نعم كوردستان خط أحمر… والشعب الكوردستاني مقدس
بعد إتمام الانسحاب الأمريكي من العراق، لا يحق لأحد أن يتحدث عن «سيادة» مكتملة، ولا عن «نصر» وطني، ولا عن «تحرير» من الوجود الأجنبي. فما يجري ليس نهاية حقبة، بل بداية فراغ خطير. ومن يدفع ثمن هذا الفراغ ليسوا الذين رفعوا الشعارات، بل العراقيون جميعاً، وفي مقدمتهم إقليم كوردستان، الذي يدرك أن الغد قد يكون أكثر قتامة من الأمس.
من يحتفلون اليوم بالانسحاب يتناسون أنهم لا يملكون جيشاً موحداً، ولا سلاحاً خارج سيطرة الميليشيات، ولا قراراً وطنياً مستقلاً. فكيف يُطلب من الكورد أن يثقوا بمستقبل تُدار فيه الدولة غير مكتملة، وتعتبر السلاح حقاً مقدساً لا يُنزع، بينما يُطالب الإقليم وحده بأن يقدّم ضمانات حسن نية؟
داعش لم يمت… إنه ينتظر
التقارير الأمنية تتحدث عن تضخم أعداد مسلحي داعش، وعن خلايا نائمة تستعد لاستغلال أي فراغ أمني. الانسحاب الأمريكي أضعف العمليات المشتركة، وقلّص قدرة التحالف على ضرب قيادات التنظيم، وفتح الباب أمام عودة سيناريو 2014. وقد حذّر فخامة الرئيس مسعود بارزاني من أن الانسحاب سيعيدنا إلى سيناريو 2012، وأن داعش قد يعود إلى الواجهة مجدداً. هذا ليس كلاماً سياسياً للتخويف، بل خلاصة تجربة مريرة دفع الكورد ثمنها دماءً وتهجيراً.
فهل يعقل أن يُطلق سراح هذا الوحش من قفصه، ثم يُلام الكورد على خوفهم من الغد؟ وهل من المنطقي أن يُطلب من أربيل أن تطمئن لدولة لا تستطيع نزع سلاح الميليشيات، ولا تضبط حدودها، ولا تحمي مواطنيها؟
الميليشيات… دولة داخل الدولة
لا يحتاج النفوذ الإقليمي إلى جيش يحتل بغداد. تكفيه ميليشيات ترفض تسليم سلاحها، وأحزاب موالية تنفذ أجنداته، وقيادات ظل ترتبط بجهات خارجية. في العراق اليوم، هناك سلاح خارج القانون، وقرار خارج الدولة، وولاءات خارج الحدود. وكل حديث عن «السيادة» يبقى ناقصاً ما دامت الميليشيات هي من يحدد متى يُنزع السلاح ومتى يبقى.
وهنا يبرز خطر التطرف ِالمسلح، لا كوصف لطائفة، بل كوصف لميليشيات وظّفت الطائفية لبناء إمارات سلاح، وفرض إرادتها على الدولة، وتهديد أي نموذج مخالف. هذا التطرف ليس أقل خطراً من داعش، لأنه لا يظهر بوجه الوحش، بل بوجه «الحليف» و«الحامي» و«صاحب الشرعية».
كوردستان… التجربة التي يريدون إفشالها
لماذا يهاجم الكتاب الشوفينيون كوردستان تحديداً؟ لماذا تنتهي كل أزمات العراق عند أربيل؟ لماذا لا يكتبون عن الميليشيات، وعن السلاح المنفلت، وعن الأحزاب التي تحكم بغير الدستور، وعن الفساد الذي ينهب ثروات العراق؟
السبب واضح: كوردستان هي التجربة الرائدة الوحيدة في العراق بعد 2003. إقليم دستوري، له برلمان وحكومة ومؤسسات وقوات أمنية. إقليم يحاول بناء ديمقراطية، ويحمي حقوق الإنسان، ويحترم التعددية، ويقدم نموذجاً مختلفاً في محيط يغرق في الفوضى والتطرف. هذا النموذج يُحرجهم، لأنه يكشف فشلهم، ولهذا يحاولون إفشاله أو تشويهه أو تحميله ما لا يحتمل.
كوردستان ليست «دولة ونصفاً»، وليست جسماً طارئاً على العراق. إنها إقليم اتحادي اعترف به الدستور العراقي منذ 2005. نقد حكومة الإقليم مشروع، ونقد الأحزاب الكوردية مشروع، لكن تحويل كوردستان نفسها إلى مشكلة، أو التعامل مع وجودها الدستوري وكأنه سبب فشل الدولة العراقية، أمر مرفوض.
