أرسلان درويش
كاتب ومخرج مسرحي
(بيت أبو عبدالله ) حين يتكلم الجدار ويقاوم الجسد أنس عبدالصمد ومسرح المستحيل من مغايرة الصورة إلى صناعة المعنى
في حضور عراقي جديد على خريطة المسرح العربي، تشارك دائرة السينما والمسرح/الفرقة الوطنية للتمثيل بمسرحية (بيت أبو عبدالله) في مسابقة (العروض الكبرى) ضمن مهرجان ظفار الدولي للمسرح في دورته الثانية المقامة حاليا في سلطنة عُمان، حاملةً معها تجربة سبق أن اختبرت حضورها في أكثر من سياق مهرجاني، من مهرجان بغداد الدولي للمسرح إلى أيام قرطاج المسرحية في تونس ، قبل أن تواصل رحلتها في ظفار بوصفها عرضاً لا يستمد أهميته من تعدد مشاركاته فحسب، وإنما من خصوصية لغته المسرحية التي اختارت أن تجعل من الجسد والصورة والفضاء والضوء والصمت أدوات أساسية لإنتاج المعنى. والعمل، تأليفاً وإخراجاً، للفنان أنس عبد الصمد، ويشارك في أدائه ماجد درندش، د. محمد عمر، ثريا بوغانمي، وأنس عبد الصمد، إلى جانب مجموعة من الممثلين الشباب، فيما يتولى د. علي محمود السوداني الاشتغال السينوغرافي وتصميم الإضاءة، ورشوان فؤاد التأليف الموسيقي وتصميم المؤثرات الصوتية، ضمن إنتاج المؤسسة المسرحية الوطنية. وقد عزز العرض مساره بحصوله على التانيت الفضي في الدورة الخامسة والعشرين لأيام قرطاج المسرحية عام 2024، ثم نيله في مهرجان بغداد الدولي للمسرح جائزة أفضل إخراج لأنس عبد الصمد وأفضل سينوغرافيا لد. علي محمود السوداني، مع ترشيحه لجائزة أفضل عمل متكامل. ومن هذه المحطات لا تأتي المشاركة في ظفار بوصفها إضافة رقمية إلى سجل العرض، بل باعتبارها فرصة جديدة لاختبار تجربة عراقية تنتمي في منطلقاتها إلى مختبر التجريب، لكنها تراهن في وصولها إلى المتلقي العربي على لغة تتجاوز الحدود المحلية دون أن تفقد جذورها.
لم أكتب عن (بيت أبو عبدالله) مباشرة بعد مشاهدته. فقد مضى على تلك المشاهدة نحو عامين، وهي مسافة زمنية كافية لكي يتحول العرض من واقعة مسرحية إلى أثر، ومن لحظة مشاهدة إلى سؤال يستعيد نفسه كلما عادت صورة من صوره إلى الذاكرة. ثمة عروض تنتهي بانطفاء الضوء الأخير، وثمة عروض أخرى لا تبدأ حياتها الحقيقية إلا بعد أن يغادر المتفرج القاعة. ولعل هذا الأثر المؤجل هو الذي أعادني إلى العرض، متزامناً مع حضوره في مهرجان ظفارالدولي للمسرح ، لا لأستعيد ما جرى أمام عيني، بل لأصغي إلى ما ظل يجري في الذاكرة بعد انتهاء العرض.
