ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل العقدي والفكري
لم يكن تشكل الهوية الدينية للكورد نتيجة قرار سياسي أو مشروع سلطوي فرضته دولة بعينها، وإنما كان ثمرة مسار علمي طويل تشكل داخل المدارس والمساجد وحلقات الدرس، وأسهمت في بنائه أجيال متعاقبة من العلماء. فمنذ القرون الإسلامية الأولى، انخرط الكورد في الحركة العلمية للمشرق الإسلامي، وأصبحوا جزءًا من الشبكات العلمية التي ربطت بغداد ونيسابور والموصل ودمشق والحجاز والأناضول، فتأثروا بالاتجاهات العلمية السائدة، ثم أعادوا إنتاجها في بيئاتهم المحلية، حتى غدت تلك الاتجاهات جزءًا من شخصيتهم الدينية والثقافية.
وإذا كان انتشار المذهب الشافعي بين الكورد يمكن تفسيره في بدايته بامتداد هذا المذهب في العراق والجزيرة والشام، فإن الظاهرة تجاوزت الانتماء الفقهي إلى بناء منظومة علمية أكثر اتساعًا، تمثلت في اقتران الفقه الشافعي بالعقيدة الأشعرية، ثم التصوف السني في مجال السلوك والتربية. وبذلك تبلورت، عبر قرون طويلة، ملامح مدرسة دينية كوردية قامت في جانبها الفقهي على الشافعية، وفي جانبها العقدي على الأشعرية، وفي بعدها التربوي والاجتماعي على التصوف السني.
وترجع جذور المدرسة الأشعرية إلى أبي الحسن الأشعري (260–324هـ/873–936م)، الذي انتقل عن الاعتزال وسعى إلى الدفاع عن عقائد أهل السنة باستخدام أدوات النظر والجدل العقلي مع المحافظة على مركزية النصوص الشرعية. وقد اتسع نفوذ هذه المدرسة بين الشافعية بصورة خاصة، ثم تطور بناؤها الكلامي على يد أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ/1013م)، وإمام الحرمين الجويني (419–478هـ/1028–1085م)، قبل أن يبلغ مرحلة أكثر نضجًا مع أبي حامد الغزالي (450–505هـ/1058–1111م)، الذي جمع في شخصيته بين الفقه الشافعي والكلام الأشعري والتصوف، وأظهر إمكان الجمع بين العلوم النقلية والعقلية والتربية الروحية ضمن منظومة سنية متكاملة.
وكان لهذا التطور أثر مهم في المناطق الكوردية، بحكم وقوعها ضمن المجال الجغرافي والعلمي الذي تحركت فيه المدارس والعلماء بين المشرق والعراق والجزيرة والشام. ولم تصل الأشعرية إلى كوردستان باعتبارها مذهبًا منفصلًا عن البيئة العلمية السائدة، بل انتقلت غالبًا مع الفقه الشافعي وأساتذة المدارس والقضاة والمدرسين. ولذلك أصبح الطالب يتلقى الفقه الشافعي إلى جانب العقيدة الأشعرية في إطار تعليمي واحد، الأمر الذي ساعد على ترسيخ الاقتران بين المدرستين.
وقد أسهم الوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي (408–485هـ/1018–1092م) في ترسيخ هذا الاتجاه من خلال إنشاء المدارس النظامية في بغداد ونيسابور وأصفهان والموصل وغيرها. ولم تكن هذه المدارس مجرد مؤسسات لتدريس العلوم، بل أصبحت مراكز لإنتاج العلماء ونشر المناهج الفقهية والكلامية في أنحاء المشرق الإسلامي. وكان اعتمادها على الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية من العوامل التي ساعدت على انتشار هذا النموذج في البيئات الواقعة ضمن شبكاتها العلمية، ومنها المناطق الكوردية.
