ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
من القبيلة إلى الدولة: جدلية السلطة في الشرق الأوسط وكوردستان
لم يكن الانتقال من النظام القبلي إلى النظام الدولتي في الشرق الأوسط وكوردستان انتقالًا خطيًا من مجتمع قبلي إلى دولة حديثة، كما توحي بعض القراءات التي تفترض وجود مرحلة قبلية تعقبها مرحلة دولية مستقرة، وإنما كان مسارًا تاريخيًا طويلًا ومعقدًا تداخلت فيه الدولة المركزية مع القوى المحلية، وتنازعت فيه السلطة بين الولاة والقادة العسكريين والأمراء ورؤساء القبائل والعشائر والزعامات الدينية، ثم انتقلت هذه العلاقة في العصر الحديث إلى الأحزاب السياسية والمؤسسات الحكومية. ومن ثم فإن المشكلة الأساسية لم تكن دائمًا في وجود القبيلة في مواجهة الدولة، وإنما في تحديد الجهة التي تمتلك القدرة الفعلية على إدارة المجتمع، وجمع الموارد، وفرض القانون، وتوفير الحماية، وتعبئة القوة العسكرية، وتعيين المسؤولين، وإدارة العلاقات بين المركز والأطراف. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى التاريخ السياسي للشرق الأوسط باعتباره تاريخًا متواصلًا لإعادة توزيع السلطة بين المركز والقوى الاجتماعية والمحلية، وليس مجرد انتقال من «القبيلة» إلى «الدولة».
لقد احتفظت القبيلة والعشيرة في المجتمعات الشرقية بقدرة كبيرة على تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية، ولم تكن مجرد جماعة قرابية محدودة التأثير. فقد استطاع رئيس القبيلة أن يمارس سلطة واسعة على أتباعه، وأن يوفر الحماية ويحل النزاعات ويحشد الرجال في الحرب، وأن يتفاوض مع السلطة المركزية باعتباره ممثلًا لقوة اجتماعية لا يمكن تجاهلها. وفي المقابل كانت الدولة، سواء أكانت خلافة أو سلطنة أو إمبراطورية، تسعى إلى إخضاع هذه القوى لسلطتها من خلال الولاة والقادة العسكريين ونظام الضرائب والتجنيد والقضاء والإدارة المحلية. ولذلك كانت العلاقة بين الدولة والقبيلة قائمة على مزيج من الصراع والتعاون والتحالف والاحتواء. فالوالي يحتاج إلى القبيلة عند الحرب أو عند بسط الأمن في الأطراف، ورئيس القبيلة يحتاج إلى الدولة لتثبيت نفوذه والحصول على الاعتراف أو الامتيازات، ومن هنا نشأت علاقة تبادلية قد تتحول إلى صراع عندما يحاول أحد الطرفين توسيع سلطته على حساب الآخر.
ولم يكن هذا النموذج خاصًا بالتاريخ الإسلامي، إذ عرفت أوروبا هي الأخرى صراعًا طويلًا بين السلطة المركزية والقوى المحلية، وإن اختلفت طبيعة هذه القوى من منطقة إلى أخرى. فقد واجه الملوك الأوروبيون نفوذ الإقطاعيين والنبلاء والمدن المستقلة والقوى المحلية، كما واجهت الدولة الحديثة مشكلة إخضاع الجيوش المحلية والامتيازات الإقليمية للقانون والمؤسسات المركزية. ولذلك فإن المقارنة لا ينبغي أن تقوم على مساواة القبيلة بالإقطاع، وإنما على دراسة المشكلة المشتركة المتعلقة ببناء الدولة: كيف تنتقل السلطة من جماعات محلية متعددة إلى جهاز مركزي يمتلك احتكارًا متزايدًا للقوة والإدارة والجباية والقضاء؟ وهذه المشكلة تظهر بوضوح في تاريخ الشرق الأوسط، حيث ظل المركز في أحيان كثيرة بحاجة إلى القوى المحلية حتى بعد قيام مؤسسات الدولة.
