم إلى العتبات المقدسة. وأدى هذا الدعم الرسمي إلى ترسيخ الصلة بين المؤسسة الدينية الإيرانية والنجف، حتى أصبحت المدينة تمثل العاصمة الدينية غير الرسمية للشيعة الإمامية، في حين بقيت المدن الإيرانية، بما فيها قم ومشهد، تؤدي أدوارًا دينية مهمة لكنها لم تنافس النجف في موقعها المرجعي حتى مطلع القرن العشرين.

كما أن النجف احتضنت بالفعل عددًا من أمراء الأسرة القاجارية، والأميرات، وبعض زوجات الملوك، فضلًا عن وزراء الدولة وكبار رجالها، إلى جانب عشرات العلماء الإيرانيين الذين اختاروا الإقامة في النجف حتى وفاتهم، أو أوصوا بنقل جثامينهم إليها. وقد جعل ذلك من وادي السلام أشبه بسجل حي للعلاقات الروحية بين إيران والنجف على مدى قرنين متتاليين.

أما العلماء الإيرانيون، فقد كان حضورهم في النجف وكربلاء أوسع بكثير من حضور الملوك والقادة. ويأتي في مقدمتهم الشيخ الطوسي (995–1067م)، المولود في مدينة طوس بخراسان، والذي استقر في النجف بعد انتقاله إليها سنة 448هـ/1056م، وأسس الحوزة العلمية فيها، ودُفن بجوار داره التي تحولت لاحقًا إلى مسجد يعرف بمسجد الطوسي.

كما أن الشيخ مرتضى الأنصاري (1214–1281هـ / 1800–1864م) الذي يُعد أشهر فقهاء الشيعة الإمامية في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، اختار النجف مثوى أخيرًا له. وفي عهده بلغت المرجعية الدينية الإمامية أوج نفوذها، إذ تبوأ منصب المرجع الأعلى للطائفة بعد وفاة محمد حسن النجفي سنة 1266هـ/1850م، وأصبحت النجف المركز الأول للمرجعية والحوزة العلمية في العالم الشيعي. وقد شهدت المدينة ازدهارًا علميًا غير مسبوق، بعدما استقطبت حوزتها آلاف الطلبة والعلماء من إيران والعراق والهند والقوقاز، مما رسخ مكانتها بوصفها العاصمة العلمية للعالم الشيعي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ومن كبار مراجع النجف السيد محمد كاظم الخراساني (1839–1911م)، المولود في مدينة مشهد، والذي تزعم المرجعية الشيعية في مطلع القرن العشرين، وكان من أبرز المؤيدين للحركة الدستورية في إيران، ودُفن في الصحن العلوي بالنجف.

كما دفن في النجف السيد محمد حسين النائيني (1860–1936م)، المولود في مدينة نائين، وهو أحد أبرز منظري الفكر الدستوري في الفقه الشيعي، ومن أشهر مؤلفاته "تنبيه الأمة وتنزيه الملة". وقد أوصى بالدفن في النجف حيث أمضى معظم حياته العلمية.

ومنهم أيضًا السيد أبو الحسن الأصفهاني (1860–1946م)، المولود في لنجان التابعة لأصفهان، والذي تولى المرجعية العامة للشيعة بعد وفاة الميرزا النائيني، ودُفن داخل الصحن العلوي بالقرب من مرقد الإمام علي.
كما دفن في النجف الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1877–1954م)، المنتمي إلى أسرة علمية ذات أصول إيرانية استقرت في العراق منذ قرون، والذي يعد من كبار فقهاء النجف في القرن العشرين، إضافة إلى عدد كبير من العلماء الإيرانيين الذين استقروا في الحوزة العلمية، ومنهم الشيخ آغا ضياء الدين العراقي (1861–1941م)، والشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني المعروف بـ"الكمباني" (1879–1942م)، والسيد جمال الدين الكلبايكاني (1880–1954م)، والسيد محسن الحكيم (1889–1970م) الذي تنحدر أسرته من أصول إيرانية، وغيرهم من المراجع الذين فضلوا البقاء في النجف حتى وفاتهم.

واستمر هذا التقليد في القرن العشرين، فدفن في النجف المرجع الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي (1899–1992م)، المولود في مدينة خوي الإيرانية، بعد أن قاد الحوزة العلمية فيها أكثر من ثلاثة عقود، كما دفن فيها المرجع السيد محمود الهاشمي الشاهرودي (1948–2018م)، المنتمي إلى أسرة إيرانية من مدينة شاهرود، تنفيذًا لوصيته، رغم توليه مناصب عليا في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومن العلماء الإيرانيين الذين دفنوا في كربلاء السيد تقي الطباطبائي القمي (1923–2016م)، المولود في مشهد، والذي أوصى بالدفن قرب مرقد الإمام الحسين.

