الموصل في خطاب مسرور بارزاني بين الاجتزاء والافتراء

الموصل في خطاب مسرور بارزاني بين الاجتزاء والافتراء
الموصل في خطاب مسرور بارزاني بين الاجتزاء والافتراء

نحن في زمن أصبحت فيه الكلمة المقتطعة من سياقها أكثر انتشارًا من الخطاب الكامل لم يعد من الصعب صناعة أزمة، وافتعالها من لا شيء. يكفي أن تُنتزع كلمة من سياقها الخطابي، وأن تُقدَّم للجمهور مجردة من ظروفها، ومعناها حتى تتحوّل إلى مادة للجدل، والإثارة، وأداة للاستقطاب، ووقود لحملات إعلامية حمقاء لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن الإثارة، والجدل، وزيادة نسبة المشاهدات على منصّات التواصل الاجتماعي من قبل بعض الأقلام المأجورة، والنفوس المريضة التي تعيش في مستنقع الأزمات، وهذا ما حدث مع تصريح رئيس حكومة إقليم كوردستان (مسرور بارزاني) في يوم الإثنين الموافق (27 تموز2026) بشأن استهداف إقليم كوردستان بالطائرات المُسيّرة من الموصل.

فبدلًا من قراءة التصريح كاملًا اختارت بعض الصفحات الصفراء أن تتوقف عند كلمة (الموصل)، ثُمَّ شرعت في تأليف قصص خيالية، وبناء روايات كاملة عليها، وتحليلها، وتفكيكها، وكأنَّ رئيس إقليم حكومة كوردستان (مسرور بارزاني) وجّه اتهامًا مباشرًا إلى مدينة الموصل بأكملها، أو حمّل أهلها مسؤولية ما يجري من استهداف لإقليم كوردستان بالطائرات المُسيّرة، وهكذا تحوّلت كلمة جغرافية إلى توظيف سياسي، ومادة إعلامية لبعض المرتزقة، وتحوّل توصيف لمسار الهجمات إلى مادة للتحريض، وإثارة المشاعر، ودغدغتها، وهذه ليست زلة مهنية، بل هي أحد أكثر أساليب التضليل الإعلامي شيوعًا، فاجتزاء الكلام من سياقه يمنحه معنى جديدًا لم يقصده المتحدّث، ثم يبدأ تسويق هذا المعنى بوصفه الحقيقة الثابتة، وهي عملية إعادة كتابة للخطاب لا مجرد نقله، وهنا تكمن خطورة التلاعب بالكلمات، وتسويقها.

إنَّ بعض الصفحات لا تنقل الخبر على حقيقته، بل تعيد تشكيله، وإنتاجه بما يخدم أهداف بعض الأطراف السياسية المعادية لثقافة التعايش السلمي، فهي تبدأ من النتيجة التي تريد الوصول إليها، ثم تبحث عن كلمة، أو عبارة يمكن توظيفها لإقناع المتلقي، وهكذا يصبح النص الأصلي مجرد مادة خام لإنتاج رواية جديدة، تختلف في مضمونها عن حقيقة ما ورد فيه. إنَّ أخطر ما في هذا السلوك أنه يصنع رأيًا عامًا على أساس خداع المتلقي. والمتلقي الذي لا يعود إلى النص الكامل سيبني موقفه على عنوان، أو صورة، أو منشور مقتطع، معتقدًا أنَّه اطلع على الحقيقة الكاملة، بينما هو في الواقع لم يرَ إلا جزءًا منها، وهكذا تصبح الكلمة المجتزأة أقوى من الحقيقة الكاملة، ويصبح الانطباع أقوى من الواقع؛ ولهذا أصبحت بعض منصات التواصل الاجتماعي تمارس نوعًا من (الهندسة الإعلامية)، فهي لا تكتفي بنقل الخبر، بل تعيد تصميمه ليؤدي وظيفة سياسية محددة.

إنَّ الخلافات السياسية مهما بلغت حدّتها، لا تبرِّر العبث بالكلمات، ولا ليّ أعناق التصريحات، والنصوص. فالمهنية تفرض نقل الخطاب كما هو، ثُمَّ مناقشته، ونقده بموضوعية، لا اختراع خطاب جديد، والفرق بين النقد المشروع، والتضليل المتعمَّد هو أن الأول يناقش ما قيل، أما الثاني فيناقش ما لم يُقل أصلًا.