وتتضح هذه المسألة بصورة أكبر في الحالة الكوردستانية، لأن الإمارات الكوردية مثّلت مرحلة وسيطة بين التنظيمات القبلية والمحلية وبين الدولة الإمبراطورية. فلم تكن الإمارة مجرد قبيلة كبيرة، كما لا يصح اعتبارها دولة حديثة بالمعنى المؤسسي المعاصر، وإنما كانت تركيبًا سياسيًا يجمع الزعامة الوراثية والقوة العسكرية والعلاقات القبلية والمحلية مع الاعتراف بسيادة الدولة العثمانية أو الصفوية. وقد عرفت مناطق كوردستان إمارات مثل: بهدينان وبابان وسوران وبوتان، امتلك بعضها قدرًا واسعًا من الاستقلال في إدارة شؤونه الداخلية، مع احتفاظ الدولة الإمبراطورية بحقوق السيادة العامة. ويشير الباحث التركي "صبري عتيق" إلى أن الإمارات الكوردية كانت من أطول أشكال الإدارة المحلية غير المباشرة استمرارًا، وأن الدولة العثمانية اعتمدت على القوى المحلية في إدارة مناطق واسعة قبل أن تؤدي نشأة الدولة الحديثة وتوسع مؤسساتها إلى تقليص الحاجة إلى هذا الشكل من الحكم غير المباشر.
ومن هنا فإن الإمارة الكوردية كانت تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهي من جهة تمثل السلطة المحلية، ومن جهة أخرى تعمل باعتبارها حلقة اتصال بين المجتمع المحلي والدولة الإمبراطورية. وكان الأمير يعتمد على القبائل والعشائر والقوى الدينية والمحلية لتثبيت سلطته، في حين تعتمد الدولة عليه في حفظ الأمن وجمع الموارد وتأمين الحدود وتوفير القوة العسكرية عند الحاجة. ولهذا لم تكن العلاقة بين الأمير والقبيلة علاقة صراع دائم، بل كانت في كثير من الأحيان علاقة تكامل، وإن كانت محفوفة بالمنافسة. فالأمير يحتاج إلى رؤساء القبائل، لكن هؤلاء لا يقبلون بالضرورة الخضوع الكامل له، والدولة تحتاج إلى الأمير، لكنها لا ترغب في أن يتحول إلى سلطة مستقلة تنافسها.
وقد أدى التحول في الدولة العثمانية، ولا سيما منذ عهد السلطان محمود الثاني ثم إصلاحات التنظيمات، إلى تغيير هذه المعادلة. فقد اتجهت الدولة نحو إلغاء أشكال السلطة المحلية التي تحد من قدرتها على الإدارة المباشرة، وبدأت عملية مركزية واسعة استهدفت الأعيان والأمراء والقوى العسكرية المحلية. وفي كردستان انعكس ذلك في الصراع مع الإمارات الكوردية، ولا سيما بوتان وبابان. ويبين "متين أتماجا" أن مقاومة المركزية العثمانية في كردستان استمرت حتى منتصف القرن التاسع عشر، وأن إمارة بابان كانت من آخر الإمارات التي تخلت عن مقاومتها للإصلاحات المركزية، كما أن إصلاحات التنظيمات أدت جزئيًا إلى تحويل بعض الأعيان الكرد إلى موظفين في جهاز الدولة، لكنها لم تنجح بسهولة في إقناع السكان بالنظام الإداري الجديد.
وهنا تظهر إحدى أهم النتائج التي تساعد على فهم التاريخ السياسي الكردي: إن القضاء على الإمارة لم يؤدِّ بالضرورة إلى القضاء على البنية الاجتماعية التي قامت عليها الإمارة. فقد انتهى دور الأمير بوصفه صاحب سلطة إقليمية شبه مستقلة، لكن القبيلة والعشيرة ورئيسها لم يختفوا من الحياة السياسية. بل إن الفراغ الذي نتج عن إزالة الإمارات أتاح في بعض المناطق انتقال جانب من النفوذ إلى رؤساء القبائل والشيوخ والزعامات الدينية. وبعبارة أخرى، لم يكن سقوط الإمارة نهاية للسلطة المحلية، وإنما كان إعادة تشكيل لها. انتقلت العلاقة من «الأمير والدولة» إلى «رئيس القبيلة والدولة»، ومن السلطة الإقليمية للإمارة إلى شبكات محلية أكثر تعقيدًا.