ومن أبرز علماء كربلاء محمد باقر الوحيد البهبهاني (1706–1791م)، الذي ولد في أصفهان أو بهبهان، واستقر في كربلاء، وأسهم في إحياء المدرسة الأصولية، ودُفن قرب مرقد الإمام الحسين، ليصبح قبره من أشهر قبور علماء المدينة.
وفي كربلاء دفن كذلك عدد من كبار العلماء الإيرانيين، منهم المولى أحمد النراقي (1771–1829م)، الذي أوصى بالدفن قرب مرقد الإمام الحسين، إضافة إلى عدد من فقهاء أسرتي الشيرازي والطباطبائي الذين ارتبطت حياتهم العلمية بالحوزتين في كربلاء والنجف.

غير أن هذا الواقع بدأ يشهد تحولًا تدريجيًا مع تأسيس الحوزة العلمية الحديثة في قم سنة 1922م على يد الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي (1859–1937م). فقد استطاع الحائري أن يعيد إلى قم مكانتها العلمية بعد قرون من تراجعها، فاستقطب إليها عددًا متزايدًا من الطلبة والعلماء، ووضع أسس مؤسسة علمية مستقرة داخل إيران نفسها بوصفها مركزًا علميًا عالميًا. وبعد وفاته واصل تلامذته تطوير الحوزة، منهم المرجع السيد حسين البروجردي (1875–1961م)، والعلامة محمد حسين الطباطبائي (1903–1981م)، والمرجع السيد محمد رضا الكلبايكاني (1899–1993م)، والمرجع السيد محمد علي الأراكي (1894–1994م)، والمرجع حسين علي منتظري (1922–2009م)، والمرجع محمد تقي بهجت (1916–2009م)، والمرجع لطف الله الصافي الكلبايكاني (1919–2022م)، وغيرهم من كبار علماء العصر؛حتى أصبحت في منتصف القرن العشرين تضم نخبة من كبار المراجع، ومنذ ذلك الوقت بدأ بعض العلماء الإيرانيين يفضلون البقاء في قم والدفن فيها، بدل نقل جثامينهم إلى النجف كما كان متبعًا في السابق.

وتسارع هذا التحول بصورة أكبر بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية سنة 1979م، إذ أصبحت قم، إلى جانب كونها مركزًا علميًا، مركزًا سياسيًا ودينيًا للدولة الجديدة. وقد أدى استقرار المؤسسات الدينية الكبرى فيها، ووجود عشرات المدارس والحوزات، وازدياد أعداد الطلبة، إلى انتقال جزء مهم من ثقل المرجعية إليها. كما أن بقاء كبار المراجع داخل إيران، وتطور وسائل النقل والخدمات الجنائزية، وتراجع القيود التي كانت تفرضها المسافات الطويلة، جعل الدفن في قم أكثر شيوعًا لدى العلماء الإيرانيين؛ ولم يعد نقل الجثمان إلى العراق ضرورة دينية كما كان يُنظر إليه في السابق، خاصة مع توافر مرقد السيدة فاطمة المعصومة، الذي اكتسب مكانة روحية كبيرة في الوعي الإمامي، وأصبح موضع دفن عدد كبير من المراجع، مثل عبد الكريم الحائري اليزدي، وحسين البروجردي، ومحمد حسين الطباطبائي، ومحمد تقي بهجت، وحسين علي منتظري، ولطف الله الصافي الكلبايكاني.

أما مدينة مشهد، فقد احتفظت بمكانتها الخاصة طوال هذه التحولات، بوصفها مدينة الإمام علي بن موسى الرضا، الإمام الثامن عند الشيعة الإمامية. وتميزت مشهد عن النجف وقم بأن مكانتها استندت أساسًا إلى وجود المرقد الرضوي، لا إلى كونها مقرًا دائمًا للمرجعية العليا. ولذلك بقيت المدينة مقصدًا رئيسًا لعلماء إقليم خراسان وسكان شمال شرق إيران، الذين رأوا في الدفن بجوار الإمام الرضا فضيلة دينية كبيرة، كما فضلها عدد من رجال الدولة والعلماء الذين ارتبطت حياتهم العلمية أو الاجتماعية بالمنطقة. ومن أبرز المدفونين فيها نادر شاه الأفشاري (1688–1747م)، وعدد من علماء خراسان، في حين ظل كثير من مراجع التقليد الذين مارسوا نشاطهم العلمي في قم أو النجف يفضلون الدفن في المدينة التي عاشوا فيها وأداروا منها شؤون المرجعية. أما مدينة مشهد، فقد ظلت تمثل الخيار الثاني لكثير من العلماء الإيرانيين، ولا سيما أبناء خراسان، بسبب وجود مرقد الإمام علي بن موسى الرضا. ومن أشهر المدفونين فيها نادر شاه الأفشاري (1688–1747م)، الذي دفن في مشهد.