تبدأ المشكلة عندما تتقدم الرغبة في إثارة الجدل على الرغبة في فهم المعنى من السياق الخطابي، فبعض الصفحات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن أكثر الزوايا إثارة للجدل، والفتن؛ لأنَّ إثارة الشارع أصبحت سلعة رائجة في فضاء التواصل الاجتماعي، وكلما كان العنوان أكثر استفزازًا زادت المشاهدات، وارتفع التفاعل، ولو كان الثمن تشويه الواقع!

اليوم نحن بحاجة إلى إعلام يحترم عقول الجماهير، والمتلقين لاسيما من الطبقة النخبوية، وليس إلى صفحات تقيس نجاحها بعدد المشاركات، والتعليقات الغاضبة، والمسيئة، وبحاجة إلى ثقافة تدقيق، ومراجعة الخطابات قبل توجيه أصابع الاتهام إلى الآخرين، وتقرأ قبل أن تحكم، وتفهم قبل أن تنفعل، وتبني الأحكام المسبقة بناء على معلومات مضللة، أو سوء فهم، أو التلاعب في الكلمات، والأخطر من ذلك أنَّ هذا النمط من الخطاب لا يكتفي بتضليل المتلقي، بل يزرع الشك بين أبناء الوطن الواحد. فالمدن ليست خصومًا، والجغرافية ليست طرفًا في النزاعات، والصراعات، إنَّ المسؤولية الإعلامية لا تعني الدفاع عن مسؤول، أو تبرير تصريح، وإنَّما تعني نقل الوقائع بأمانة. أما تحويل كلمة جغرافية إلى تهمة سياسية، فليس ممارسة صحفية، بل خروج عن أبجديات قواعد المهنية. الحقيقة لا تحتاج إلى صراخ كي تثبت وجودها، لكنَّها تحتاج إلى من ينقلها بأمانة. أما اجتزاء التصريحات، وتحويلها إلى منصات للتحريض، فلن يصنع وعيًا، بل سيعمِّق الانقسام المجتمعي، ويزيد الكراهية، والأحقاد، ويضعف الثقة بالإعلام، والكُتَّاب، والمدوّنين؛ ولذلك فإنَّ الدفاع عن دقة الكلمة ليس دفاعًا عن شخصية، أو حكومة، بل دفاع عن حق الجمهور بمعرفة الحقيقة كما هي، لا كما يريدها صُنّاع العناوين المُضلّلة الذين يرسخون لثقافة سوء الفهم المُتعمَّد في المجتمع.

من المعلوم أنَّ في السياقات الأمنية، والعسكرية تُستخدم أسماء الدول، والمدن، والبلدات، والمحافظات، والاتجاهات الجغرافية لتحديد مسار التحرّكات العسكرية، أو مواقع انطلاق الطائرات المسيّرة، أو الصواريخ من دون أن يعني ذلك توجيه اتهام إلى سُكّان تلك الدول، والمدن، والبلدات، والمحافظات، والمناطق نفسها، فعندما يُقال إنَّ هجومًا جاء من الجهة الفلانية، فهذا وصف للمكان، وليس حكم على المواطنين، أو القاطنين فيه. لكن بعض منابر التواصل الاجتماعي تعمل على طمس الحقيقة، ودفنها؛ لأنَّها تدرك أنَّ إثارة الغضب يجذب التفاعل أكثر من الدّقّة، وأنَّ العنوان المستفِّز ينتشرُ أسرع من الحقيقة.

إنَّ المشكلة في الخطاب السياسي لا تكمن دائمًا في الكلمات، بل في المقاصد التي تُحمَّل بها تلك الكلمات بعد نشرها، فهناك فرق جوهري كبير بين القول إنَّ هجومًا انطلق من (الموصل)، وبين الادّعاء بأنَّ (الموصل مسؤولة عن الهجمات على إقليم كوردستان) فالأول توصيف مكاني يستخدم في السياقات العسكرية، والأمنية يوميًا، أمَّا الثاني فهو استنتاج سياسي لا يستند إلى النص نفسه، بل إلى قراءة انتقائية تخدم أهدافًا، وأجندات سياسية معروفة.

