العراق بعد الثلاثين من أيلول

العراق بعد الثلاثين من أيلول
العراق بعد الثلاثين من أيلول

لو طرح سؤال: ماذا بعد الثلاثين من أيلول، على أي شخص وفي الحالة الطبيعية، ومهما كان قدر ونسبة ثقافته وتعلمه، سيكون الرد البديهي على هذا السؤال هو: الواحد من تشرين الأول/أكتوبر، الا ان هذا السؤال وفي الحالة العراقية، وتحديدا في هذه الأيام، أصبح يشكل هاجسا كبيرا لا يمكن للمواطن ان يتخيل توقعاته ان لم يتحقق ما يريده الفرد العراقي بعد هذا التاريخ، بل ولا يريد ان يفكر أصلا بتبعات الخطوات المتهورة التي من الممكن ان تعيد العراق الى نقطة الصفر.

الحديث هنا عن المهلة التي حددها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، لإنهاء مظاهر التسليح غير القانوني للميليشيات التي أصبحت تشكل خطرا كبيرا على امن ووحدة العراق وعلاقته بدول الجوار، بل مازالت تشكل تحديا يوقع العراق بين فكي كماشة، بمحاولات مستميتة لجره الى صراع إقليمي – دولي، من شأنه ان يقضي على ما تبقى من صورة الدولة، والتي تشوهت بفضل تصرفات هذه الفصائل المسلحة، والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه المعادلة هو: هل ستسلم هذه الفصائل أسلحتها، دون قيد او شرط، وستمتثل لأوامر القائد العام للقوات المسلحة بالاندماج مع الجيش في اطار المنظومة الدفاعية العراقية؟

وعلى الرغم من صعوبة الرد على هذا السؤال، الا انني أرى، بأن الموضوع لن يكون بهذه السهولة، وهو بحكم المستحيل، وخصوصا بعد أكثر من زيارة لأكثر من مسؤول إيراني الى بغداد، والحث على التنصل من هذا الموضوع، بل وعدم تسليم اية قطعة سلاح لحكومة (تستمر في علاقتها مع الولايات المتحدة الامريكية)، لطالما بقيت الأخيرة مسيطرة على الوضع السياسي والمالي والاقتصادي للعراق، ولطالما بقي سبب لما يسمى بـ(مقاومة المحتل).

لقد بينت الزيارات الأخيرة لقائد فيلق القدس ورئيس مجلس الشورى وممثل المرشد العام للثورة الإسلامية في ايران، مدى التوتر الذي يشوب هذه العملية، والقلق الذي أصاب الجانب الإيراني من تنفيذ هذا الطلب والقرار (والذي من المفروض ان يكون عراقيا بحتا)، بالأخذ بنظر الاعتبار، التناقض والتفاوت في التصريحات والمواقف التي تظهر بين الفينة والأخرى لقادة ومسؤولي الفصائل والأحزاب المدعومة منها، حيث كانت تؤكد في البداية على انها ستلتزم بكل ما سيأمر به القائد العام للقوات المسلحة، ليتغير الموقف الى الامتناع الكامل والتام لتسليم اية قطعة سلاح للحكومة، ثم الى شروط تبينها هذه الفصائل، بأن يتم تسليم ما تمتلكه هذه الفصائل من سلاح واعتدة، للحشد الشعبي.

كما ان الجانب الحكومي أيضا، ومع تأكيد إصرار القائد العام للقوات المسلحة، على ضرورة ان يكون العراق خاليا من السلاح غير القانوني، بعد الموعد المحدد (والذي يتزامن مع خروج آخر قوة قتالية لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الامريكية من العراق)، وعن طريق بعض المسؤولين، المح الى ان الموضوع قابل للنقاش، ومن الممكن ان يتحول (نزع السلاح او تسليمه)، الى (تنظيم هذه العملية)، وتنفيذ الخطة على مراحل، مع ضمان عدم المساس بالفصائل وقادتهم ومن يتبعهم، وهذا سيزيد الموضوع تعقيدا وخصوصا، ان استمرار وبقاء وقوة الكابينة الحكومية التي يترأسها علي الزيدي، مرهون بنجاح حملة مكافحة الفساد وكشف الفاسدين والتي اسماها بـ(صولة الفجر)، وتجريد الفصائل من أسلحتها.

وفي الجانب الآخر وبموازاة الضغوط الإيرانية وتحديدا بعد معركة الاستفزازات بين قاليباف والحلبوسي، تتضاعف الضغوط الامريكية على بغداد، وتظهر واشنطن بالموقف الحاسم، الرافض لوجود الفصائل والتعاون مع اية جهة او حكومة من الممكن ان تشترك في نشاط سياسي او اقتصادي مع هذه الاطراف غير القانونية، بل هي توسع يوميا قائمتها السوداء التي تدرج فيها أسماء شخصيات سياسية او عسكرية وامنية عراقية، بالإضافة الى مصارف ومؤسسات اقتصادية أصبحت في ذات القائمة، ليجد العراق نفسه محاصرا بين قوتين متنازعتين، يهدد صراعهما امن المنطقة بشكل عام، والعراق أولا، ويهدد بتبعات لا يمكن للعراق ان يتحملها.