وهذا يفسر استمرار أهمية الزعامات القبلية والعشائرية في كوردستان خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فالدولة العثمانية نفسها لم تستطع دائمًا الاستغناء عن هذه القوى، بل استخدمتها في بعض المراحل أداة للسيطرة على الأطراف ومواجهة الخصوم. وهكذا نجد أن الدولة التي كانت تعمل على المركزية في الوقت نفسه كانت تضطر إلى التفاوض مع القوى المحلية والاستعانة بها. وهذه المفارقة ليست خاصة بالدولة العثمانية، وإنما هي إحدى السمات العامة لبناء الدولة في المجتمعات التي كانت فيها مؤسسات المركز محدودة القدرة على الوصول المباشر إلى الأطراف.
ومع دخول القرن العشرين وظهور الحركات القومية الكردية، تغيرت طبيعة الصراع تدريجيًا، إذ ظهرت الأحزاب السياسية والتنظيمات الحديثة بوصفها أدوات جديدة للتعبئة والتنظيم. وقد يبدو للوهلة الأولى أن ظهور الحزب القومي أو اليساري يمثل قطيعة كاملة مع النظام القبلي والعشائري، لأن الحزب الحديث يقوم نظريًا على العضوية السياسية والفكر والعقيدة والتنظيم، لا على القرابة والنسب. إلا أن التجربة الكوردية تكشف أن الانتقال لم يكن بهذه البساطة. فقد دخلت البنية العشائرية في علاقة جديدة مع الحزب، وأصبحت بعض الزعامات التقليدية جزءًا من البنية السياسية الحديثة، كما تمكنت الأحزاب من استثمار العلاقات العشائرية في التجنيد والتعبئة والحرب والانتخابات.
ومن الخطأ، في الوقت نفسه، اختزال الأحزاب الكوردية الحديثة في كونها مجرد امتداد للقبيلة. فالحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، مثلًا، نشآ في سياقات سياسية وفكرية حديثة، وتأثرا بالقومية الكوردية والتيارات اليسارية والاشتراكية والصراعات الإقليمية والدولية. غير أن حداثة التنظيم الحزبي لم تمنع استمرار العلاقات العائلية والعشائرية والمناطقية. ولذلك فإن التفسير الأدق لا يقوم على القول إن «الحزب قبلي»، وإنما على القول إن الحزب الحديث اضطر إلى العمل داخل مجتمع ما زالت فيه الروابط التقليدية مؤثرة، فأعاد توظيفها وإدماجها في بنيته السياسية.
وتتضح هذه المسألة بجلاء في تجربة الحركة الكوردية العراقية بعد منتصف القرن العشرين. فقد أدى الانقسام داخل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في ستينيات القرن الماضي إلى ظهور تنافس بين اتجاهات سياسية مختلفة، كان أحد أطرافها أكثر ارتباطًا بالقيادة التقليدية للزعيم الكردي ملا مصطفى البارزاني، في حين برز في الطرف الآخر تيار المكتب السياسي المرتبط بإبراهيم أحمد وجلال طالباني. ولم يكن الصراع مجرد خلاف أيديولوجي بين «يمين» و«يسار»، بل كان أيضًا صراعًا حول طبيعة القيادة وآليات اتخاذ القرار والعلاقة بين القيادة المركزية والقوى المحلية. ولذلك فإن الانشقاق لا يمكن فهمه بعيدًا عن التفاعل بين البنية الحزبية الحديثة وشبكات النفوذ التقليدية.