وإذا كان المسرح العراقي قد عرف خلال عقود طويلة، مسارات متعددة للمغايرة، فإن هذه المغايرة لم تكن شكلاً واحداً ولا مدرسة مغلقة. لقد جاءت أحياناً من تفكيك السرد، وأحياناً من إعادة تشكيل علاقة الممثل بالفضاء، ومن تحويل السينوغرافيا إلى لغة قائمة بذاتها، ومن المغامرة في مسرح الصورة، أو من استثمار الجسد خارج الوظيفة التقليدية للشخصية والحوار. ثم في مسارات أكثر تجريبية لدى أجيال لاحقة، ظل السؤال واحداً في جوهره وإن اختلفت الأجوبة: كيف يمكن للمسرح أن يستعيد قدرته على الدهشة حين تصبح الأشكال الموروثة عاجزة عن حمل التحولات الجديدة في الإنسان والمدينة والذاكرة؟
غير أن المغايرة لا تعني بالضرورة القطيعة مع ما سبق. إنها، في معناها الأعمق، إعادة ترتيب للعناصر التي اعتدنا رؤيتها معاً. قد يبقى الجسد نفسه، لكن تتغير وظيفته؛ وقد يبقى المكان نفسه، لكن يتغير نظامه الدلالي؛ وقد تظل الحكاية كامنة، لكنها تتخلى عن مركزيتها لمصلحة الصورة والإيقاع والفراغ والصمت. لذلك فإن تاريخ المغايرة في المسرح العراقي لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه تاريخاً للانفصال، وإنما بوصفه تاريخاً لتحولات النظر إلى المسرح نفسه.
وفي هذا السياق تبرز تجربة الفنان أنس عبدالصمد بوصفها واحدة من أكثر التجارب العراقية إصراراً على دفع المسرح نحو منطقة لا تستقر فيها اللغة على شكلها المعتاد. فمنذ تجاربه مع (مسرح المستحيل) لم يتعامل عبدالصمد مع الجسد باعتباره تابعاً للكلمة، بل دفعه إلى أن يصبح خطاباً قائماً بذاته. وقد تأسست فرقة (مسرح المستحيل) منذ تسعينيات القرن الماضي، وارتبطت تجربتها باشتغال واضح على التعبير الجسدي، وبناء العرض عبر الحركة والصورة والإيماءة والفضاء. فعروض مثل (حلم في بغداد) و (صمت كالبكاء) و (توبيخ) و(نعم كودو) وغيرها، هي محطات في مشروع أخذ يختبر باستمرار إمكانات الأداء غير القائم على مركزية الكلمة.
ولعل (بيت أبو عبدالله) يمثل إحدى أكثر الصيغ نضجاً لهذا المسار. فالعمل جاء نتيجة مسار تجريبي طويل لا يختصر في لحظة العرض. ولهذا فالمغايرة هنا ليست ارتجالاً جمالياً، وإنما عملية بحث وتدريب وتراكم واختبار.
وفي الحقيقة أنا لم أرى (بيت أبو عبدالله) بوصفه عرضاً يسأل: ماذا حدث في هذا البيت؟ بل بوصفه عرضاً يسأل: ماذا يحدث للإنسان حين يتحول المكان الذي يفترض أن يمنحه الأمان إلى بنية تضيق عليه؟ لأن أنس عبدالصمد بدأ من السؤال الذي يسبق الحكاية: ماذا تستطيع الخشبة أن تفعل حين تتحرر من ضرورة الحكاية المباشرة؟
من هنا تتراجع الكلمة عن عرشها القديم من دون أن تختفي، وتتوزع طاقتها بين الجسد والمكان والضوء والصوت والشيء. اللغة لا تموت وإنما تهاجر. تنتقل من الفم إلى العضلة، ومن الجملة إلى المسافة، ومن الحوار إلى الصمت، ومن العبارة إلى حركة الجدار. وهنا تحديداً تصبح الخشبة أشبه بصفحة لا تُكتب بالحبر، وإنما بالكتل والفراغات والأجساد والظلال.
المكان في (بيت أبو عبدالله) ليس وعاءً للأحداث، بل كائن يتدخل في إنتاجها. فالجدار المتحرك لا يؤدي وظيفة ديكورية؛ إنه يبدل شروط وجود الجسد؛ حين يقترب تضيق المسافة ويزداد الضغط، وحين يتراجع لا يعني ذلك أن الخلاص قد جاء ، بل إن الضغط يعيد تشكيل نفسه. الجدار هنا لا يتكلم، لكنه يفرض على الجميع شروط الكلام والصمت والحركة. إنه بهذا المعنى شخصية صامتة، وربما أكثر الشخصيات حضوراً لأنها لا تحتاج إلى وجه كي تمارس سلطتها.
