قرى الكورد في مصر.. تاريخ يؤكد دورهم في النهضة وبناء المجتمعات وتأثيرهم في الشعوب

قرى الكورد في مصر.. تاريخ يؤكد دورهم في النهضة وبناء المجتمعات وتأثيرهم في الشعوب
قرى الكورد في مصر.. تاريخ يؤكد دورهم في النهضة وبناء المجتمعات وتأثيرهم في الشعوب

تنتشر في الخريطة الجغرافية المصرية مدن وقرى وتجمعات سكنية تحمل اسم "الكردي" أو "الأكراد"، وهو ما يعكس الجذور التاريخية للتواجد الكوردي في مصر، والذي تعاظم خلال العصرين الأيوبي والمملوكي وتولي محمد علي باشا الحكم، حيث استقر العديد من الجنود والعلماء الكورد في أقاليم مصر المختلفة وصار اسمهم علامة على هذه المناطق.
تتصدر مدينة الكوردي بمحافظة الدقهلية هذه المناطق؛ إذ تحولت من قرية تاريخية تابعة لمركز دكرنس إلى مدينة مستقلة تضم أكثر من 35 ألف نسمة، ويعود سبب تسميتها إلى استقرار قبائل وعائلات ذات أصول كردية بها قديماً. وعلى مقربة منها تقع قرية (منية الكردي) التابعة لمركز منية النصر بالدقهلية، ويسكنها نحو 8 آلاف نسمة، وسُميت بذلك نسبة إلى أحد أعيان الكورد الذين استقروا بالمنطقة.

وفي إقليم الدلتا أيضاً، تبرز قرية (منشأة الكردي) بمركز كفر الزيات في محافظة الغربية، ويتجاوز عدد سكانها 10 آلاف نسمة، وتعود تسميتها إلى إقامة عائلة الكوردي بها وتأسيسها للقرية. كما تضم محافظة القليوبية قرية (كفر الأكراد) التابعة لمركز كفر شكر، ويبلغ عدد سكانها حوالي 6 آلاف نسمة، وسُميت بهذا الاسم نسبة إلى المعسكرات والبيوت التي أقامها الجنود الكورد في المنطقة قديماً.

أما في صعيد مصر، فيظهر التواجد التاريخي جلياً في محافظة أسيوط عبر قرية (بني زيد الأكراد) بمركز الفتح، والتي يتجاوز عدد سكانها 15 ألف نسمة، وقرية (جزيرة الأكراد) بالمركز نفسه، بآلاف السكان، حيث يعود سبب التسمية في القريتين إلى استقرار قبائل بني زيد الكوردية التي وفدت للصعيد وعملت بالزراعة والتجارة.
تتوزع كذلك عشرات العزب والنجوع الصغيرة باسم "عزبة الكردي" في محافظات مثل الشرقية والفيوم وسوهاج وكفر الشيخ، وتتراوح أعداد سكانها بين مئات وبضعة آلاف، وتعود تسميتها في الغالب إلى ملكية الأرض قديماً لعائلات تحمل لقب "الكردي".

 


بدأ هذا الحضور مع دخول القائد الكوردي صلاح الدين الأيوبي إلى مصر سنة 1169م، حين أصبحت القاهرة قاعدة للدولة الأيوبية. ولم يأت صلاح الدين وحده، بل رافقه قادة وجنود وعلماء وموظفون من أصول كوردية، استقر كثير منهم في مصر بعد انتهاء الحملات العسكرية، ومنحت لهم إقطاعات زراعية في الدلتا والصعيد، شأنهم شأن غيرهم من رجال الدولة. ومع مرور الزمن تحولت تلك الإقطاعات إلى قرى مستقرة، بينما اندمج أصحابها في المجتمع المصري، ولم يبق من وجودهم سوى أسماء الأماكن.
ويعد المؤرخ محمد رمزي في موسوعته الشهيرة "القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945" المرجع الأهم في تتبع تاريخ القرى المصرية وأسمائها وتبعيتها الإدارية. وقد اعتمد على مصادر أقدم، منها "التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية" لابن الجيعان، و"قوانين الدواوين" لابن مماتي، وسجلات الروك الناصري، وهو ما يجعل كتابه أساساً لفهم تطور أسماء القرى عبر العصور. غير أن رمزي كان يسجل تاريخ الاسم وتطوره الإداري، ولا يجزم دائماً بسبب التسمية أو الأصل العرقي للسكان، وهو ما يدعو إلى التمييز بين ما تثبته الوثائق وما يرجحه الباحثون.
ومن أشهر المواضع التي احتفظت بهذا الاسم مدينة (الكردي) بمحافظة الدقهلية، وهي مدينة قديمة تقع في شمال المحافظة بين المنزلة ومنية النصر. ويورد محمد رمزي تاريخها الإداري وتطورها ضمن قرى مديرية الدقهلية، بينما يرجح عدد من الباحثين أن اسمها ارتبط بجماعة كردية استوطنت المنطقة في العصر الأيوبي أو المملوكي. ومع مرور القرون تحولت إلى مدينة زراعية وتجارية، واختلط سكانها بغيرهم من أبناء الدلتا، ولم يعد الاسم يعبر عن أصل السكان بقدر ما يمثل أثراً تاريخياً باقياً.
وفي محافظة كفر الشيخ تقع قرية الكردي التابعة لمركز قلين.