كوردستان خط أحمر… مائة عام من الوجع
كوردستان ليست خطاً أحمر لأنها فوق النقد، بل لأنها جرح مفتوح منذ مائة عام. منذ معاهدة لوزان 1923، وتقسيم كوردستان بين دول، والشعب الكوردي يدفع ثمن كل تسوية سياسية لا يُستشار فيها. ثورة الشيخ محمود الحفيد، ثورات بارزان، جمهورية مهاباد 1946، أيلول 1961، اتفاقية الجزائر 1975، الأنفال 1988، حلبجة 1988، الانتفاضة 1991، التهجير والتعريب، المقابر الجماعية، ثم داعش 2014… كل هذه ليست فصولاً في كتاب تاريخ، بل ذاكرة حية لشعب لم يتوقف يوماً عن الدفاع عن أرضه وحريته.
في حلبجة، قُتل الآلاف بالسلاح الكيميائي. وفي الأنفال، هُجّر وشُرّد مئات الآلاف. وفي كركوك والمناطق المتنازع عليها، غُيّرت ديموغرافيا المدن. وفي 2014، وقف البيشمركة وحدهم تقريباً في وجه داعش، بينما كان الجميع ينتظر. هذه ليست مآسي قديمة، بل جراح لا تزال تنزف في وجدان كل كوردي.
الشعب الكوردستاني مقدس
الشعب الكوردستاني مقدس، لأنه منذ وجوده على هذه الأرض، لم يعرف يوماً غير النضال من أجل الحرية. مقدس لأنه قدّم ملايين الشهداء، وعشرات آلاف المفقودين، ومئات آلاف المهجرين، ومع ذلك لم يفقد الأمل. مقدس لأنه يحمل تاريخاً من الوجع، لكنه يبني في الوقت نفسه تجربة ديمقراطية ومؤسسات وبرلماناً وحياة مدنية.
نقد الحكومة والأحزاب حق ديمقراطي، لكن المساس بوجود الشعب الكوردي وحقوقه وتاريخه وتضحياته ليس نقداً، بل عدوان. والشعب الذي دفع هذا الثمن ليس مادة للسخرية، ولا شماعة لأزمات الآخرين.
الحماية الدولية… ضرورة لا ترف
في ظل هذا الفراغ، لم تعد الحماية الدولية لإقليم كوردستان ترفاً سياسياً، بل ضرورة أمنية وإنسانية. فالإقليم محاصر بين داعش الذي ينتظر، وميليشيات ترفض نزع السلاح، وأحزاب إسلامية موالية لقوى إقليمية تريد إخضاعه. ومن حق شعب كوردستان أن يطلب ضمانات دولية لحماية تجربته الديمقراطية، وحقوقه المكتسبة، ووجوده الدستوري.
الحماية الدولية لا تعني الانفصال، ولا تعني الوصاية، ولا تعني المساس بسيادة العراق. إنها تعني منع تكرار المآسي، وضمان عدم استخدام الفراغ الأمني لتصفية الحسابات، ووقف محاولات إفشال النموذج الكوردستاني. فمن يريد دولة عراقية قوية، عليه أن يدرك أن الدولة لا تصبح أقوى عندما يشعر أحد مكوناتها بأنه مهدد، بل عندما يشعر الجميع بأن الدستور يحميهم.
رسالة أخيرة… إلى كل الكتاب الشوفينيين
يا من تحوّلون كوردستان إلى شماعة لكل أزمة عراقية، ناقشوا واشنطن، ناقشوا الانسحاب، ناقشوا بغداد، ناقشوا الميليشيات، ناقشوا السلاح المنفلت، ناقشوا الفساد، ناقشوا الأحزاب التي باعت العراق. لكن لا تجعلوا كوردستان أصل المشكلة.
كوردستان ليست عقدة في طريق بناء العراق. كوردستان جزء من المعادلة العراقية التي اختارها الدستور بعد 2003. ومن يريد تغيير هذه المعادلة، فليطرح مشروعه بوضوح، وليذهب إلى الحوار الدستوري والسياسي، لا إلى السخرية من الإقليم أو تصويره عدواً.
والسؤال الذي يستحق أن نبحث عن إجابته جميعاً ليس: لماذا تخاف أربيل من الغد؟
بل: لماذا لا تزال أربيل قلقة من الغد بعد كل هذه السنوات؟
الجواب بسيط: لأن الدستور لا يُطبق، والسلاح خارج الدولة، والميليشيات تحكم، والحماية الدولية غائبة، وكوردستان تُترك وحدها في وجه التطرف والفراغ.
نعم كوردستان خط أحمر… والشعب الكوردستاني مقدس.
ليس لأنها فوق النقد، بل لأن وجودها الدستوري وحقوق شعبها وتاريخه وتضحياته ليست مادة للسخرية أو المساومة.