استغلال بعض المنظمات التبشيرية لمأساة الإيزيديين بعد عام 2014م وردود الفعل الإيزيدية

استغلال بعض المنظمات التبشيرية لمأساة الإيزيديين بعد عام 2014م وردود الفعل الإيزيدية
استغلال بعض المنظمات التبشيرية لمأساة الإيزيديين بعد عام 2014م وردود الفعل الإيزيدية

  بعد اجتياح تنظيم داعش لمناطق سنجار وسهل نينوى في الثالث من آب/أغسطس 2014م، وما رافقه من عمليات قتل جماعي وسبي وتهجير قسري للإيزيديين، تحولت مخيمات النزوح في محافظتي دهوك وأربيل إلى مقصد لعشرات المنظمات الإنسانية الدولية. وإلى جانب المؤسسات التي اقتصرت على تقديم المساعدات الإنسانية، برزت مجموعة من المنظمات الإنجيلية والإرسالية التي نظرت إلى المأساة بوصفها فرصة للوصول إلى مجتمع ظل بعيدًا عن النشاط التبشيري طوال قرون. وقد استندت هذه المنظمات إلى مفهوم راسخ في الفكر الإنجيلي يقوم على أن العمل الإنساني يمثل مدخلًا مناسبًا لنشر الإنجيل، لذلك جمعت بين تقديم الإغاثة والخدمات الطبية والتعليمية والدعم النفسي والاجتماعي، وبين أنشطة ذات مضامين دينية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

لم يكن اهتمام الإرساليات البروتستانتية بالإيزيديين وليد عشرينيات القرن العشرين، بل تعود جذوره إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما بدأت الإرساليات الانجيلية الأمريكية والانكليكانية البريطانية والدومنيكانية الفرنسية العاملة في ولاية الموصل تجمع معلومات عن الجماعات الدينية غير الإسلامية في شمال العراق وكوردستان، ومن بينها الإيزيديون. فقد نظر المبشرون إلى الإيزيديين بوصفهم جماعة دينية معزولة نسبيًا، الأمر الذي جعلهم في نظر الفكر الإرسالي من "الشعوب غير المبشرة" (Unreached People)، وهي التسمية التي كانت تطلقها الإرساليات البروتستانتية على الجماعات التي لم تصلها المسيحية الإنجيلية. وقد انعكس هذا الاهتمام في تقارير مجلس المفوضين الأمريكي للإرساليات الخارجية (ABCFM)، ثم في كتابات عدد من المبشرين الذين زاروا الموصل وشيخان وبعشيقة وبحزاني في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إلا أن نشاطهم اقتصر آنذاك على جمع المعلومات وإقامة الاتصالات الأولية، دون تأسيس عمل تبشيري دائم بين الإيزيديين.

وبعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية وقيام الانتداب البريطاني على العراق، أصبحت الظروف السياسية والأمنية أكثر ملاءمة لعمل الإرساليات الأجنبية، ولا سيما في الموصل والمناطق المحيطة بها. وقد استغلت الإرساليات هذا التحول لتوسيع نشاطها خارج الأوساط المسيحية التقليدية، واتجهت نحو الأقليات الدينية، وفي مقدمتها الإيزيديون، الذين رأت فيهم حقلًا جديدًا للعمل الإرسالي، فبدأت أول محاولة منظمة سنة 1923م بإشراف الإرسالية الدنماركية إلى الشرق.

قبل سنة 1923م لم تكن بعشيقة أول مكان يفكر فيه المبشرون، فقد حاول عدد من المبشرين الأمريكيين زيارة لالش وشيخان منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر، لكنهم لم يستطيعوا إنشاء محطة تبشيرية بسبب رفض الزعامات الدينية الإيزيدية، لذلك اختيرت بعشيقة لاحقًا لأنها كانت أكثر انفتاحًا، وتضم خليطًا من الإيزيديين والمسيحيين، مما جعلها قاعدة مناسبة للعمل الإرسالي.

