د. محمد إحسان
سياسي كوردي
الصين وسياسة السلام الطويلة
تظهر كلمة «السلام» بشكل لافت ومتكرر في لغة الصين الموجهة إلى العالم: فهي ترد في الخطابات أمام الأمم المتحدة، وفي البيانات الدبلوماسية، ووثائق السياسة الخارجية، والمؤتمرات الدولية، وفي كامل المفردات التي تستخدمها بكين لوصف موقعها المتنامي في الشؤون العالمية. وإلى جانب التنمية والحوار والسيادة والتعاون، أصبح السلام أحد الأفكار المحددة التي تشرح الصين من خلالها طموحاتها وفهمها للنظام الدولي.
لكن أهمية هذه اللغة تكمن في شيء أعمق من مجرد التكرار. فالصين لا تقدم نفسها بوصفها قوةً كبيرة تسعى فقط إلى دور أكبر في شؤون العالم، بل بوصفها نوعًا مختلفًا من القوى الكبرى؛ قوةً صاعدة لا يلزم أن تسلك الطريق التاريخي نفسه الذي اتبعته القوى الكبرى السابقة، والتي راكمت نفوذها عبر الغزو، والتحالفات العسكرية، والتدخل الخارجي، وإنشاء مناطق نفوذ.
ومع انتقال الصين من كونها قوة إقليمية بالأساس إلى واحد من الفاعلين المركزيين في السياسة الدولية، لم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كانت بكين تتحدث عن السلام. فهي تفعل ذلك بوضوح. والسؤال الأهم هو: ماذا تعني الصين حين تتحدث عن السلام؟ ومن أين جاءت هذه الفكرة؟ وكيف تشكل دبلوماسيتها؟ وماذا يحدث حين تصطدم لغة السلام بوقائع القوة؟
ولفهم تصور الصين للسلام، لا بد أولًا من فهم أنه لا ينفصل عن تصورها للسيادة. فعلى مدى عقود، شددت السياسة الخارجية الصينية على السيادة، والسلامة الإقليمية، والتعايش السلمي، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. وتحمل هذه المبادئ معنى تاريخيًا شديد القوة في الصين، حيث ترتبط القصة الوطنية الحديثة ارتباطًا عميقًا بالتدخل الأجنبي، والمعاهدات غير المتكافئة، والاحتلال، وما تصفه الخطابات السياسية الصينية بـ«قرن الإذلال الوطني».
ولهذا فإن التاريخ يكمن بهدوء خلف كثير من اللغة الدبلوماسية الصينية. فعندما تتحدث بكين عن السيادة، فهي لا تتحدث فقط بلغة القانون الدولي المجردة، بل أيضًا من خلال ذاكرة تاريخية ترى فيها أن قدرة القوى الأجنبية على التدخل في شؤون الصين كانت خسارةً أساسية للكرامة الوطنية والاستقلال.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا لا يتطابق فهم الصين للسلام تمامًا مع ذلك الذي ارتبط أحيانًا بالأممية الغربية. ففي أحد التصورات، يمكن للسلام أن يتعايش مع التدخل إذا كان هذا التدخل مبررًا بحماية حقوق الإنسان أو منع الكارثة الإنسانية أو الدفاع عن الأمن الدولي. أما في التصور الصيني، فتحتل السيادة موقعًا أكثر مركزية. فالعالم الذي تمتلك فيه الدول القوية سلطة التدخل في الشؤون السياسية للدول الأضعف يُنظر إليه بعين الريبة، حتى عندما يُقدَّم هذا التدخل بوصفه ضرورة أخلاقية.
وبالنسبة إلى بكين، فإن الاستقرار والسيادة يرتبطان ارتباطًا وثيقًا. فلا يمكن لدولة أن تكون آمنة حقًا، وفق هذا الفهم، إذا كان مستقبلها السياسي يمكن أن يقرره طرفٌ آخر.
وهذه إحدى الأفكار الأساسية وراء «مبادرة الأمن العالمي» التي طرحها الرئيس شي جينبينغ عام 2022 وطُورت أكثر في العام التالي. تقدم هذه المبادرة رؤية للأمن تصفها الصين بأنها مشتركة، وشاملة، وتعاونية، ومستدامة. وهي تؤكد الحوار بدل المواجهة، والشراكة بدل التكتلات العسكرية، والتفاوض بدل الصراع. كما تضع السيادة والسلامة الإقليمية وعدم التدخل في مركز النظام الدولي المقترح.