ومع مرور الزمن، أصبحت مدن كوردية وإسلامية مجاورة، مثل العمادية وأربيل وشهرزور ورواندوز وحرير والموصل، مراكز للعلم والتعليم، وانتشرت فيها المدارس التي درست الفقه والأصول والكلام والمنطق والتفسير والحديث. وقرئت فيها مؤلفات الجويني والغزالي وفخر الدين الرازي (544–606هـ/1150–1210م)، ثم كتب عضد الدين الإيجي (680–756هـ/1281–1355م) وسعد الدين التفتازاني (722–792هـ/1322–1390م)، وهي مؤلفات تركت أثرًا عميقًا في تكوين العقل العلمي لطلاب المدارس الدينية في كوردستان، وظلت أجزاء مهمة منها متداولة في التعليم التقليدي حتى أواخر العهد العثماني.
ولم يكن هذا التقليد مرتبطًا بعصر السلاجقة وحده، بل انتقل من جيل إلى آخر، ويمكن تتبع ذلك من خلال تراجم العلماء الكورد ومؤلفاتهم. ومن أبرز الأسماء في هذا السياق المولى أبو بكر البيوشي (ت 1085هـ/1674م)، الذي اشتهر بالتدريس والإفتاء ونشر العلوم الشرعية، وكان الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية ضمن الإطار العلمي الذي تحرك فيه.
ثم برز العلامة محمد بن عبد الرسول البرزنجي (1040–1103هـ/1630–1691م)، وهو من العلماء ذوي الأصول الكوردية الذين كان لهم حضور بارز في المدينة المنورة. وقد جمع بين علوم الحديث والعقيدة والفقه والتصوف، وأصبح من الشخصيات العلمية التي عكست انتقال علماء كوردستان إلى المراكز العلمية الكبرى في العالم الإسلامي، وإسهامهم في الحياة العلمية خارج مناطقهم الأصلية.
وفي القرن الثاني عشر الهجري ظهر أبو المواهب مصطفى بن أحمد الكوراني (1081–1143هـ/1670–1731م)، المنتمي إلى الأسرة الكورانية الكوردية، والذي بلغ مكانة رفيعة في المؤسسة العلمية العثمانية حتى تولى منصب شيخ الإسلام. وقد جمع في تكوينه العلمي بين التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام، ويمثل حضوره استمرارًا لذلك النموذج الذي لم يفصل بين العلوم النقلية والعقلية، بل نظر إليها بوصفها مكونات متكاملة في تكوين العالم.
وفي أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر الهجريين تواصل هذا المسار مع الملا آدم البالكي الروستي (1164–1237هـ/1750–1837م)، أحد علماء كوردستان في الفقه والأصول والمنطق والعقيدة والفلسفة الإسلامية. ولد في قرية روست التابعة لمنطقة بالك، وتلقى علومه الأولى على والده، ثم درس على العلامة عبد الله البيازيدي، وانتقل إلى رواندوز بطلب من أمير سوران محمد باشا، حيث تولى الإفتاء والتدريس. وقد اشتهر بعنايته بالمنطق وعلم الكلام، ومن آثاره حاشية ابن آدم على التحفة الشاهجانية في المنطق، ورسائل في التوحيد وصفات الله تعالى، وهو ما يعكس استمرار حضور العلوم العقلية في المدارس الدينية الكوردية إلى جانب الفقه والعلوم النقلية.
وفي المرحلة نفسها برز الشيخ معروف النودهِي (1175–1254هـ/1761–1838م)، الذي جمع بين الفقه الشافعي والتصوف السني، وأسهم في تنشيط الحركة العلمية في بهدينان، وربط بين المدرسة الدينية والزوايا الصوفية. وتظهر تجربته بوضوح أن العالم الكوردي لم يكن ينظر إلى الفقه والتربية الصوفية باعتبارهما مجالين متعارضين، بل كان يمكن للعالم أن يكون فقيهًا ومدرسًا وشيخًا للتربية في الوقت نفسه.