وبما أنَّ تلك المنشورات التحريضية كتبت باللغة العربية من قبل كُتَّابها على منصات التواصل الاجتماعي، فأنني سأدلي بدلوي تحليليًا لتلك الجملة التي وردت في سياق جواب رئيس حكومة إقليم كوردستان (مسرور بارزاني) عن سؤال من قبل أحد الإعلاميين حول استهداف إقليم كوردستان بالطائرات المسيّرة، كانت كلمة (مسرور بارزاني) باللغة الكوردية، ولم تكن باللغة العربية، ومن المعروف عن الكورد أنَّهم عندما يتحدثون باللغة الكوردية يقولون عن (الموصل) (ميسل، أو موسل)، ولا يقولون (نينوى) من حيث العموم، واسم (ميسل، أو موسل) أكثر شهرة من (نينوى) في اللغة الكوردية، وعندما ذكر (مسرور بارزاني) بأنَّ بعض الطائرات المسيّرة انطلقت من (الموصل)، فأنَّ المقصود من ذلك (من أطراف الموصل، أو من جهة، ومحيط الموصل)، وليس ذلك اتهامًا لأهل الموصل المدنيين؛ لأنَّ إقليم كوردستان تعرّض إلى هجمات متكرّرة بالطَّائرات المُسيِّرة من قبل الفصائل المسلحة المتمركزة في (سهل نينوى) هذا من جهة، ومن جهة أخرى فأنَّنا لو تأمّلنا جملة (من الموصل) فهذا الأسلوب معروف في اللغة العربية ولاسيّما النحو العربي، والبلاغة العربية، ففي النحو العربي يُسمّى بـــ (حذف المضاف)، وهو حذف تقديري تقديره (أطراف، أو جهة، ومحيط الموصل)، أمَّا من الناحية البلاغية، فيمكن تصنيف تلك الجملة ضمن أسلوب (مجاز الحذف)، فحذف المضاف، وأعطى المضاف إليه إعرابه، أو أسلوب (إيجاز حذف) أي حذف المضاف (أطراف، أو جهة، أو محيط)، وأقيم المضاف إليه مقامه، وهو (الموصل)، أو مجاز مرسل علاقته (الكلية) وهو إطلاق لفظ (الكل)، وإرادة (الجزء)، ويمكن عدّه مجازًا مرسلًا علاقته (المحلية)، وهو إطلاق المحل، ويراد الحال فيه، وعلماء الأصول يسمّون المضاف المحذوف من دلالة الاقتضاء، وهو مقصود محذوف لابد من تقديره بتقديرات مناسبة حسب السياق الكلام.

فالمقصود من كلام (مسرور بارزاني) أنَّ الطائرات المسيّرة التي استهدفت إقليم كوردستان انطلقت من (أطراف، أو جهة، أو محيط الموصل)، ولم يوجّه اتهامًا لأهل الموصل الأصلاء بذلك، أو أنَّ تلك الطائرات المسيّرة انطلقت من مركز مدينة الموصل، بل الاتهام موجّه إلى الفصائل المسلحة المتمركزة في تلك المناطق المحيطة بالموصل.     

بناءً على ما تقدّم، فالأوطان لا تُبنى بالتحريض، ولا تُصان بالاجتزاء، بل بالحقيقة الكاملة في عالم السياسة قد تكون الكلمة سلاحًا، لكن الأخطر من الكلمة نفسها هو من ينتزعها من سياقها ليمنحها معنى لم تقله، ورسالة لم تحملها، وغاية لم تقصدها، فالكلمات لا تخون أصحابها بقدر ما يخونها من يتعامل معها بمنطق المقصّ، فيحذف منها ما يشاء، ويُبقي ما يخدم روايته، ثم يقدّمها للرأي العام على أنَّها الحقيقة الكاملة من دون رتوش.

لقد أثبتت التجارب أنَّ الانقسامات المجتمعية لا تبدأ بإطلاق الرصاص دائمًا، بل قد تبدأ بكلمة أُخرجت من سياقها الخطابي، أو بعنوان صيغ بطريقة مُضلِّلة، أو منشور كُتب بقصد إثارة غضب الشارع، وإثارة الرأي؛ ولهذا فإنَّ حماية السلم المجتمعي لا تتحقق فقط بالإجراءات الأمنية، وإنما بالمسؤولية الإعلامية، واحترام المعنى الحقيقي للكلمات أيضًا.