والفلسفة هنا واضحة: لا ينبغي أن يكون الأمن شيئًا تحققه دولة على حساب أخرى. وهذا يمثل خروجًا مهمًا عن منطق المنافسة التقليدية بين القوى الكبرى، حيث كان أمن دولة ما يُبنى غالبًا على هشاشة دولة أخرى. أما الصين، فتصور الأمن على أنه شيء يمكن تقاسمه، وتعزيزه عبر التعاون، واستدامته في النهاية عبر التنمية.
ولهذا فإن السلام، في نظر بكين، ليس مجرد غياب الحرب. فالسلام يتطلب التنمية. والحجة هنا أن الفقر يخلق عدم الاستقرار، والإقصاء الاقتصادي ينتج انعدامًا للأمن، وأن التخلف التنموي يمكن أن يصبح أرضًا خصبة للصراع. فالدولة التي تفتقر إلى البنية التحتية والفرص والاستقلال الاقتصادي قد تبقى عرضة للخطر حتى لو كانت حدودها تعيش في حالة سلام رسمي.
ولهذا غالبًا ما تضع الدبلوماسية الصينية التنمية إلى جانب الأمن. فالبنية التحتية، والتجارة، والاستثمار، والربط الاقتصادي لا تُعرض باعتبارها أدوات تجارية فحسب، بل أيضًا كأسس للاستقرار والتعاون.
ومن هنا أصبح «مبادرة الحزام والطريق» جزءًا من تصور صيني أوسع للعلاقات الدولية. فقد خلقت الصين شبكتها المتوسعة من العلاقات الاقتصادية عبر آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا اللاتينية شكلًا من النفوذ لا يعتمد أساسًا على التحالفات العسكرية. وغالبًا ما يُمارس هذا النفوذ عبر الاتصال لا الاحتلال، وعبر العلاقات لا القواعد، وعبر الاعتماد الاقتصادي المتبادل لا التحالفات الرسمية.
وهذا لا يعني أن القوة العسكرية اختفت من الاستراتيجية الصينية، بل على العكس تمامًا. فقد بنت الصين قدرات عسكرية هائلة، واحتفظت بقوات نووية، وأجرت تحديثًا عسكريًا واسعًا. كما أن نزاعاتها مع عدة جيران، خصوصًا بشأن المطالبات البحرية، إضافة إلى التوترات العميقة حول تايوان، تُظهر أن التزام الصين بالسلام يوجد جنبًا إلى جنب مع إصرار قوي على الدفاع عما تعتبره بكين سيادتها ومصالحها الوطنية الأساسية.
وهنا تصبح فكرة السلام الصينية أكثر تعقيدًا. فبكين لا تبدو وكأنها تعتبر السلام مرادفًا للضعف، ولا ترى أن القوة العسكرية تتعارض بالضرورة مع السلام. ومن المنظور الصيني، يمكن للقوة العسكرية أن تؤدي وظيفة الردع، فتحمي السيادة وتثني الأطراف الأخرى عن تحديات قد تتصاعد إلى صراع. وبالتالي، يمكن للسلام في هذا الفهم أن يعتمد جزئيًا على وجود قوة كافية تمنع الآخرين من الاعتقاد بأن المواجهة ستنجح.
وهكذا توجد مفارقة في قلب سردية الصين عن السلام: فالصين تتحدث عن السلام بينما تبني القوة، وتتحدث عن الحوار بينما تعزز الردع، وتتحدث عن السيادة بينما توسع نفوذها، وترفض التدخل العسكري بوصفه أداة السياسة الخارجية الطبيعية بينما تصبح أكثر قدرة على إسقاط قوتها خارج حدودها المباشرة.
ولا ينبغي تفسير هذه التوترات تلقائيًا على أنها دليل على عدم صدقية خطاب الصين عن السلام، لكن في الوقت نفسه لا ينبغي اعتبار هذا الخطاب دليلًا كافيًا على النوايا السلمية. والحقيقة الأكثر دقة تقع بين هذين الطرفين. فالصين تحاول أن تبني نموذجًا لسلوك القوة العظمى تتعايش فيه القوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي والطموح الدبلوماسي مع رفض صريح للحرب بوصفها الأداة المفضلة في السياسة الدولية.