ومن ثم، فإن النشاط الذي بدأ في بعشيقة سنة 1923م لم يكن مبادرة منفصلة، وإنما مثل المرحلة العملية الأولى لمشروع إرسالي كانت جذوره الفكرية تعود إلى عقود سابقة، واستمر بأشكال مختلفة حتى نهاية القرن العشرين، قبل أن يشهد توسعًا جديدًا بعد عام 1991م، ثم بعد كارثة الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون سنة 2014م، عندما عادت الإرساليات الإنجيلية لتوظف العمل الإنساني بوصفه مدخلًا رئيسًا للوصول إلى المجتمع الإيزيدي.

بدأ النشاط التبشيري المنظم بين الإيزيديين في العراق سنة 1923م، عندما شرعت الإرسالية الدنماركية إلى الشرق (The Danish Mission to the Orient) في تنفيذ مشروعها التبشيري في بلدة بعشيقة، الواقعة إلى الشرق من مدينة الموصل. وقد أوكلت الإرسالية في البداية هذه المهمة إلى مبشرة سويدية، غير أن التجربة لم تحقق النتائج المرجوة بسبب عدم استقرارها في المنطقة وعدم تمكنها من متابعة العمل بصورة منتظمة. وأمام هذه الصعوبات، عهدت الإرسالية إلى الإرسالية المتحدة في بلاد ما بين النهرين (United Mission in    Mesopotamia) بالإشراف على المشروع، التي استعانت بدورها بأحد أبناء الكنيسة النسطورية، وهو نسطوريوس قاليتا (Nestorius Kalata)، وكلفته بمهمة التبشير بين الإيزيديين، مع تخصيص دعم مالي لتأمين متطلبات نشاطه. وقد استقر قاليتا في بعشيقة وواصل عمله سنوات طويلة، بينما يقيم عدد من أفراد أسرته اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى الرغم من أن اندلاع الحرب العالمية الثانية وما رافقها من أزمات مالية أثّر في نشاط الإرساليات الأجنبية، وأدى إلى توقف المخصصات المالية التي كانت تُدفع لنسطوريوس قاليتا حتى عام 1942م، فإنه لم يتخلَّ عن مهمته، بل استمر في نشاطه معتمدًا على موارده الشخصية. وبعد تحسن أوضاع الإرسالية استؤنف صرف المخصصات الشهرية له، واستمر تحت إشراف الإرسالية المتحدة التي كانت تدير المشروع نيابة عن الإرسالية الدنماركية.

ولم يقتصر نشاط قاليتا على الدعوة الدينية، بل امتد إلى المجال التعليمي، إذ أسس سنة 1930م مدرسة أولية في بعشيقة لتعليم أبناء البلدة، وعدّتها الإرسالية جزءًا من مشروعها التبشيري. وقد وضعت المدرسة لاحقًا تحت إشراف القس جليسنر (Rev. Glesner) ، المسؤول عن محطة الإرسالية في كركوك، الذي تابع الإشراف عليها حتى بعد وفاة نسطوريوس قاليتا سنة 1953م، ثم انتقلت مسؤوليتها سنة 1956م إلى القس م. تايلور (Rev. M. Taylor) ، الذي عمل مع زوجته في متابعة النشاط التعليمي والكنسي في المنطقة.

وأسفرت جهود نسطوريوس قاليتا عن اعتناق عدد محدود من الإيزيديين للمسيحية الإنجيلية، كان من أبرزهم صادق شامي (أو شمو)، الذي أصبح فيما بعد قسًا للكنيسة الإنجيلية في أربيل، وكذلك "إلياس حمو" الذي تولى خدمة الكنيسة الإنجيلية في كركوك، كما اعتنق المسيحية والد إلياس وشقيقه الأكبر، الذي اتخذ اسم "باول" بعد معموديته.

ويلاحظ أن اختيار نسطوريوس قاليتا لم يكن أمرًا عارضًا، إذ درجت الإرساليات البروتستانتية في العراق وسورية وإيران على الاعتماد على مبشرين محليين من أبناء الكنائس الشرقية، ولا سيما النساطرة والأرمن، لكونهم أكثر قدرة على تعلم اللهجات المحلية والتواصل مع سكان القرى، فضلاً عن انخفاض كلفة تشغيلهم مقارنة بالمبشرين الأوروبيين والأمريكيين. وقد كان هذا الأسلوب جزءًا من السياسة الإرسالية التي اعتمدتها الكنائس البروتستانتية منذ أواخر القرن التاسع عشر في الشرق الأوسط.