وهنا تظهر أهمية الحالة الكوردية بالنسبة إلى دراسة العلاقة بين النظام الدولتي والنظام القبلي؛ إذ إن الأحزاب التي جاءت وهي تحمل خطابًا حديثًا، بل ويساريًا في بعض الحالات، لم تستطع إلغاء البنية الاجتماعية التقليدية. فالتحول من القبيلة إلى الحزب لم يكن تحولًا كاملًا، وإنما كان انتقالًا جزئيًا من «القبيلة المستقلة» إلى «القبيلة داخل الحزب». وقد يستطيع الحزب أحيانًا أن يضعف سلطة الزعيم القبلي، لكنه في أحيان أخرى يحتاج إليه للحصول على التأييد المحلي أو القوة المسلحة أو النفوذ الاجتماعي. وهكذا يصبح الحزب وسيطًا جديدًا بين الدولة والمجتمع، لكنه لا يلغي الوسطاء التقليديين بالضرورة.
وتزداد المسألة تعقيدًا عندما يتحول الحزب نفسه إلى قوة حاكمة. ففي هذه الحالة لا تعود العلاقة ثلاثية بين الدولة والقبيلة والحزب، وإنما تصبح شبكة أكثر تعقيدًا تضم الدولة والحزب والزعامة المحلية والمجتمع. وقد ظهرت هذه الظاهرة بصورة واضحة في إقليم كوردستان العراق بعد عام 1991م، عندما تحولت الأحزاب السياسية الرئيسية إلى قوى حاكمة تملك مؤسسات وأجهزة أمنية وعسكرية وشبكات اقتصادية واجتماعية. وبعد الصراع الداخلي في تسعينيات القرن العشرين، نشأت لفترة منطقتان نفوذيتان ارتبطتا بالحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، قبل أن تتقدم عملية توحيد مؤسسات الإقليم. وتوضح الدراسات الحديثة أن المؤسسات الرسمية في الإقليم ظلت متأثرة بتوازنات الحزبين وبترتيبات تقاسم السلطة، الأمر الذي يجعل عملية بناء الدولة مختلفة عن نموذج الدولة المركزية التقليدية.
ومن ثم فإن المشكلة لا تكمن في وجود القبيلة بحد ذاتها، وإنما في استمرار تعدد مراكز السلطة. فالدولة الحديثة تقوم نظريًا على وجود مؤسسات موحدة تحتكر القوة والقانون والجباية والإدارة، بينما يمكن أن تستمر في الواقع قوى حزبية أو عشائرية أو محلية تمتلك قدرة مستقلة على التأثير. وعندما تكون الدولة ضعيفة أو مؤسساتها غير مكتملة، تصبح هذه القوى أكثر أهمية، كما أظهرت تجارب متعددة في العراق بعد 2003م، حيث أدى انهيار بعض مؤسسات الدولة إلى صعود قوى اجتماعية محلية قادرة على ملء الفراغ السياسي والأمني.
ولذلك فإن عجز التيارات الليبرالية واليسارية عن تجاوز العلاقات القبلية والعشائرية في كوردستان لا ينبغي تفسيره فقط بضعف تلك التيارات فكريًا أو تنظيميًا، بل ينبغي ربطه بالبنية الاجتماعية والسياسية التي عملت داخلها. فالتيار السياسي مهما كان حديثًا يحتاج إلى قاعدة اجتماعية، وإذا كانت هذه القاعدة منظمة تاريخيًا حول العائلة والعشيرة والمنطقة والزعامة الدينية، فإن الحزب يجد نفسه مضطرًا إلى التعامل معها؛ ولهذا يمكن أن يتخذ الحزب خطابًا ليبراليًا أو يساريًا حديثًا، لكنه يستخدم في الممارسة شبكات اجتماعية تقليدية للوصول إلى المجتمع.
