د. سامان شالي
محلل سياسي واقتصادي
لماذا لا يملك الكورد أصدقاء سوى الجبال؟
هل يُعزى فشل استقلال كوردستان في الحصول على الدعم الدولي إلى الكورد أنفسهم، أم إلى دول المنطقة، أم إلى المجتمع الدولي، أم إلى كل هؤلاء مجتمعين؟ تتطلب هذه القضية المعقدة تحليلاً تاريخياً معمقاً لفهم سبب كونها من المحرمات على الشعب الكوردي، الذي يكافح حتى لمناقشة استقلاله، على عكس الشعوب الأصغر التي نالت استقلالها.
من بين الأمثال الكثيرة المرتبطة بالشعب الكوردي، لا يوجد مثلٌ أكثر شهرةً أو دلالةً من: "لا يملك الكورد أصدقاء سوى الجبال". فهو ليس مجرد مثل، بل يعكس قروناً من خيبات الأمل السياسية، وتحولات التحالفات، وتجارب التخلي المتكررة. ورغم أن العبارة ليست حرفية - فقد كان للكورد حلفاء ومؤيدون وأصدقاء عبر التاريخ - إلا أنها تُجسد تصوراً واسع الانتشار مفاده أنه عندما تسعى القوى العظمى وراء مصالحها الخاصة، غالباً ما تُضحى بتطلعات الكورد. ويتطلب فهم سبب رسوخ هذا الشعور دراسة جغرافية كوردستان، والتشرذم السياسي، والتنافسات الإقليمية، والسياسة الدولية.
عندما وعدت قوى خارجية بالحماية أو الحكم الذاتي أو الدولة، غالبًا ما خيبت تلك الوعود، بينما ظلت الجبال الملاذ الدائم الوحيد. لطالما سكن الشعب الكوردي المناطق الجبلية الحدودية حيث تلتقي حدود تركيا والعراق وإيران وسوريا الحالية، ثم قسمت الحدود الحديثة تلك المنطقة بين عدة دول بدلًا من إنشاء دولة كوردية مستقلة.
كانت هذه الجبال بمثابة ملجأ وسجن في آن واحد. فقد مكّنت تضاريسها الوعرة القبائل الكوردية من الحفاظ على لغتها وعاداتها وحكمها الذاتي المحلي رغم محاولات الإمبراطوريات المتعاقبة فرض سيطرتها. حمت الجبال المجتمعات الكوردية من الغزو والاندماج، مما سمح لها بالبقاء بينما اختفت شعوب أصغر بكثير. في الوقت نفسه، عزلت الجغرافيا نفسها المجتمع الكوردي، مما جعل الوحدة السياسية وبناء الدولة المركزية أكثر صعوبة بكثير مما كان عليه الحال بالنسبة للشعوب التي تعيش في السهول المفتوحة أو حول المراكز الحضرية الكبرى.
أحد الأسباب الرئيسية لهذا المثل هو انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى في 1920 إحدى أهمّ نقاط التحوّل في تاريخ كوردستان. تمنى العديد من القادة الكورد أن تمنحهم تسوية ما بعد الحرب دولةً مستقلة. بل إنّ معاهدة سيفر تضمنت بنودًا كان من شأنها أن تُفضي إلى استقلال كوردستان بشروطٍ مُحدّدة. إلا أنّ تلك الآمال لم تدم طويلًا. فقد أدّى صعود مصطفى كمال أتاتورك ونجاح حرب الاستقلال التركية إلى توقيع معاهدة لوزان، التي حلّت محلّ معاهدة سيفر ولم تُنصّ على قيام دولة كوردستان مستقلة. وقُسّمت الأراضي ذات الأغلبية الكوردية بين عدّة دول مُعترف بها حديثًا. ويُنظر إلى هذه اللحظة غالبًا على أنّها من أوائل الأمثلة على إخضاع التطلعات الكوردية للأولويات الاستراتيجية للدول الأقوى. تكتسب تلك اللحظة أهمية بالغة لأنها حوّلت حلم الدولة إلى تقسيم، تاركةً الكورد من أكبر الشعوب بدون الدولة في العالم.
تاريخيًا، نادرًا ما شكّل الكورد مملكة موحدة تضم جميع المناطق الناطقة باللغة الكوردية. بدلًا من ذلك، كان المجتمع الكوردي مُنظّمًا حول إمارات عديدة، واتحادات قبلية، وحكام محليين غالبًا ما تباينت ولاءاتهم. خلال التنافس بين الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية، انحاز القادة الكورد في كثير من الأحيان إلى إحداهما للحفاظ على استقلالهم. ورغم أن هذه الاستراتيجية ضمنت لهم البقاء على المدى القصير، إلا أنها حالت دون ظهور سلطة سياسية كوردية واحدة قادرة على مقاومة الهيمنة الأجنبية على المدى الطويل.