ومع مراعاة المدة المحددة لخروج الامريكان، وما طالب الزيدي بتنفيذه في ذات المدة، والتحدي الأكبر بين واشنطن وطهران، وازدياد حدة وجدية هذا التحدي، بعد كل ازمة سياسية او اقتصادية تصيب ايران، تتوضح الصورة القاتمة للواقع العراقي، باستحالة إمكانية خضوع الفصائل، لما تريده حكومة الزيدي، وهذا يعني ان هذه الحكومة قد فشلت في أولى واهم الاختبارات التي سخرت لها كل الإمكانيات المادية والمعنوية لإنجاحها، وفي المقابل يعني، انتصارا ساحقا حققته الفصائل لتثبت مدى قوتها وقوة النفوذ الإقليمي لها في العمق العراقي، والذي سيؤهلها الى تجاوز كل الحدود في داخل وخارج حدود الدولة، وبالتالي، سيكون من السهل عليها ان تهاجم أي هدف تراه يشكل تهديدا لها، او لمن يمولها، وهنا اقصد دول الخليج وبشكل أوضح، المملكة العربية السعودية.

ان الواقع الذي يعيشه العراق اليوم، ما بين امل في بسط سيادة الدولة لدى المواطن البسيط، والتوتر الذي تعيشه الحكومة خوفا من فشلها في هذا الاختبار الصعب، يبين مدى هشاشة الإرادة الوطنية، والتي من المفترض ان تتجسد في موقف موحد من قبل الأطراف والأحزاب السياسية العراقية في داخل وخارج مجلس النواب، لتكون عونا ودعما لحكومة، من المفروض ان تمثل كامل الطيف العراقي، في تطبيق امر يثبت ويدعم من سيطرة الدولة وسيادتها، ويبعث برسائل سلبية لجميع دول الجوار والدول التي تربطها علاقات سياسية واقتصادية ومصالح متبادلة مع العراق، بأن العراق، غير قادر على حماية مصالحه وبالتالي، لا يمكن الوثوق به في حماية مصالح هذه الدول التي من الممكن ان تبتعد شيئا فشيئا عن العراق، وتمهد لواقع سيزيد من الهوة والفجوة السياسية والمجتمعية، مهددا بذلك استمرار الدولة، بل وجودها أصلا.

وبمراجعة كل المعطيات المتوفرة، وتوقع ما سيحدث بعد انتهاء المدة المحددة لخروج الامريكان، وبسط سلطة الدولة وقانونها، سيكون التوتر هو سيد الموقف، باعتبار ان الفصائل مازالت مصرة على موقفها الرافض للخضوع الى الدولة، غير مهتمة للدستور والقوانين النافذة للدولة والصلاحيات العسكرية والأمنية للقائد العام للقوات المسلحة، كما ان الجانب الأمريكي وهو الطرف الأقوى في هذه المعادلة، مازال مصرا أيضا على ربط دعمه وتعاونه مع الحكومة العراقية، بانتهاء المظاهر المسلحة في خارج اطار الدولة، ومن يمثل الحكومة، يبين بأنها جادة في تنفيذ ما بدأت به (على الرغم من استمرار التهديد على ما لا يتفق مع مصالح الفصائل في داخل وخارج العراق)، ليأخذ الموضوع منحى شديد الخطورة، يهدد حياة المواطن، ويستثمر كل ما يتعلق بالانتماء الحزبي والروحي او المذهبي، لبسط سلطة الفوضى في بلد من المفترض ان يحكمه دستور ومؤسسات، باتت مغيبة بفعل سطوة الفصائل.

وفي الرمق الأخير، وبعد الثلاثين من سبتمبر، تراهن الفصائل على المواجهة المسلحة مع الامريكان (وان كان ما يشاع في اطار الاعلام فقط)، ولن تمانع واشنطن في الدخول الى أي صراع او معارك مسلحة مع هذه الفصائل، بعد كل العقوبات التي فرضتها على مصادر تمويلها، وبالتالي، فأن شارك الجيش العراقي بقوته النظامية مع الامريكان، ستكون الصورة بمثابة الحرب الاهلية، وان لم تشارك فسيكون الوضع اشبه باحتلال يعيد الى الذاكرة، حال العراق قبل عام 2011، والتحكم الكلي والكامل لواشنطن بالوضع العراقي، وستكون الدولة بكافة مؤسساتها وأجزاء هيكلها، مغيبة تماما عن اتخاذ قرار يخص حاضرها ومستقبلها.