أما بخصوص أبرز علماء الشيعة الذين دُفنوا في مدينة مشهد. منهم: بهاء الدين محمد العاملي (1547–1621م)، وهو من أعلام العصر الصفوي، وفقيه ومحدث وفيلسوف ومهندس، وقد أوصى بأن يُنقل جثمانه من أصفهان إلى مشهد ليدفن في جوار مرقد الإمام الرضا، ولا يزال قبره في الرواق المعروف باسمه داخل الحرم الرضوي. ومحمد بن الحسن الحر العاملي (1624–1693م)، صاحب كتاب وسائل الشيعة، وأحد كبار محدثي الإمامية، استقر في مشهد وتولى منصب شيخ الإسلام فيها حتى وفاته، ودُفن في الصحن الرضوي بالقرب من مرقد الإمام الرضا. والمرجع العراقي مهدي الخالصي (1860–1925م)، الذي توفي في منفاه بإيران ودفن في جوار مرقد الإمام الرضا. 
وممن دفن في مشهد العلامة مهدي الإصفهاني (1886–1946م)، من كبار مراجع مشهد ومؤسس المدرسة المعرفية فيها، ودُفن في أحد أروقة الحرم الرضوي. ومجتبى القزويني (1900–1966م)، من أبرز علماء الحوزة العلمية في مشهد وأحد تلامذة الميرزا مهدي الإصفهاني، ودُفن في الحرم الرضوي. وهاشم القزويني (1895–1960م)، من كبار فقهاء وخطباء مشهد وأساتذة الحوزة العلمية فيها، ودُفن في جوار مرقد الإمام الرضا. وعباس واعظ طبسي (1935–2016م)، رجل دين إيراني تولى سدانة العتبة الرضوية منذ عام 1979م حتى وفاته، ودُفن داخل الحرم الرضوي بالقرب من مرقد الإمام الرضا.

ويجدر التنبيه إلى أن الشيخ عباس القمي (1877–1941م) أقام سنوات في مشهد ودرّس في حوزتها العلمية، لكنه لم يُدفن في مشهد، وإنما دُفن في مرقد الإمام علي في النجف الأشرف. كما دفن فيها عدد من علماء أسرة المدرسي وآخرون ممن ارتبط نشاطهم العلمي بمدرسة خراسان.

يكشف هذا التطور التاريخي أن اختيار مكان الدفن لدى العلماء الإيرانيين لم يكن قرارًا فرديًا معزولًا، وإنما ارتبط بتحول مراكز الثقل العلمي والديني في العالم الشيعي. فقد ظلت النجف، على مدى قرون طويلة، مقر المرجعية العليا وعاصمة الحوزة العلمية الإمامية، مستفيدة من احتضانها مرقد الإمام علي بن أبي طالب ومقبرة وادي السلام، التي حظيت بمكانة خاصة في الروايات الإمامية، الأمر الذي جعلها تستقطب كبار العلماء من إيران والهند والقوقاز وبلاد الخليج أحياءً للدراسة والإقامة، وأمواتًا للدفن. وإلى جانبها، احتلت كربلاء مكانة علمية ودينية بارزة، ولا سيما خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إذ غدت المركز الثاني للحوزة العلمية بفضل مرقد الإمام الحسين، مما دفع عددًا كبيرًا من العلماء الإيرانيين إلى اختيارها للإقامة والدفن.

أما مشهد، فرغم مكانتها الدينية الرفيعة لاحتضانها مرقد الإمام الرضا، فقد ظل دورها العلمي أقل تأثيرًا من النجف وكربلاء خلال تلك المرحلة، واقتصر حضورها غالبًا على كونها مقصدًا للزيارة والدفن، ولا سيما لعلماء خراسان وبعض رجال الدولة الإيرانيين. وفي المقابل، لم تستعد قم مكانتها العلمية إلا مع تأسيس الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي حوزتها الحديثة سنة 1922م، ثم تعزز موقعها بصورة متسارعة بعد قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية سنة 1979م، بالتزامن مع ازدياد أهمية مشهد الدينية والعلمية، حتى أصبحت المدينتان، إلى جانب النجف، من أبرز الحواضر الشيعية في العصر الحديث، مع احتفاظ كل منهما بخصوصيتها ووظيفتها داخل المؤسسة الدينية الإمامية. ومن ثم، فإن خريطة دفن العلماء الإيرانيين تعكس، في جوهرها، تاريخ تطور المؤسسة الدينية الشيعية وتحول مراكزها العلمية والمرجعية، بقدر ما تعكس المكانة الروحية التي اكتسبتها المدن المقدسة عبر العصور.