كما برز الملا يحيى بن خالد المزوري (ت 1255هـ/1839م)، المولود في قرية بالاته التابعة لإمارة العمادية، والذي عُدَّ من كبار فقهاء عصره، واشتهر بلقب «بحر العلوم وحبر ذوي المنطوق والمفهوم». وقد تميز بتبحره في الفقه الشافعي، وكان مقصدًا لطلاب العلم في كوردستان والعراق، ومن آثاره حاشيته على «تحفة المحتاج»، فضلًا عن نشاطه في التدريس والإصلاح بين العلماء والوجهاء، وهو ما يعكس المكانة الاجتماعية التي بلغها العالم في المجتمع الكوردي.
وبالتوازي مع ذلك لمع نجم العلامة الملا خليل السِّيرتي السعردي (1164–1259هـ/1750–1843م)، الذي يعد من أبرز علماء كوردستان في القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي. وقد اتسعت معارفه لتشمل الفقه الشافعي وأصول الفقه والعقيدة والمنطق والبلاغة والتفسير والحديث، وأصبحت مؤلفاته وحواشيه متداولة في عدد من المدارس الدينية في كوردستان والعراق والأناضول. وتمثل تجربته مرحلة متقدمة من تطور المدرسة العلمية الكوردية، حيث لم يعد الاهتمام مقصورًا على حفظ المتون الفقهية، بل اتسع ليشمل علوم الآلة والمنطق والكلام والتفسير والحديث.
وفي العصر الحديث استمر هذا الإرث العلمي مع العلامة عبد الكريم المدرس (1340–1426هـ/1921–2005م)، الذي كان من أبرز علماء العراق وكوردستان في القرن العشرين. جمع بين التدريس والإفتاء والتأليف، واعتنى بالتفسير والفقه والعقيدة وسائر العلوم الشرعية، وتخرج على يديه عدد كبير من العلماء والباحثين. وتمثل مدرسته حلقة متأخرة في سلسلة التعليم الديني التقليدي الذي حافظ على الصلة بين العلوم الفقهية والعقدية والتربوية، رغم التحولات السياسية والفكرية العميقة التي شهدها العراق وكوردستان خلال القرن العشرين.
وفي السياق الأوسع للعالم الإسلامي الحديث يبرز الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي (1348–1434هـ/1929–2013م)، المنحدر من أسرة كوردية من جزيرة ابن عمر (جزيرة بوتان). فقد هاجر والده الملا رمضان البوطي إلى سورية واستقر في دمشق، ونشأ محمد سعيد في بيئة علمية، ثم واصل دراسته في الأزهر بالقاهرة، وحصل سنة 1385هـ/1965م على الدكتوراه في أصول الشريعة الإسلامية عن بحثه «ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية». وبعد عودته إلى دمشق أصبح أستاذًا في كلية الشريعة بجامعة دمشق، وبرز بوصفه أحد العلماء المؤثرين في الفكر الإسلامي المعاصر.
وقد ارتبط اسم البوطي خصوصًا بالدفاع عن المذاهب الفقهية والرد على الاتجاهات التي دعت إلى تجاوز الالتزام المذهبي والاعتماد المباشر على النصوص. وفي هذا السياق أصدر سنة 1970م كتابه «اللامذهبية: أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية»، الذي دخل بسببه في سجال علمي مع المحدث محمد ناصر الدين الألباني (1333–1420هـ/1914–1999م)، الذي تبنى منهجًا يدعو إلى الاعتماد المباشر على الكتاب والسنة ويرفض التقليد المذهبي بصورته التي دافع عنها البوطي. ولم يقتصر الجدل على الشيخين، بل امتد إلى تلامذتهما، ومن بينهم محمد عيد العباسي، الذي ألّف سنة 1390هـ/1970م كتاب «بدعة التعصب المذهبي وآثارها الخطيرة في جمود الفكر وانحطاط المسلمين»، ثم «ملحق كتاب بدعة التعصب المذهبي»، في إطار النقاش حول التقليد والاجتهاد ومكانة المذاهب وطرق الاستدلال.
وتكشف هذه السلسلة التاريخية عن استمرار تقليد علمي طويل لدى علماء كوردستان، لم يكن مجرد انعكاس لسياسة دولة بعينها، بل نتيجة لشبكات التعليم والمدارس والمساجد وحلقات الدرس والزوايا. وقد حافظت هذه المؤسسات على انتقال الكتب والمناهج من جيل إلى آخر، بحيث ظل الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية عنصرين بارزين في قطاعات واسعة من الحياة العلمية الكوردية.