ومن هنا تأتي أهمية التشكيل البصري الذي ساهم في أنجازه المبدع د. علي محمود السوداني. فالسينوغرافيا لا تقف خارج التفكير الدراماتورجي، بل تتنفس داخله؛ الغسالة والمرحاض والحبال والكرسي والطاولة والميكروفون وسائر الأدوات لا تحتفظ بوظائفها اليومية؛ إذ تنتقل من حيز الاستعمال إلى حيز العلامة. إن الشيء المسرحي لا يعود شيئاً لأنه موضوع أمامنا، بل يصبح شيئاً آخر بسبب علاقته بالجسد والضوء والزمن. وهذه إحدى أكثر خصائص العرض إثارة: أنه لا يشرح علاماته، وإنما يتركها تتكاثر داخل وعي المتلقي.
وهنا يمكن استدعاء الميتامسرح لا بوصفه تعريفاً مدرسياً، وإنما بوصفه وعياً بالمسرح وهو يصنع نفسه.
غير أن ما يهم في تجربة عبدالصمد هو أن نرى كيف تصبح آليات العرض ذاتها قابلة للرؤية. المكان يكشف سلطته، الضوء يكشف علاقته بالعين، الشيء يكشف انتقاله من الحياة اليومية إلى الحياة المسرحية، والجسد يكشف أنه ليس مجرد حامل للشخصية، بل مادة دلالية مستقلة. بهذا المعنى يصبح المسرح واعياً بآلياته من الداخل.
وهنا يقترب عبدالصمد من منطقة ما بعد الدراما من دون أن يكون تابعاً لنظرية جاهزة. فهانس- تييس ليمان، في مسرح ما بعد الدراما ، يصف تحولات مسرحية نقلت مركز الثقل من الثقافة المسرحية القائمة على النص الدرامي إلى منظومة أكثر اتساعاً من الصورة والصوت والجسد والفضاء والزمن والمادة والأداء. ويخصص في كتابه فصلاً كاملاً لمعادلة (النص، الفضاء، الزمن، الجسد، الوسائط)، وهي عناصر تتجاور في العرض الحديث من دون أن تخضع بالضرورة إلى هرمية النص التقليدي.
لكن (بيت أبو عبدالله) لا يبدو استنساخاً للمسرح ما بعد الدرامي الغربي؛ وهذه نقطة أساسية في قراءة التجربة. فالتقاطع مع النظريات لا يعني التبعية لها. المخرج أنس عبدالصمد لا يستورد شكلاً ثم يبحث له عن موضوع عراقي، وإنما ينطلق من حساسية محلية، من بيت يحمل ذاكرة الخوف، ومن جسد يعيش تحت ضغط المكان، ثم يبحث عن لغة تستطيع أن تحمل هذا القلق. لذلك فإن صورة البيت لا تصبح مجرد ديكور، بل تنفتح على الأسرة والمجتمع والوطن والذاكرة، من دون أن تستنفدها قراءة واحدة.
وهنا تكمن براعة العرض في مقاومة الرمز المغلق. الفأر ليس مجرد فأر، والعين ليست مجرد عين، والجدار ليس مجرد جدار. إنها علامات تتغير كلما دخلت في علاقة جديدة. ما يبدو في لحظة جزءاً من الحياة اليومية يمكن أن يتحول في لحظة أخرى إلى صورة للتهديد، وما يبدو أداةً منزلية يمكن أن يصبح أثراً لسلطة تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة. العالم الذي يصنعه العرض لا ينهار من الخارج؛ إنه يتآكل من داخله، وهذه إحدى أكثر طبقاته دلالة.
أما الجسد، فهو مركز هذه الكتابة المسرحية. الجسد هنا ليس ترجمة لما تقوله الشخصية، لأن الشخصية نفسها تتراجع لمصلحة حالة إنسانية أكثر اتساعاً. الانحناء، التراجع، التوقف، الاندفاع، الالتصاق، الانفصال، المسافة بين جسدين، كلها تصبح مفردات في نص جسدي لا يحتاج دائماً إلى صوت. ولأن الجسد لا يقول ما تقوله اللغة، بل ما تعجز اللغة عن قوله، يصبح الصمت نفسه بنية درامية.
