القضاء العراقي: الحصن الأخير للدولة في مواجهة الفساد

القضاء العراقي: الحصن الأخير للدولة في مواجهة الفساد
القضاء العراقي: الحصن الأخير للدولة في مواجهة الفساد

حين تتحرك المحاكم، لا يعود الفاسد أمام خصم سياسي يمكن مساومته، بل أمام القانون وحده، هناك لحظات في تاريخ الدول لا تكون مجرد أحداث عابرة، بل تتحول إلى نقطة فاصلة بين مرحلة وأخرى. ويبدو أن العراق يقف اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات، إذ لم يعد ما يجري في ملف مكافحة الفساد مجرد تصريحات سياسية أو حملات إعلامية موسمية، بل بدأ يأخذ شكلاً أكثر جدية وخطورة: الدولة تستعيد هيبتها عبر القضاء، والقانون يستعيد موقعه الطبيعي بوصفه السلطة التي تعلو على الجميع.

فالفساد لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق هيبة الدولة ذاتها، ويقوّض ثقة المواطن بمؤسساتها، ويحوّلها إلى أدوات تخدم أصحاب النفوذ بدلاً من خدمة الصالح العام، تاركاً المواطن يشعر بأن القانون يُطبَّق على الضعيف بينما يُفلت منه القوي. غير أن هذه المعادلة تتغير جذرياً حين يتحرك القضاء بجدية واستقلالية.

القضاء صوت الدولة حين تتكلم بلغة القانون

أقوى ما يمكن أن تمتلكه أي دولة ليس السلاح ولا المال ولا النفوذ السياسي، بل قضاء قادر على تطبيق القانون على الجميع دون استثناء. فحين يصل ملف فساد إلى القضاء، يخرج المتهم من دائرة المساومة السياسية والتأثير الإعلامي والعلاقات الشخصية، ليقف وحيداً أمام نص القانون. وهنا تحديداً تبدأ الهيبة الحقيقية للدولة، لأن القضاء القوي لا يحمي الحكومة أو المال العام فحسب، بل يحمي فكرة الدولة نفسها. فالدولة القادرة على محاسبة مسؤول كبير أو رجل أعمال نافذ أو صاحب نفوذ سياسي، تثبت لمواطنيها أن هناك مؤسسة تعلو على الجميع.

من هنا، لا ينبغي النظر إلى ما يجري اليوم باعتباره مجرد اعتقالات أو ملفات قضائية متفرقة، بل باعتباره محاولة جادة لإعادة بناء ميزان القوة داخل الدولة، بحيث تصبح سلطة القانون أعلى من سلطة العلاقات، وسلطة القضاء أقوى من سلطة المال، ومصلحة العراق أسمى من مصالح الأفراد.

الصولة على الفساد بداية لا نهاية

من أهم الرسائل التي ينبغي التوقف عندها، تأكيد رئيس الوزراء العراقي أن الحملة الحالية على الفساد ليست سوى بداية الطريق، وأن الحكومة ماضية في مكافحة الفساد واسترداد المال العام، ولا تتعامل مع هذه الجولة باعتبارها نهاية الملف.

وهذا بالضبط ما يحتاجه العراق، ذلك أن الفساد المتراكم عبر سنوات طويلة لا يمكن اجتثاثه بعملية واحدة أو بقرارات محدودة أو باعتقال عدد من الأشخاص؛ إنها معركة طويلة النفس تحتاج إلى إرادة دولة لا إرادة حكومة عابرة. فالرسالة الأهم ليست أن فاسدين تم توقيفهم، بل أن الدولة تقول بوضوح: «سنستمر». وهذه الكلمة تحديداً هي ما يجب أن يسمعها الفاسد أكثر من أي شيء آخر، لأنه يستطيع أن يراهن على ضعف الدولة وتغير الحكومات وتبدل التحالفات ومرور الزمن، لكنه لا يستطيع أن يواجه دولة تخبره صراحة بأنها لن تتوقف.