وإذا قورنت هذه الظاهرة بغيرها من البيئات الإسلامية، أمكن ملاحظة اختلاف مسارات التشكل المذهبي. فقد اقترن الفقه الحنفي بالعقيدة الماتريدية في مناطق واسعة من المجال التركي، ولا سيما في ظل الدولة العثمانية، بينما شهدت إيران تحولًا جذريًا بعد قيام الدولة الصفوية سنة 907هـ/1501م، حين أصبح التشيع الإمامي مذهب الدولة الرسمي. أما المجال العربي فظل أكثر تنوعًا من الناحية الفقهية والعقدية، فاجتمعت فيه المذاهب الشافعية والحنفية والمالكية والحنبلية، إلى جانب الأشعرية والماتريدية والاتجاهات الأثرية.
أما في أجزاء واسعة من كوردستان، فقد حافظت البيئة العلمية على حضور الشافعية والأشعرية عبر قرون من التحولات السياسية، على الرغم من انتقال مناطق الكورد بين سلطات ودول مختلفة، من العباسيين والسلاجقة إلى الأيوبيين والعثمانيين والصفويين والقاجاريين. ومن ثم فإن استمرار هذا التقليد يمكن فهمه بدرجة كبيرة من خلال قوة المؤسسات العلمية المحلية وشبكات العلماء، لا من خلال فرض سياسي موحد.
ولم تكن الأشعرية عند علماء الكورد مجرد منظومة نظرية في مسائل العقيدة، بل ارتبطت بمنهج تعليمي يقوم على الجمع بين النص والنظر، وهو ما ساعد على انتشار كتب الكلام والمنطق إلى جانب الفقه والأصول. ولذلك شاعت في المدارس الدينية دراسة متون مثل «السنوسية» و«الجوهرة» و«أم البراهين»، وكتب العقائد النسفية وشروحها، إلى جانب مؤلفات الغزالي والرازي والإيجي والتفتازاني. وأسهم هذا المنهج في تكوين عالم يجمع بين الفقه والعقيدة والمنطق والتفسير والحديث، بدل أن ينحصر في تخصص واحد.
ومن هنا يمكن فهم المرحلة التالية من تشكل الشخصية الدينية الكوردية، وهي التصوف السني. فالتصوف لم يدخل البيئة الكوردية بوصفه مجرد ممارسة فردية للزهد، وإنما تطور تدريجيًا إلى مؤسسات تربوية واجتماعية تمثلت في الزوايا والخانقاهات، وأصبحت لها صلات وثيقة بالمدارس والعلماء والمجتمع. ومع ظهور الطرق الصوفية، ولا سيما القادرية ثم النقشبندية، أخذ التصوف يؤدي وظائف دينية واجتماعية تتجاوز الجانب الروحي الفردي، ليصبح عنصرًا مؤثرًا في تشكيل العلاقات الاجتماعية والتعليمية، بل والسياسية في بعض المراحل.
وبذلك يمكن النظر إلى الشخصية الدينية الكوردية التقليدية باعتبارها نتاج تفاعل ثلاثة عناصر رئيسة: الشافعية في الفقه، والأشعرية في العقيدة، والتصوف السني في السلوك والتربية. ولم تتشكل هذه العناصر دفعة واحدة، وإنما تراكمت عبر قرون من التعليم والرحلة العلمية وانتقال الكتب والعلماء، حتى أصبحت جزءًا مهمًا من تاريخ كوردستان الديني والفكري. ومن ثم فإن دراسة التصوف الكوردي، ولا سيما نشأة القادرية وانتشار النقشبندية، تمثل امتدادًا طبيعيًا لدراسة هذا المسار، وتكشف كيف انتقل البناء الديني من المدرسة والمسجد وحلقة الدرس إلى الزاوية بوصفها مؤسسة تربوية واجتماعية مؤثرة في المجتمع الكوردي.