 وهي نموذج آخر لاستمرار الاسم الكوردي في الريف المصري. ولا تختلف ظروف نشأتها كثيراً عن مدينة الكردي بالدقهلية، إذ يرجح أن جماعة من الكورد استقرت بها أو كانت صاحبة الإقطاع الزراعي الذي نشأت حوله القرية. ويشير القاموس الجغرافي إلى تاريخها الإداري وتبعيتها، بينما يظل تفسير سبب التسمية مرتبطاً بالقرائن التاريخية التي تشير إلى انتشار الإقطاعات العسكرية في العصر الأيوبي.

وفي محافظة الشرقية يلفت الانتباه اسم (كفر الأكراد)، الذي أشار إليه محمد رمزي عند حديثه عن أسماء القرى القديمة، مبيناً تطور الاسم وتغيره الإداري مع الزمن. ويعد هذا الاسم من أوضح الأدلة على أن بعض القرى المصرية حملت أسماء الجماعات التي استوطنتها، كما حملت قرى أخرى أسماء العرب والأشراف والمغاربة والترك.
أما في صعيد مصر، فتبرز (بني زيد الأكراد) بمحافظة أسيوط، وهو اسم يحمل دلالة خاصة، لأنه يجمع بين اسم قبيلة عربية وكلمة "الأكراد". ويرى الباحثون أن هذا الاسم يعكس حالة مبكرة من التعايش والاندماج، حيث استقرت جماعات كوردية إلى جوار قبائل عربية، ثم أصبح الاسمان جزءاً من هوية المكان. كما تظهر في أسيوط أيضاً أسماء مثل جزيرة (الأكراد)، وقرية (الأكراد)، وهو ما يدل على أن الوجود الكوردي لم يقتصر على القاهرة أو الدلتا، بل امتد إلى الصعيد مع توسع الإدارة الأيوبية ثم المملوكية.

 


وتشير كتب التاريخ، ومنها الخطط المقريزية، إلى وجود أحياء عرفت باسم (درب الأكراد)، و(حارة الأكراد) في القاهرة، وهي مناطق ارتبطت بإقامة بعض الفرق العسكرية الكوردية بالقرب من القلعة ومراكز الحكم. ومع مرور الزمن أصبحت هذه الأحياء جزءاً من النسيج العمراني للعاصمة، كما أصبحت أسماء القرى جزءاً من ذاكرة الريف المصري.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بعيداً عن طبيعة المجتمع المصري، الذي اعتاد إطلاق أسماء القبائل والجماعات على القرى التي أسستها أو عمرتها. ولهذا نجد في أنحاء البلاد قرى تحمل أسماء العرب، والأشراف، والجعافرة، والهوارة، والمغاربة، والترك، والكورد. ومع مرور الزمن اندمج الجميع في المجتمع المصري، بينما بقيت الأسماء وحدها شاهدة على أصولها التاريخية.
ومن المهم التأكيد على أن حمل القرية اسم "الكردي" أو "الأكراد" لا يعني أن سكانها الحاليين ينتمون إلى أصول كوردية. فقد مرت أكثر من ثمانية قرون على نشأة معظم هذه المواضع، شهدت خلالها مصر موجات متتالية من المصاهرة والهجرة والاختلاط، حتى ذابت الفوارق العرقية تماماً. ولهذا فإن هذه الأسماء أصبحت قيمة تاريخية وجغرافية أكثر منها توصيفاً للهوية السكانية.

وتبقى الحاجة قائمة إلى مشروع علمي يجمع كل القرى والكفور والنجوع والعزب التي تحمل أسماء كوردية في مصر، اعتماداً على القاموس الجغرافي لمحمد رمزي، وكتب ابن الجيعان وابن مماتي والمقريزي، وسجلات المساحة المصرية، لرسم خريطة متكاملة للوجود الكردي في الجغرافيا المصرية.

 فالجغرافيا كثيراً ما تحتفظ بما تنساه كتب التاريخ، وأسماء القرى ليست مجرد لافتات على الطرق، بل وثائق صامتة تروي كيف استقبلت مصر شعوباً وثقافات متعددة، ثم صهرتها في مجتمع واحد، حتى بقي الاسم شاهداً على الماضي، بينما أصبح الجميع جزءاً من الهوية المصرية.