وتكشف محاضر اتحاد الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة الأمريكية (UPCUSA) عن اهتمام خاص بهذه التجربة، إذ وصفت القس صادق شمو بأنه من أكثر العاملين الإنجيليين نشاطًا في العراق، وأشارت إلى أنه حول إحدى غرف منزله إلى قاعة للمطالعة والدراسات الإنجيلية واللقاءات الفردية مع المهتمين بالمسيحية، ورأت الإرسالية في هذا النشاط وسيلة فعالة للوصول إلى الإيزيديين في بيئتهم المحلية.

وقد أثار انتقال صادق شمو إلى المسيحية، ثم زواجه من فتاة تنتمي إلى الكنيسة النسطورية، ردود فعل اجتماعية واضحة في محيطه، إذ أصبح يُنظر إليه من قبل كثير من المسلمين الكورد باعتباره خارجًا عن محيطه الاجتماعي والديني. وقد استشهد بعض الباحثين بهذه الحالة لتفسير محدودية نجاح النشاط التبشيري بين المسلمين في أربيل خلال تلك المرحلة، مقارنةً بما تحقق بين بعض الإيزيديين.

وبعد نحو أربعة عقود، عاد اسم صادق شمو إلى الظهور في تقارير الإرساليات الغربية، عندما زاره المبشر الأمريكي مارفن أ. بالمكويست (Marvin A. Palmquist) في أربيل خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 1993م، أثناء جولة ميدانية نظمها لصالح إرسالية الشرق اللوثرية (Lutheran Orient Mission – LOM). وقد سجل بالمكويست في تقريره أن صادق شمو كان قد غادر أربيل إلى الموصل في صيف العام نفسه بعد إحالته إلى التقاعد، وأن النشاط الإنجيلي الذي قاده لعقود لم يترك حضورًا مؤسسيًا دائمًا في المدينة.

وتكتسب زيارة بالمكويست أهمية خاصة لأنها جاءت في مرحلة أعقبت انتفاضة عام 1991م، عندما بدأت الإرساليات الإنجيلية الأمريكية تعيد تقييم فرص العمل في إقليم كردستان العراق. فقد كان بالمكويست من أبرز مسؤولي إرسالية الشرق اللوثرية (LOM)، وشغل سابقًا رئاسة مجلس الإرساليات العالمية في الكنيسة الإنجيلية اللوثرية الحرة، واستثمر جولاته في مخيمات اللاجئين الكرد لإقناع الكنائس الأمريكية بأن التطورات السياسية التي شهدها شمال( كوردستان) العراق أوجدت، بحسب وصفه، "فرصة تاريخية" لإعادة إطلاق النشاط التبشيري بين الكورد.

ولذلك دعت تقاريره ومحاضراته إلى تأسيس حضور إنجيلي دائم في كوردستان، وعدم الاكتفاء بالمساعدات الإنسانية، بل ربطها بإعداد كوادر تبشيرية محلية وتطوير المؤسسات التعليمية والخدمية التي تخدم المشروع الإرسالي. ومن هنا يمكن القول إن بالمكويست مثّل حلقة الوصل بين الجيل الأول من الإرساليات البروتستانتية، الذي توقف نشاطه بعد مقتل المبشر روجر سي. كمبرلند في 12/6/1938م على يد (سليم مصطفى آغا البيسفكي الدوسكي)، وبين مرحلة جديدة من النشاط الإنجيلي التي انطلقت بعد عام 1991م، واعتمدت بصورة أكبر على الجمع بين العمل الإغاثي والبرامج التبشيرية في إقليم كوردستان العراق.