ثمّ تعمّق شعورهم بالتخلي عنهم في القرن العشرين. فقد قُمعت الانتفاضات والحركات الكوردية مرارًا وتكرارًا من قِبل الدول المجاورة، وكثيرًا ما عُومِل السكان الكورد كتهديدات أمنية لا كمواطنين لهم حقوق. في العراق، شكّلت حملة الأنفال عام 1988 صدمةً فارقة: وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش عنفًا ممنهجًا، وتهجيرًا جماعيًا، وقتلًا لمدنيين الكورد، وتُعتبر الحملة على نطاق واسع إبادة جماعية. بالنسبة للعديد من الكورد، أكّدت هذه الأحداث أن بقاءهم لا يمكن أن يعتمد على حسن نية الدولة التي تحكمهم.
ومن الأسباب الأخرى التي جعلت هذا المثل يدوم هو نمط استخدام القوى الأجنبية لقوات البيشمركة الكوردية عند الحاجة، ثم التخلي عنها عندما تتغير مصالحها. وتشير رويترز إلى أن الولايات المتحدة دعمت الكورد العراقيين سرًا في سبعينيات القرن الماضي، ثم قطعت هذا الدعم بعد اتفاقية إيران والعراق عام 1975، مما أدى إلى انهيار الثورة الكوردية. وقد اعتبر كثير من الكورد هذا بخيانة عظمى.
تكررت هذه التجربة بأشكال مختلفة على مدى العقود اللاحقة. فخلال حرب الخليج، حظيت الانتفاضات الكوردية في البداية بالتشجيع، لكنها أصبحت عرضة للخطر عندما لم يتوفر الدعم العسكري الخارجي بالسرعة الكافية. وفي وقت لاحق، سمح إنشاء منطقة حظر طيران في (كوردستان)، شمال العراق بظهور الحكم الذاتي الكوردي، مما أظهر أن التدخل الدولي يمكن أن يُسفر عن نتائج إيجابية. وبالمثل، خلال الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أصبحت القوات الكوردية في العراق وسوريا من أكثر شركاء التحالف فعالية. ومع ذلك، وبعد انحسار التهديد العسكري المباشر، أدت تغيرات الأولويات الإقليمية مرة أخرى إلى تغيير مستوى وطبيعة الدعم الدولي. وقد عززت هذه الدورات المتكررة الاعتقاد بأن التحالفات مع القوى الكبرى غالباً ما تكون مؤقتة، مدفوعة في المقام الأول بالضرورة الاستراتيجية لا بالالتزام الدائم.
وبالمثل، نظرت الحكومات الإقليمية إلى القومية الكوردية بعين الريبة. ولأن السكان الكورد يعيشون في دول متعددة معترف بها دوليًا، فقد خشيت كل حكومة في كثير من الأحيان من أن يؤدي منح الكورد مزيدًا من الحكم الذاتي في دولة ما إلى تشجيع الحركات الانفصالية في أماكن أخرى. ونتيجة لذلك، واجهت الحركات السياسية الكوردية حملات عسكرية متكررة، وقيودًا على اللغة والثقافة، أو قيودًا على المشاركة السياسية. وقد تباينت هذه السياسات بشكل كبير بين الدول وعلى مر الزمن. وقد نتج عن ذلك مشهد معقد تعيش فيه المجتمعات الكوردية واقعًا سياسيًا مختلفًا تبعًا للدولة التي تعيش فيها.
تُعيق الانقسامات الداخلية بشدة تقدم التطلعات السياسية الكوردية. فالنسيج الغني للمجتمع الكوردي، الذي يتميز بتنوع لهجاته ومعتقداته الدينية وأيديولوجياته المتباينة وفصائله السياسية العديدة، أصبح للأسف مصدرًا لتشرذم كبير. وقد بلغ هذا التباين الداخلي ذروته في كثير من الأحيان في تنافسات حادة، بل ومأساويًا، في صراعات مسلحة بين مختلف الجماعات الكوردية. وتؤدي هذه الخلافات العميقة والصراعات الداخلية حتمًا إلى إضعاف قدرتهم التفاوضية الجماعية على الساحة الدولية، مما يجعل من الصعب للغاية عليهم تقديم جبهة موحدة أو الدفاع بفعالية عن مصالحهم المشتركة.
