د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
مشروع كوردستاني كامل لواقع إقليمي جديد
إن إسقاط التحولات الجيواستراتيجية التي يفرضها مفهوم "الشرق الأوسط الجديد" على واقع القضية الكوردية يضعنا أمام مقاربة أكاديمية ووطنية جادة لفهم آليات تفكيك الهوية الكوردستانية وإعادة صياغة مرتكزاتها الحاضرة والمستقبلية.
لقد عانت الهوية الكوردستانية تاريخياً من سياقات قسرية فرضتها معادلات الهندسة الجغرافية الدولية والإقليمية، حيث تميز هذا التفكيك بتجزئة النسيج المجتمعي وتوزيع الشعب الكوردي بين دول قومية متعددة، مما انعكس سلباً على وحدة المشاعر الداخلية والتمايز الحضاري الذي يشكل جوهر الهوية وفق التعريفات الفلسفية والسوسيولوجية.
وإن الواقع الراهن يوضح أن خطورة هذه المشاريع لا تقف عند حدود اقتطاع الجغرافيا وتعديل توازنات القوى الإقليمية، بل تمتد لتستهدف الروح الداخلية للهوية عبر إنتاج مرجعيات متعددة ومتناقضة داخل الجسد الكوردي الواحد، لتغدو الهوية الجامعة عرضة للتآكل في مواجهة الاستقطابات الحزبية والمناطقية من جهة، وموجات العولمة والتحولات الرقمية العاصفة من جهة أخرى.
إن البنية المجتمعية الكوردستانية تقف اليوم عند لحظة فارقة تتجاوز مجرد البحث التقليدي عن تعريف الانتماء إلى خوض جدل عميق بين استمرارية الذات الوطنية وتحولاتها المعاصرة. وتكمن الإشكالية الهيكلية في أن طغيان الهويات الفرعية والأيديولوجية الحزبية أضعف قدرة المجتمع على بناء كتلة صلبة قادرة على تحديد أولويات المخاطر الشديدة التي تعصف بالمستقبل القومي.
ولعل ما يعمق هذا المأزق الأكاديمي والسياسي هو الاستسلام الافتراضي لواقع إقليمي شديد الاضطراب، يتعامل فيه مع إرهاصات "الشرق الأوسط الجديد" ببراغماتية مفرطة تجرد المشروع الوطني من أبعاده الثقافية والقيمية الأصيلة.
وتتجسد أبعاد هذا الاستسلام الفكري والبراغماتي في التعاطي مع التحولات الميدانية العاصفة، لا سيما سيناريوهات تسليم سلاح قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ودمجها في أطر الدولة، والتراجع الميداني والتفكيك التدريجي لغرفة عمليات التحالف الغربي في إقليم كوردستان.
إن هذه التطورات الميدانية لا تمثل مجرد تبدل في التكتيكات العسكرية، بل هي إعادة رسم قسرية لحدود القوة الكوردية، وسلب لأبرز مرتكزات الحماية الخارجية التي اتكأت عليها الكيان الكوردي لعقود، مما يضع الهوية السياسية والجيو-عسكرية للكورد أمام اختبار وجودي حقيقي يهدد بتجريد التجربة الكوردستانية من مظلتها الأمنية وإعادتها إلى مربع التبعية للدول المركزية.
وهنا يتجلى العمق الأكاديمي للمأزق الكوردي:
هل يستمر الرهان على حماية خارجية أثبتت التحولات الاستراتيجية عدم ديمومتها، أم يعاد صياغة الوعي الذاتي لبناء قوة ذاتية تتجاوز معادلة الاستقواء بالخارج إلى الاستقواء بالداخل؟
إن إعادة ضبط هذا التوازن تتطلب صياغة عقل جمعي كوردي قادر على الموازنة بين مقتضيات الحداثة والدفاع عن الخصوصية التاريخية والحضارية لكوردستان، بعيداً عن التشوهات الثقافية الناتجة عن الصراعات الأيديولوجية أو الانبهار بالقوالب الغربية الجاهزة. ولكي يستقيم مسار النهوض القومي في مواجهة تداعيات الانسحاب الغربي وتفكيك البنى العسكرية الخاصة، ينبغي إعادة صياغة مفهوم "التقدم" ليصبح مشروعاً كوردستانياً كاملاً يستند إلى مفهوم الدولة الوطنية الحداثية المؤسسة على قاعدة المواطنة وسيادة القانون، بحيث تستوعب التنوع الثقافي والديني والعرقي في كوردستان وتجعله مصدراً للثراء والتكامل لا ساحة للتصادم.
إن التقدم الكوردي المنشود في هذا العصر المتلاطم لا يقتصر على الانخراط المادي في مظاهر الثورة التكنولوجية أو بناء القوات المسلحة غير النظامية، بل يتمثل في توظيف المعرفة والصناعة والثقافة لخدمة مجتمع متماسك ومستدام، ينقل القضية الكوردية من ساحة البندقية والشرعيات الأوتوقراطية إلى ساحة الحوكمة الرشيدة والمؤسسية الدستورية.
إن حماية الهوية الكوردستانية في ظل إعادة تشكيل النظام الدولي والإقليمي وإعادة توزيع الأدوار في الشرق الأوسط لا تتأتى بالانكفاء على الذات أو الانجرار وراء الشعارات العاطفية، بل عبر الانتقال الواعي من مرحلة التحليل والتوصيف إلى مرحلة المأسسة الشاملة، وتحويل المكاسب القومية إلى أطر قانونية ودستورية عابرة للتقلبات الدولية، وبناء مشروع فكري وثقافي يضمن بقاء كوردستان فاعلاً حضارياً وسياسياً في مجتمع دولي يتجه نحو التعددية ومجتمعات المخاطر.