وكانت منظمة محفظة السامري (Samaritan's Purse) من أبرز هذه المنظمات، وهي منظمة إنجيلية أسسها المبشر الأمريكي "بوب بيرس"، ويتولى رئاستها منذ عام 1979م "فرانكلين غراهام"، نجل المبشر الشهير "بيلي غراهام". وقد وسعت المنظمة نشاطها في شمال(كوردستان) العراق عقب اجتياح تنظيم داعش، فنفذت برامج للإغاثة الطبية وتوزيع المواد الغذائية وحفر الآبار وإنشاء العيادات الميدانية، إلا أنها أكدت في وثائقها الرسمية أن رسالتها تتمثل في "إعلان رجاء الإنجيل" إلى جانب تقديم المساعدة الإنسانية. كما أشار فرانكلين غراهام في رسائله وتقاريره السنوية إلى تكوين مجموعات لدراسة الكتاب المقدس بين النازحين، وتحدث عن اعتناق بعض الإيزيديين للمسيحية، مقدمًا ذلك بوصفه إحدى ثمار العمل الإرسالي في العراق.

وجاءت بعدها منظمة الإنجيل لآسيا (Gospel for Asia – GFA World) التي أسسها المبشر الهندي "كي. بي. يوهانان"، والتي أطلقت حملات واسعة لمساعدة الإيزيديين في المخيمات، إلا أن تقاريرها أوضحت أن فرقها لم تكتفِ بتقديم الغذاء والدواء، بل نظمت لقاءات للصلاة، ووزعت نسخًا من الكتاب المقدس والمواد الدينية، وعدّت ذلك جزءًا من رسالتها الإنجيلية بين المجتمعات التي لم تصلها المسيحية من قبل.

كما نشطت منظمة الإرسالية المسيحية للمساعدة (Christian Aid Mission)، وهي مؤسسة أمريكية لا تعمل ميدانيًا بصورة مباشرة، وإنما تمول مبشرين محليين وشركاء إنجيليين في مناطق الأزمات. وقد نشرت عدة تقارير عن إرسال فرق تبشيرية إلى شمال(كوردستان) العراق للعمل بين الإيزيديين، مؤكدة أن تلك الفرق تجمع بين تقديم الغذاء والدعم النفسي وتعليم الإنجيل، ووصفت الإيزيديين بأنهم من "الشعوب غير المبشرة" التي ينبغي الوصول إليها.

ومن المنظمات التي أعلنت كذلك عن نشاطها بين الإيزيديين منظمة الخدمات العالمية التحفيزية (Global Catalytic Ministries)، التي نشرت عبر موقعها الرسمي شهادات عن تحول عدد من الإيزيديين إلى المسيحية، وعدّت ذلك نجاحًا لبرامجها التبشيرية. كما شاركت منظمة عملية التعبئة العالمية (Operation Mobilization – OM) في تنفيذ برامج للأطفال والشباب داخل المخيمات، وربطت في أدبياتها بين الخدمة الإنسانية والشهادة للمسيح. وانضمت إليها منظمة شباب ذوو رسالة (Youth With A Mission – YWAM) التي نظمت أنشطة شبابية ومخيمات للأطفال وبرامج للدعم النفسي، تضمنت لقاءات ذات مضامين إنجيلية، في حين شاركت إرسالية أوروبا الكبرى (Greater Europe Mission – GEM) في العمل بين اللاجئين والنازحين في إقليم كوردستان، وأعلنت استمرار رسالتها الكنسية بينهم. كما عملت منظمة الأبواب المفتوحة (Open Doors) على تقديم مساعدات إنسانية ودعم كنسي للمسيحيين، إلا أن بعض برامجها شملت أيضًا الإيزيديين في مناطق النزوح.

ولم يقتصر النشاط التبشيري على العمل الميداني، بل امتد إلى وسائل الإعلام والمنصات الإلكترونية، حيث نشرت هذه المنظمات أفلامًا وتقارير وشهادات شخصية عن ناجين إيزيديين، وربطت معاناتهم برسائل دينية تتحدث عن الخلاص بالمسيح، كما نشرت قصصًا عن أفراد قالت إنهم اعتنقوا المسيحية بعد نجاتهم من تنظيم داعش، واستخدمت هذه القصص في حملات جمع التبرعات وإبراز نجاح النشاط الإرسالي في العراق وكوردستان.