ومن هذه النقطة يمكن فهم جوهر مشروع (مسرح المستحيل): تحويل الممثل من قارئ للنص إلى مولّد للمعنى. فهو لا يستخدم الجسد لإلغاء الفكر، بل لفتح طريق آخر إليه. إنه يفكر بالحركة كما يفكر الكاتب بالجملة. ولعل هذا ما يجعل أداءه قابلاً لأن يجاور تجارب المسرح الجسدي العالمي، من دون أن يفقد نبرته العراقية. فالبدن في عروضه ليس جسداً جمالياً محايداً، بل جسد مأزوم، مراقَب، مهدد، يبحث عن منفذ، ويتحول في بعض اللحظات إلى مساحة للصراع بين الإنسان والمكان.
وهنا تكتسب إريكا فيشر-ليشته أهمية خاصة. ففي كتابها :( جماليات الأداء: نظرية في علم جمال العرض)، تنظر إلى الأداء بوصفه حدثاً فنياً لا يكتمل بمعزل عن العلاقة الحية بين المؤدين والمتفرجين، وتولي أهمية مركزية للحضور الجسدي المشترك ولتولد المعنى أثناء الحدث نفسه.
وهذا بالضبط ما يحدث في (بيت أبو عبدالله). المتلقي لا يستلم معنى جاهزاً، وإنما يدخل في مختبر حسي. صورة قد تتأخر دلالتها، وحركة قد لا تُفهم في لحظتها، وشيء قد يظهر هامشياً ثم يعود في النهاية محملاً بطاقة مختلفة. وهكذا يصبح المتفرج شريكاً في تركيب العرض لا مستهلكاً لنتيجته.
ومن هنا أضع مفهوم الاستباق الجمالي بوصفه أحد المفاتيح الممكنة لفهم مشروع أنس عبدالصمد. إنه لا ينتظر دائماً أن تتغير ذائقة المتلقي لكي يغيّر لغته؛ بل يحاول عبر العرض أن يساهم في تغيير الذائقة نفسها. إنه يفترض متفرجاً قادراً على احتمال الغموض، وعلى قراءة الصورة قبل ترجمتها وعلى النظر إلى الجسد بوصفه لغة، وإلى الصمت بوصفه زمناً، وإلى الشيء بوصفه احتمالاً دلالياً.
وهذا ما يفسر أيضاً طبيعة الجدل الذي رافق تجارب (مسرح المستحيل). فالمغايرة لا تمر عادةً من دون مقاومة؛ لأنها لا تقدم للمتلقي ما تعود أن ينتظره. وقد أشارت كتابات نقدية وأكاديمية إلى أن تجربة الفرقة أثارت سجالاً بين من رأى فيها تجديداً في اللغة المسرحية ومن وجدها خروجاً حاداً عن المألوف.
في (بيت أبو عبدالله)، يقوم المخرج بترتيب الصور أمام عين المتلقي لكن المتلقي يعيد ترتيبها في ذاكرته. هذه العملية يمكن تسميتها بالمونتاج الداخلي للتلقي: الخشبة تصنع المادة الأولى، والذاكرة تعيد صياغتها. ولهذا فإن العرض لا يكون هو نفسه تماماً عند خروجه من القاعة. قد تستعيد صورة صغيرة بعد أيام قوتها، وقد يتغير معنى حركة لأن صورة أخرى ظهرت لاحقاً، وقد يبدو الجدار في الذاكرة أكثر حضوراً مما كان عليه في المشاهدة الأولى.
ولعل مرور عامين على مشاهدتي العرض يكشف هذه المسألة أكثر مما تكشفها المشاهدة الأولى. بعض الصور لا تبقى لأنها واضحة، بل لأنها ناقصة. الصورة الناقصة تدعو الذاكرة إلى إكمالها. ومن هنا لا يعود الغموض نقصاً في العرض، بل استراتيجية في بناء علاقته بالمتلقي.