وهذا ليس دعوة إلى انسحاب الصين من سياسة القوة. فهي لا تفعل ذلك، بل تشارك بعمق في سياسة القوة. والسؤال الأهم هو ما إذا كان بإمكانها إعادة تشكيل الطريقة التي تُمارَس بها هذه السياسة.
ويتجلى هذا بوضوح في الدور الدبلوماسي الصيني المتنامي. ففي عام 2023، ساعدت بكين في تيسير استعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران بعد سنوات من التنافس الحاد. ولم تحل الاتفاقية كل الخلافات بين البلدين، ولم تحول الشرق الأوسط بين ليلة وضحاها. لكن أهميتها كانت في مكان آخر. فقد أظهرت الصين قدرتها على استخدام علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع قوى إقليمية متنافسة لتسهيل الحوار بينها.
وكانت الرمزية كبيرة. فلم تكن الصين تقدم نفسها بوصفها قوة عسكرية أجنبية تأتي لفرض تسوية سياسية، بل بوصفها مضيفة ووسيطًا وميسّرًا. وهذا النهج يعكس تفضيلًا صينيًا أوسع للتأثير عبر العلاقات. وغالبًا ما يُوصف دور بكين من خلال التجارة والبنية التحتية والاستثمار والدبلوماسية، لا عبر إنشاء شبكة واسعة من التحالفات العسكرية.
وهناك أيضًا مسألة حفظ السلام. فقد أصبحت الصين مساهمًا مهمًا في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، إذ توفر أفرادًا لبعثات في أفريقيا والشرق الأوسط وغيرها. وقد اضطلع حفظة السلام الصينيون بمهام هندسية وطبية ولوجستية وإزالة ألغام وغيرها. وهذا مهم لأنه يثبت أن تصور الصين للسلام الدولي ليس مجرد خطاب بلاغي، بل تقف وراءه مؤسسات وأفراد وموارد.
وفي الوقت نفسه، تذكرنا السيرة التاريخية للصين بأنه لا توجد قصة بسيطة تكفي. فقد شهدت الصين الحديثة وشاركت في صراعات عسكرية كبرى، بما في ذلك الحرب الكورية، وحرب عام 1962 مع الهند، وحرب عام 1979 مع فيتنام. كما شهدت مواجهات عسكرية خطيرة على حدودها وفي أراضٍ متنازع عليها.
ولا تنفي هذه الحقائق بالضرورة التزام الصين المعاصر بالسلام، لكنها تجعل من المستحيل فهم هذا الالتزام بمعزل عن القوة الوطنية والمصالح الاستراتيجية. والتفسير الأكثر دقة هو أن الصين بنت تدريجيًا هوية في السياسة الخارجية أصبح فيها السلام مبدأً مركزيًا في صعودها المعاصر، بينما ظلت القوة العسكرية أداة أساسية لحماية ما تعدّه بكين مصالح حيوية.
وهذان العنصران ليسا متناقضين في الرؤية الصينية. فالدولة يمكن أن تعارض الحرب مع الاحتفاظ بجيش قوي. ويمكنها أن تدعو إلى التفاوض مع الاستعداد للصراع. ويمكنها أن تدافع عن عدم التدخل مع السعي إلى حضور دبلوماسي أوسع. ويمكنها أن تطمح إلى التنمية السلمية مع أن تصبح واحدة من أقوى الدول في النظام الدولي.
وهذا المزيج ليس صينيًا حصريًا. فالقوى الكبرى حاولت دائمًا التوفيق بين المبادئ والمصالح. لكن ما يميز الصين هو الطريقة التي جعلت بها السيادة والتنمية وعدم التدخل في صميم تفسيرها لكيفية ممارسة القوة الكبرى.
وهذا مهم بصورة خاصة لدول الجنوب العالمي. فكثير من الدول في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية تتذكر النظام الدولي ليس فقط من خلال تاريخ الحرب، بل أيضًا من خلال تاريخ الاستعمار والتبعية الاقتصادية والتدخل الأجنبي.
ورسالـة الصين تتوجه مباشرة إلى هذه التجربة التاريخية. فحجتها هي أنه ينبغي السماح للدول بأن تحدد أنظمتها السياسية ومساراتها التنموية دون إكراه خارجي. وينبغي النظر إلى التنمية الاقتصادية بوصفها جزءًا من الأمن. وينبغي أن تقوم العلاقات الدولية على المساواة السيادية لا على الهرمية الدائمة.