لا حصانة أمام القانون

من أخطر الأفكار التي ترسخت في العراق خلال السنوات الماضية، أن بعض أصحاب النفوذ باتوا يعتقدون أنهم أكبر من القانون. وهذه الفكرة يجب أن تنتهي؛ فلا منصب سياسي ينبغي أن يكون حصانة من الجريمة، ولا حزب ينبغي أن يكون ملجأً للفاسد، ولا علاقة شخصية ينبغي أن تحول دون العدالة، ولا ثروة ينبغي أن تتحول إلى درع، ولا تاريخ سياسي ينبغي أن يمحو جريمة مثبتة أمام القضاء. الحصانة الحقيقية يجب أن تكون للدولة لا للفاسد.

وفي هذا السياق، تبقى قرينة البراءة مبدأً أساسياً؛ فالاتهامات مكانها الطبيعي التحقيق والقضاء، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات. لكن إذا ثبتت الجريمة، فلا ينبغي أن يكون هناك أي تفاوض على العدالة.

استرداد المال العام لا يقل أهمية عن العقاب

السجن وحده لا يكفي. هذه نقطة جوهرية في هذه المعركة، فالفاسد الذي نهب أموال الشعب لا ينبغي أن تنتهي قضيته خلف القضبان فقط، بينما تبقى الأموال التي حصل عليها بطرق غير مشروعة بمنأى عن يد الدولة. المطلوب أن تتحرك مؤسسات الدولة لتتبع الأموال وكشف الأصول وملاحقة الشركات والعقارات والحسابات المرتبطة بالجريمة، واسترداد المال العام وفق القانون.

وهنا تكتسب عبارة رئيس الوزراء المتكررة معناها الكامل: «أموال الشعب يجب أن تعود إلى الشعب». فهذه ليست مجرد عبارة سياسية عابرة، بل جوهر العدالة الاقتصادية بعينها؛ إذ إن كل دينار مسروق من الدولة هو مدرسة لم تُبنَ، ومستشفى لم يُجهَّز، وطريق لم يُعبَّد، وفرصة عمل لم تُخلَق، ومشروع تنموي لم يرَ النور. ولذلك فإن استرداد الأموال لا يقل أهمية عن معاقبة مرتكبي جرائم الفساد.

درس عالمي: الثروة لا تمنح حصانة

تقدّم قضية رجل الأعمال الصيني هوي كا يان درساً عالمياً بالغ الدلالة. فهذا الرجل الذي كان من أبرز أثرياء الصين، وارتبط اسمه بإمبراطورية «إيفرغراند» العقارية، انتهى به الأمر إلى حكم بالسجن المؤبد ومصادرة أصوله في قضية شملت جرائم مالية وفساداً.

والرسالة التي تحملها هذه القضية بسيطة لكنها قاسية: الثروة لا تمنح حصانة. فالمال قد يصنع القصور والشركات والنفوذ، لكنه لا يستطيع شراء حكم قضائي لمصلحة صاحبه متى توافرت الأدلة وتحركت مؤسسات الدولة بجدية. وهذه رسالة ينبغي أن تصل إلى كل من يظن أن ثروته أو علاقاته أو موقعه السياسي قادرة على حمايته إلى الأبد.

الفاسد اليوم لا يخشى الحكومة فقط، بل يخشى المستقبل

قد يستطيع الفاسد مواجهة حملة أمنية عابرة، وقد يتكيف مع تغيّر سياسي، وقد يختبئ خلف علاقاته لفترة. لكن حين يصبح القضاء قوياً ومستقلاً، قادراً على فتح الملفات وتتبع الأموال وإصدار الأحكام وتنفيذها، يجد الفاسد نفسه أمام خصم مختلف تماماً: الزمن. والزمن في دولة القانون لا يعمل دائماً لمصلحة الفاسد؛ فقد يظن أن القضية انتهت لأنها لم تُفتح اليوم، لكنها قد تُفتح غداً، وقد يظن أن علاقاته تحميه الآن، لكن الأشخاص يتغيرون والمواقع تتبدل، وقد يظن أن أمواله باتت بعيدة المنال، لكن المؤسسات الرقابية الحديثة قادرة على تتبع مسارات الأموال والأصول. ولعل أخطر وهم يعيشه الفاسد هو اعتقاده بأن الإفلات من العقاب أمر مضمون.