والضوء في هذه البنية ليس جهاز إنارة، وإنما سلطة على العين. إنه يقرر ما يظهر وما يتأخر، وما يظل عالقاً على حافة الرؤية. إنه يقيم علاقة بين الكشف والحجب، بين الحضور والغياب. وفي هذا المستوى تتكامل الإضاءة في بوتقة السينوغرافيا ومع الأداء لتشكيل خطاب بصري واحد.
أما الصوت، فلا يأتي بوصفه مرافقة محايدة للصورة. الموسيقى والمؤثرات والتنفس والضجيج والصمت تصنع طبقة موازية للطبقة المرئية. وإذا كان الجسد يكتب في الفضاء، فإن الصوت يكتب في الزمن. وحين يجتمعان يصبح العرض أقرب إلى تركيب حسي متعدد القنوات، لا إلى سرد مسرحي بالمعنى التقليدي.
وهذا يفسر لماذا يمكن وضع تجربة د.أنس عبدالصمد في حوار مع التحولات الكبرى في المسرح المعاصر، من مسرح الصورة إلى المسرح الجسدي، ومن الميتامسرح إلى ما بعد الدراما، من غير أن نفقد خصوصيتها العراقية. إن المغايرة عنده ليست بحثاً عن (شكل عالمي) بقدر ما هي بحث عن شكل قادر على استيعاب قلق محلي. إنه يأخذ من العالم أسئلته، لكنه يعيد صياغتها بمواد بيئته وذاكرته.
وإذا كان الراحل صلاح القصب قد جعل الصورة في المسرح العراقي فضاءً لتوليد الدلالة بعيداً عن مركزية الحكاية، فإن أنس يذهب بالصورة إلى منطقة أخرى: إلى الجسد بوصفه صورة متحركة، وإلى الفضاء بوصفه جسداً مقابلاً، وإلى الشيء بوصفه ذاكرة، وإلى المتلقي بوصفه شريكاً في إعادة تركيب الحدث. اختلاف التجربتين لا يلغي الحوار بينهما؛ بل يكشف تعدد الطرق التي اتخذتها المغايرة العراقية وهي تبحث عن مسرح يتجاوز التمثيل المباشر.
وهنا تصبح تجربة (مسرح المستحيل) مهمة ليس لأنها تشبه المسرح العالمي، بل لأنها تعيد صياغة بعض أسئلته داخل سياق عراقي. ففي (نعم كودو)، مثلاً، لم يتعامل انس عبدالصمد مع بيكيت بوصفه نصاً مقدساً ينبغي إعادة إنتاجه، وإنما بوصفه مادة يمكن تفكيكها وإعادة بنائها وفق حساسية أخرى. وقد نالت التجربة جائزة الإخراج وأفضل عرض في مهرجان العراق الوطني للمسرح في دورته الأولى، في مؤشر مهم إلى أن الاختلاف يمكن أن يجد اعترافه حين يتحول إلى صياغة فنية متماسكة.
وهنا تظهر الجرأة الحقيقية: ليست في أن تقول شيئاً غريباً، وإنما في أن تمتلك الشجاعة لتعيد النظر في المسلمات التي تحدد كيف ينبغي أن يكون المسرح. أن تأخذ بيكيت وتعيد مساءلته، وأن تجعل الجسد يتكلم، وأن تحوّل البيت إلى كائن، وأن تترك الأشياء تتقدم إلى مقدمة المعنى؛ كل ذلك يعني أن المخرج لا يتعامل مع المسرح بوصفه نظاماً مغلقاً، وإنما بوصفه مادة قابلة لإعادة الاختراع.
ولذلك لا يمكن فصل (بيت أبو عبدالله) عن المشروع الأوسع لأنس عبدالصمد. إنه ليس تجربة معزولة، وإنما عقدة متقدمة في سلسلة من الأسئلة التي راكمتها (فرقة مسرح المستحيل) عبر سنوات. وقد واصلت الفرقة حضورها داخل العراق وخارجه، وارتبط اسمها بجولات وورش وتجارب دولية، كما ظهر اشتغالها في سياقات تدريبية وفنية آسيوية ودولية، بما يؤكد أن المشروع لم يكن محصوراً في إنتاج عروض منفردة، بل امتد إلى بناء ممارسة أدائية وتدريبية خاصة.