وعليه، فإن التاريخ السياسي لكوردستان لا يمكن اختزاله في مسار بسيط يبدأ بالقبيلة وينتهي بالدولة. الأدق أنه تاريخ لإعادة إنتاج العلاقات القديمة داخل مؤسسات جديدة. فقد انتقلت السلطة من القبيلة إلى الإمارة في بعض المناطق، ثم من الإمارة إلى الدولة الإمبراطورية، وبعد انهيار الإمارات عادت القوى العشائرية والزعامات الدينية إلى الواجهة بأشكال جديدة، ثم ظهر الحزب السياسي باعتباره إطارًا حديثًا للتنظيم، غير أنه دخل بدوره في علاقة مع البنية العشائرية والمناطقية، ثم تحول الحزب في مرحلة لاحقة إلى أحد مكونات السلطة الحاكمة. وبذلك يمكن تصور المسار التاريخي على النحو الآتي: القبيلة، ثم الإمارة، ثم الدولة الإمبراطورية، ثم الدولة المركزية، ثم الحزب، ثم الدولة الحزبية أو الدولة الإقليمية؛ لكن هذه المراحل ليست متعاقبة بصورة نهائية، بل تتداخل وتعيش جنبًا إلى جنب.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التاريخ الكوردي باعتباره جزءًا من مشكلة أوسع في تاريخ الشرق الأوسط، وهي مشكلة الانتقال من نظام تعدد مراكز السلطة إلى نظام الدولة الحديثة. فالدولة لم تقضِ تمامًا على القبيلة، والحزب لم يقضِ عليها، كما أن قيام المؤسسات الحديثة لم يؤدِّ بالضرورة إلى اختفاء الزعامات المحلية. وإنما تغير موقع هذه القوى ووظيفتها. فالقبيلة التي كانت في الماضي قوة سياسية وعسكرية مستقلة قد تتحول إلى شبكة انتخابية أو اجتماعية، ورئيس القبيلة الذي كان يمارس سلطة مباشرة قد يصبح وسيطًا بين الحزب والمجتمع، والحزب الذي كان تنظيمًا معارضًا قد يتحول إلى مؤسسة حاكمة، بينما تبقى الدولة في حاجة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين هذه المستويات المختلفة.
ومن هنا فإن السؤال الأساسي في دراسة الدولة والقبيلة في الشرق الأوسط وكوردستان ليس: «هل انتهى النظام القبلي؟» وإنما: «كيف أعادت الدولة والأحزاب إنتاج العلاقة مع القبيلة؟». فهذا السؤال يفتح مجالًا لفهم أعمق للتاريخ السياسي، بعيدًا عن ثنائية الحداثة والتقليد. فالتقليدي لا يختفي بمجرد ظهور الحديث، والحديث لا يعمل في فراغ اجتماعي، بل يتشكل داخل المجتمع القائم ويعيد تشكيله في الوقت نفسه.
وبذلك يمكن القول إن تاريخ بناء الدولة في كوردستان لم يكن تاريخ انتقال كامل من القبيلة إلى الدولة، وإنما كان تاريخ انتقال القبيلة والقوى المحلية من موقع إلى آخر داخل النظام السياسي؛ من القبيلة بوصفها قوة اجتماعية مستقلة، إلى القبيلة داخل الإمارة، ثم إلى القبيلة في مواجهة الدولة المركزية، ثم إلى الزعامة المحلية داخل الحزب، وأخيرًا إلى شبكات اجتماعية وسياسية تعمل داخل مؤسسات الدولة الحديثة. وهذه النتيجة تجعل التجربة الكوردستانية نموذجًا مهمًا لدراسة العلاقة بين المركز والأطراف في الشرق الأوسط، وتوضح أن نجاح الدولة الحديثة لا يقاس بمجرد وجود مؤسسات رسمية، وإنما بقدرتها على تحويل الولاءات المتعددة إلى ولاء مؤسسي عام، وعلى جعل القانون والمؤسسات أقوى من الأشخاص والعائلات والأحزاب والجماعات المحلية. وعندما لا يتحقق ذلك بصورة كاملة، فإن النظام القبلي لا يختفي، بل يعيد إنتاج نفسه داخل النظام الدولتي بأشكال جديدة، وقد يتحول الصراع من «الدولة والقبيلة» إلى «الدولة والحزب والقبيلة»، وهي إحدى أهم السمات التي تميز التاريخ السياسي الحديث في كوردستان والعراق والشرق الأوسط عمومًا.