وقد أثارت هذه الممارسات ردود فعل قوية داخل المجتمع الإيزيدي، الذي رأى فيها استغلالًا لمأساة إنسانية غير مسبوقة. وكان الأمير تحسين سعيد بك من أوائل الشخصيات التي نددت بهذه المحاولات، إذ أكد في لقاءاته مع الوفود الأجنبية والمنظمات الدولية أن الإيزيديين يرحبون بجميع أشكال الدعم الإنساني، لكنهم يرفضون استغلال ظروف النزوح أو الحاجة الاقتصادية أو الصدمة النفسية لإحداث تغيير في عقيدتهم الدينية، مشددًا على أن المجتمع الإيزيدي يواجه خطرًا وجوديًا بعد الإبادة الجماعية، وأن الحفاظ على هويته الدينية يمثل أولوية لا تقل أهمية عن إعادة إعمار مناطقه.

وسار المجلس الروحاني الإيزيدي الأعلى في الاتجاه نفسه، فأصدر بيانات وتصريحات دعا فيها جميع المنظمات الأجنبية إلى احترام خصوصية الديانة الإيزيدية، وعدم ممارسة أي نشاط تبشيري داخل المخيمات أو المدارس أو المراكز الاجتماعية، مؤكدًا أن المساعدات الإنسانية يجب أن تقدم لجميع النازحين دون أي أهداف دينية أو عقائدية، وأن استغلال حاجة الضحايا يتعارض مع أخلاقيات العمل الإنساني التي أقرتها المواثيق الدولية.

وبعد وفاة الأمير تحسين سعيد بك سنة 2019م، واصل الأمير حازم تحسين بك النهج ذاته، مؤكدًا في أكثر من مناسبة أن إعادة بناء المجتمع الإيزيدي يجب أن تقوم على حماية هويته الدينية والثقافية، وأن المؤسسات الأجنبية مطالبة باحترام خصوصية هذا المكون وعدم استغلال الظروف الاستثنائية التي مر بها بعد اجتياح تنظيم داعش.

كما انضمت إلى هذه المواقف منظمة يزدا (Yazda)، وعدد من المنظمات المدنية والناشطين والباحثين الإيزيديين، الذين انتقدوا استخدام بعض الإرساليات لحالات فردية من التحول الديني في الحملات الإعلامية وجمع التبرعات، ورأوا أن هذه الممارسات تمثل استغلالًا لمعاناة الناجين، وتتنافى مع مبدأ حياد العمل الإنساني. وطالبت هذه الجهات بالفصل الكامل بين النشاط الإغاثي والنشاط التبشيري، ودعت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية إلى مراقبة عمل المؤسسات الأجنبية داخل المخيمات، بما يضمن احترام حرية المعتقد وعدم التأثير في الفئات الأكثرهشاشة، ولا سيما الأطفال والنساء والناجون من الإبادة الجماعية.

وعلى الرغم من أن بعض الإرساليات الإنجيلية تحدثت في تقاريرها عن نجاحها في استقطاب عدد محدود من الإيزيديين إلى المسيحية، فإن هذه الحالات بقيت محدودة وتعتمد في معظمها على روايات المنظمات نفسها، في حين تمثلت النتيجة الأبرز لهذه الأنشطة في تصاعد الوعي داخل المجتمع الإيزيدي بضرورة حماية هويته الدينية، وصدور حملات تنديد واسعة من الأمير، والمجلس الروحاني، ومنظمات المجتمع المدني، والمثقفين الإيزيديين، الذين أكدوا أن المساعدات الإنسانية ينبغي أن تبقى منفصلة عن أي نشاط تبشيري، وأن الكوارث الإنسانية لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لتحقيق أهداف دينية أو عقائدية.

وإذا كان مبدأ حرية الاعتقاد مكفولًا لجميع الأفراد، فإن توجيه النشاط التبشيري نحو جماعة دينية صغيرة تعرضت للإبادة الجماعية على مر التاريخ؛ يثير إشكاليات أخلاقية وإنسانية، لأن الإيزيديين لا يمثلون مجرد أفراد يمكن استقطابهم إلى دين آخر، بل يشكلون مكونًا دينيًا تاريخيًا محدود العدد، ومن ثم فإن أي تحول واسع في انتمائهم الديني قد ينعكس على استمرارية هويتهم الدينية والثقافية، التي أصبحت أكثر هشاشة بعد الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش بحقهم.