حين يحمي القضاء الدولة من الداخل

واجه العراق أخطاراً جسيمة عبر عقود: الإرهاب، الحروب، الأزمات الاقتصادية، التدخلات الخارجية، والانقسامات السياسية. لكن هناك خطراً لا يقل عن ذلك كله: أن تنهار الدولة من الداخل بفعل الفساد. فالإرهاب يهاجم الدولة من الخارج، بينما الفساد يأكل مؤسساتها من الداخل؛ الإرهابي يقتل المواطن، أما الفاسد فيسرق مستقبله. الإرهابي يدمّر مؤسسة، أما الفساد فيفرغها من مضمونها. الإرهابي يستخدم القوة لإسقاط الدولة، أما الفاسد فيستخدم الدولة نفسها لتحقيق مصالحه الخاصة. ولذلك فإن القضاء حين يضرب الفساد، لا يلاحق مجرمين فحسب، بل يدافع عن كيان الدولة ذاته.

من هيبة الأشخاص إلى هيبة المؤسسات

يحتاج العراق إلى الانتقال من مرحلة كانت فيها الهيبة مرتبطة بالأشخاص، إلى مرحلة تصبح فيها الهيبة مرتبطة بالمؤسسات. لا حاجة لعراق يخشى فيه المواطن المسؤول، بل لعراق يحترم فيه المواطنُ المسؤولَ لأنه يمثل الدولة. ولا حاجة لفاسد يخشى سقوطه السياسي فقط، بل لفاسد يدرك أن سقوطه أمام القضاء يعني انهيار كل الحصانات الوهمية التي بناها حول نفسه.

ومن هنا تأتي أهمية استمرار هذه الحملة، إذ إن المكافحة الحقيقية للفساد ليست عملية أمنية تنتهي بانتهاء ساعاتها، بل مسار مستمر من التحقيق والمتابعة وملاحقة الأموال وإصدار الأحكام واستعادة المال العام، إلى أن تصبح فكرة الإفلات من العقاب نفسها جزءاً من الماضي.

العراق أمام اختبار تاريخي

ما يجري اليوم يمثل اختباراً حقيقياً للدولة العراقية. فإذا واصلت الحكومة دعم مكافحة الفساد، وواصل القضاء أداء دوره وفق القانون، وواصلت الأجهزة الرقابية والأمنية جمع الأدلة، وواصلت الدولة استرداد الأموال المنهوبة، فإن العراق يستطيع تحويل هذه اللحظة من حملة مؤقتة إلى بداية إصلاح تاريخي شامل.

والمطلوب ألا تتوقف هذه الحملة، وألا تبقى أسماء فوق طائلة القانون، وألا تتحول مكافحة الفساد إلى انتقائية أو تصفية حسابات سياسية، وقبل كل شيء أن يكون القانون هو السلاح الوحيد في هذه المعركة. فحين يكون القضاء قوياً، تكون الدولة قوية. وحين يكون مستقلاً، يصبح المواطن أكثر أماناً. وحين تُسترد الأموال، يستعيد الاقتصاد جزءاً من عافيته. وحين يُعاقب الفاسد، يتعلم المسؤول النزيه أن الدولة تقف إلى جانبه. وحين يدرك الجميع أن لا أحد فوق القانون، تبدأ الدولة الحقيقية بالتشكل.

خاتمة: انتصار الدولة على الفوضى

لا يحتاج العراق إلى صولة واحدة على الفساد، بل إلى صولة مستمرة، تجعل الفساد نفسه عاجزاً عن إعادة إنتاج نفسه من جديد. والرسالة التي ينبغي أن تبقى حاضرة: لن تكون الدولة قوية ما دام الفاسد أقوى منها، ولن يستعيد العراق عافيته ما لم تستعد العدالة هيبتها.

وإذا كان القضاء قد بدأ يثبت اليوم قدرته على حماية الدولة، فإن الواجب الوطني يقتضي أن يدعم الجميع هذه المؤسسة، ويحترموا أحكامها، ويتركوا لها مساحة العمل بعيداً عن الضغوط والتدخلات. فحين ينتصر القضاء، لا ينتصر شخص على شخص، بل تنتصر الدولة على الفوضى، وينتصر العراق على الفساد.