وعندما نعود إلى (بيت أبو عبدالله) تحديداً، نكتشف أن أكثر ما يميزه ليس كثرة العلامات، بل قدرتها على التآلف. فالجدار لا يعمل منفرداً، والضوء لا يعمل منفرداً، والفأر لا يعمل منفرداً، والجسد لا يعمل منفرداً. كل عنصر يستمد جزءاً من قوته من العنصر الآخر. وهذه الوحدة الداخلية هي التي تمنع التجربة من التحول إلى معرض للغرائب البصرية.
لهذا تبدو النهاية، حين ينهار البيت وتتقدم الفئران المضيئة فوق الأجساد والوجوه، مصحوبة بالمناخ الحزين للموال وكأنها ليست خاتمة للحكاية، بل خاتمة منطق بصري ظل يتشكل منذ البداية. ما كان هامشياً يصعد إلى المركز، وما كان ثابتاً يتداعى، وما كان خارج الجسد يقترب منه حتى يكاد يصبح جزءاً منه. إن الانهيار هنا ليس حدثاً فقط؛ إنه صورة نهائية لعالم فقد توازنه.
ومن هذه الزاوية تكتسب مشاركة (بيت أبو عبدالله) في مهرجان ظفار الدولي للمسرح قيمة تتجاوز مجرد الحضور والمشاركة. فانتقال العرض إلى فضاء مهرجاني آخر يعني انتقاله إلى منظومة أخرى من العيون والخبرات والانتظارات. والعمل الذي يبني جزءاً كبيراً من معناه على الصورة والجسد والفضاء يختبر، في كل سياق جديد، قدرته على العبور من ذاكرة إلى ذاكرة ومن ثقافة مشاهدة إلى أخرى.
وإذا كان العرض قد حمل في مساره التانيت الفضي في أيام قرطاج المسرحية، ثم حظي بالتقدير في سياقات وجوائز مسرحية عراقية وعربية، فإن قيمة هذه الجوائز لا تكمن في أرقامها بقدر ما تكمن في كونها تشير إلى قابلية لغة العرض للحوار خارج حدود بيئتها الأولى.
غير أن الجوائز، في النهاية، لا تكفي لتبرير التجربة. العرض الجيد لا يعيش لأنه حصل على جائزة، وإنما الجائزة تصبح ذات معنى حين تلتقط شيئاً من قيمة العمل. وقيمة (بيت أبو عبدالله) تكمن في تقديري، في أنه لا يحاول أن يكون غريباً؛ إنه يحاول أن يكون صادقاً مع منطقه الجمالي. ولذلك تبدو مغايرته نابعة من الداخل، لا ملصقة عليه من الخارج.
بعد عامين من المشاهدة، لا أعود إلى (بيت أبو عبدالله) لأثبت أنه عرض مختلف؛ فالاختلاف وحده لا يصنع قيمة، كما أن التجريب لا يصبح عميقاً لمجرد أنه يبتعد عن المألوف. ما يستحق التوقف هو أن اختياراته الجمالية تبدو متصلة بسؤال واحد، وأن الجسد والفضاء والضوء والصوت والأشياء لا تعمل بوصفها زوائد على الفكرة، وإنما بوصفها الفكرة وهي تتحول إلى مادة مسرحية.
ولعل تجربة أنس عبدالصمد في (مسرح المستحيل) تستحق أن تُقرأ من هذه الزاوية تحديداً: بوصفها محاولة مستمرة لنقل المسرح من منطقة الإجابة إلى منطقة السؤال. إنه لا يثق كثيراً بالمعنى الجاهز ولا بالحدود الثابتة بين الممثل والشخصية، أو بين الديكور والدراما، أو بين الصمت والكلام، أو بين المشاهدة والتأويل. ولذلك فإن عروضه لا تطلب من المتلقي أن يفهمها بالطريقة التي أُنتجت بها، بل أن يعيد إنتاجها داخل وعيه.