علاوة على ذلك، تخلق هذه الانقسامات الداخلية المستمرة نقاط ضعف تستغلها الدول المجاورة بسرعة. فمن خلال استغلال الانقسامات القائمة داخل المجتمع الكوردي، بل وتأجيجها، تستطيع هذه الجهات الخارجية تقويض الجهود الكوردية الرامية إلى تقرير المصير أو الحصول على مزيد من الحكم الذاتي. ويزيد هذا الاستغلال من تعقيد أي مبادرات تهدف إلى الحفاظ على الهوية الثقافية الكوردية، أو صون تراثهم التاريخي، أو ضمان استقرارهم السياسي واعتراف المجتمع بهم على المدى الطويل، بل ويعرقلها. وبالتالي فإن غياب التماسك الداخلي لا يعيق تقدمهم فحسب، بل يعرضهم أيضاً للتلاعب الخارجي، مما يجعل الطريق إلى تحقيق أهدافهم المجتمعية والسياسية الأوسع نطاقاً أكثر صعوبة ومليئاً بالتحديات.
مع ذلك، لا ينبغي تفسير مقولة "ليس للكورد أصدقاء سوى الجبال" على أنها وصف حرفي للتاريخ. فقد أقامت المجتمعات الكوردية شراكات مثمرة مع الشعوب المجاورة، والمنظمات الدولية، والباحثين، والصحفيين، والمنظمات الإنسانية، والحكومات في مختلف الأوقات. كما يشارك ملايين الكورد مشاركة كاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للدول التي يقيمون فيها. علاوة على ذلك، أظهر المجتمع الكوردي نفسه مرونة ملحوظة، حيث أنشأ مؤسسات مستقلة في أجزاء من العراق، وحافظ على هوية ثقافية مميزة رغم قرون من المصاعب السياسية.
في نهاية المطاف، يبقى هذا المثل راسخًا لأنه يعبر عن نمط تاريخي لا حقيقة مطلقة. فقد اكتشفت الحركات السياسية الكوردية مرارًا وتكرارًا أن مصالح القوى الكبرى غالبًا ما تفوق وعود الدعم. وفرت الجغرافيا ملاذًا آمنًا، لكنها لم توفر السيادة؛ وقدمت التحالفات الخارجية فرصًا، لكنها نادرًا ما وفرت الاستقرار؛ وجعل التشرذم السياسي العمل الجماعي صعبًا. ترمز الجبال إلى الصمود، والاعتماد على الذات، والبقاء عندما تفشل الضمانات الخارجية. بالنسبة للعديد من للكورد، تبقى الجبال استعارة للثابت الوحيد عبر قرون من الإمبراطوريات المتغيرة، والحدود المتغيرة، والتحالفات غير المستقرة.
ترمز الجبال إلى الصمود، والاعتماد على الذات، والبقاء عندما تفشل الضمانات الخارجية. بالنسبة للعديد من الكورد، تبقى الجبال استعارة للثابت الوحيد عبر قرون من الإمبراطوريات المتغيرة، والحدود المتغيرة، والتحالفات غير المؤكدة.
إن التاريخ الكامن وراء هذا المثل ليس مجرد تاريخ خيانة، بل تاريخ بقاء. إنه يعكس تجربة شعبٍ تكيّف مرارًا وتكرارًا مع الواقع السياسي المتغير، محافظًا على هويته رغم الصعاب الجمة. وسواءٌ أكان المستقبل سيُشكّك في هذا المثل أم سيُعزّزه، فإن ذلك يتوقف على قدرة الترتيبات السياسية الدائمة على استبدال دورات التحالفات المؤقتة التي شكّلت جزءًا كبيرًا من التاريخ الكوردي.
على النقيض من ذلك، لم تخنهم الجبال. ولأن الحياة الكوردية متجذّرة منذ القدم في تضاريس وعرة، فقد وفّرت الجبال ملاذات آمنة، وميزة دفاعية، وشعورًا بالاستمرارية عندما فشلت السياسة. لقد أصبحت أكثر من مجرد جغرافيا؛ لقد أصبحت رمزًا للبقاء. يدوم هذا المثل لأنه يُلخّص تاريخًا كاملًا في صورة واحدة: إمبراطوريات قامت وسقطت، ووعود قُطعت ونُكثت، لكن الجبال بقيت. وبهذا المعنى، فإن المثل ليس شكوى بقدر ما هو سجلٌ للذاكرة التاريخية.
وفي النهاية المطاف، يجب على سياسيين الكورد أن يفهموا بأن قوة الجبال تنبع من وحدتهم وشموخها؛ لذلك، فإن وحدتهم سوف تأتي من وحدتهم وليس من انقسامهم، إذا كانوا جادين حقاً في تحقيق حقوقهم المشروعة لشعب كوردستان.