وهنا تكتسب المغايرة معناها الحقيقي: ليست أن نختلف عن السابق فقط، بل أن نغيّر علاقة الأشياء ببعضها. وعندما تتغير هذه العلاقات، لا يعود المسرح مجرد مكان لعرض فكرة؛ يتحول إلى فضاء لإعادة اختراع العلاقة بين الإنسان والعالم، يصبح المتلقي شريكاً.
لذلك فإن (بيت أبو عبدالله) لا يتركنا أمام سؤال واحد عن البيت، ولا عن الخوف، ولا عن الوطن، ولا عن الإنسان. إنه يتركنا أمام سؤال أوسع: ماذا يحدث حين تتغير الأشياء التي كنا نظن أننا نعرف وظائفها؟ ماذا يحدث حين لا يعود البيت بيتاً، ولا الجدار جداراً، ولا الجسد مجرد جسد؟
ربما هنا تكمن قوة التجربة: أنها تجعل الأشياء المألوفة تستعيد غرابتها. وهذا، في جوهره، واحد من أعمق أفعال الفن؛ أن يعيد إلينا العالم بعد أن ينزع عنه اعتياده.
وحين أستعيد العرض الآن، لا أستعيده بوصفه حكاية انتهت، بل بوصفه صورة لا تزال قيد التشكل. الجدار الذي تحرك أمامنا لم يعد في ذاكرتي مجرد جدار، والجسد الذي قاوم المكان لم يعد مجرد جسد ممثل، والضوء الذي كشف وخبأ لم يعد مجرد تقنية مسرحية. لقد تحولت هذه العناصر إلى لغة داخلية، وربما لهذا السبب ظل العرض قادراً على العودة بعد كل هذه المسافة.
إن ما يبقى من (بيت أبو عبدالله) ليس ما يمكن تلخيصه، وإنما ما يقاوم التلخيص. وهذه في النهاية، ليست مشكلة في العرض، بل إحدى فضائله. فالمسرح الذي ينتهي معناه بانتهاء الكلام يترك خلفه جواباً؛ أما المسرح الذي يواصل التحرك في الذاكرة، فإنه يترك احتمالاً وأسئلة.
ومن هنا فإن الاحتفاء بحضور العرض في ظفار لا ينبغي أن يكون احتفاءً بمشاركة جديدة فحسب، وإنما احتفاءً بمشروع عراقي اختار أن يغامر في المنطقة الأقل أماناً: منطقة البحث. فأنس عبدالصمد، عبر (مسرح المستحيل)، لا يقدم لنا وصفة للمسرح الجديد، بل يواصل اختبار حدوده؛ وكل عرض عنده يبدو كأنه محاولة أخرى لفتح باب لم يُفتح تماماً بعد.
ولعل هذا هو سر بقاء التجربة: أنها لا تدّعي الوصول. إنها تتحرك. والمسرح، في أكثر لحظاته حياة، ليس فناً يعرف أين ينتهي، بل فناً يعرف كيف يترك في المتلقي باباً مفتوحاً.
حين يسقط البيت في نهاية العرض، لا يسقط المعنى معه. ينتقل إلى العين التي شاهدته، وإلى الذاكرة التي أعادت ترتيبه، وإلى الأسئلة التي لم تجد لها الخشبة جواباً نهائياً. هناك، خارج حدود المسرح، يبدأ العمل في حياة أخرى. وربما تكون تلك الحياة الثانية هي العلامة الأصدق على أن أنس عبدالصمد وطاقمه المبدع لم يصنعوا عرضاً ينتهي بانطفاء الضوء، بل صنعوا أثراً يواصل الإضاءة في مكان آخر: داخل المتلقي. . وربما هنا تكمن إحدى علامات المسرح الذي يستحق أن يعبر المهرجانات والحدود: أن ينتهي العرض، بينما يظل السؤال مستمراً.
وختاما" أحيّي جهود المسرح الوطني العراقي في دعم التجارب المسرحية التي تواصل حضورها في المحافل العربية والدولية، وترسّخ مكانة المسرح العراقي بوصفه فضاءً حيّاً للتجريب والابتكار والجمال.كل الأمنيات ل(بيت أبو عبدالله) بمشاركة تليق بتجربته، وبحضور عراقي يترك أثره على خشبة ظفار.