ولا شك أن في هذه الرؤية جاذبية فكرية واضحة. فهي تقدم لغة لا تكون فيها الدول النامية مجرد موضوعات في السياسة الدولية، بل فاعلين ذوي سيادة يحق لهم تشكيل مستقبلهم.
لكن القوة المتنامية للصين تطرح سؤالًا جديدًا: ماذا يحدث عندما تصبح الدولة التي تدافع عن السيادة وعدم التدخل قوية بما يكفي بحيث يبدأ نفوذها الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي نفسه في تشكيل اختيارات الآخرين؟
وهنا لا تستحق سردية السلام الصينية إعجابًا غير مشروط، ولا رفضًا تلقائيًا. بل ينبغي فحصها بعناية، وبمنظور تاريخي، وأساسًا من خلال الممارسة.
لقد أنشأت الصين مبادرات دبلوماسية تنسجم مع تفضيلها المعلن للحوار. وساهمت في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام. ولعبت دورًا بارزًا في الوساطة الدبلوماسية. كما روجت للتنمية باعتبارها عنصرًا من عناصر الأمن، وكررت الاعتراض على المواجهة العسكرية وسياسات التكتلات.
وفي الوقت نفسه، تظل الصين قوة عسكرية كبرى، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي، وقوة مركزية في التجارة العالمية، وفاعلًا دبلوماسيًا ذا نفوذ متزايد. ولذلك فإن صعودها ليس رفضًا للقوة، بل محاولة لإضفاء لغة سياسية مختلفة عليها.
ولعل هذه هي النقطة الأهم: فالصين لا تدعي أن القوى الكبرى ينبغي أن تتوقف عن كونها قوية. بل تقول إن المكانة الكبرى لا تستلزم بالضرورة الأساليب المرتبطة تاريخيًا بالتنافس بين القوى الكبرى.
والقصة التقليدية للقوى الصاعدة مألوفة: تتحول القوة الاقتصادية إلى قوة عسكرية، وتتحول القوة العسكرية إلى طموح جيوسياسي، ويؤدي الطموح الجيوسياسي إلى تحالفات ومنافسة ثم في النهاية إلى مواجهة. أما الصين، فهي تقترح أن مسارًا آخر ما يزال ممكنًا.
فالقوة الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى نفوذ دبلوماسي، والنفوذ الدبلوماسي يمكن أن يتحول إلى وساطة، والترابط الدولي يمكن أن يتحول إلى نفوذ سياسي، والقوة العسكرية يمكن أن تؤدي أساسًا وظيفة الردع، ويمكن تقديم القوة الوطنية لا باعتبارها ذريعة للهيمنة، بل وسيلة للمساهمة في نظام دولي أكثر استقرارًا.
ويبقى السؤال ما إذا كان هذا النموذج سينجح في النهاية واحدًا من أهم الأسئلة غير المحسومة في القرن الحادي والعشرين.
ولن يكون الجواب في البيانات الدبلوماسية وحدها، بل في لحظات الضغط، عندما تتصادم مصالح الصين مع مصالح قوى كبرى أخرى، وعندما تُختبر السيادة، وعندما تهدد الأزمات الإقليمية المصالح الاقتصادية، وعندما تصبح الدبلوماسية صعبة فيما تبدو القوة العسكرية أكثر إغراءً.
فكل قوة كبرى تستطيع أن تتحدث بشكل جميل عن السلام عندما تكون الظروف هادئة. أما الاختبار الحقيقي فيأتي حين يصبح السلام مكلفًا. عندها تكتسب المبادئ وزنها الحقيقي.
ورسالة الصين هي أن صعودها لا يجب أن ينتهي بالحرب. فهي تقدم نفسها بوصفها دولة تفضل التنمية على الدمار، والحوار على المواجهة، والتفاوض على التدخل، والتعاون على التنافس الدائم.
وعلى العالم أن يدرس هذه الفرضية بعناية، لكنه لا ينبغي أن يرفضها لمجرد أنها صادرة عن قوة صاعدة.
فالسؤال المركزي في القرن الحادي والعشرين قد لا يكون أي دولة ستصبح الأقوى في النهاية، بل هل يمكن فصل القوة نفسها عن نزعة الهيمنة؟
وهذا هو التحدي الأكبر أمام كل قوة كبرى.
وربما يكون أيضًا أعمق معنى لسياسة الصين الطويلة للسلام.
فالصين لا تدعي أنها خرجت من عالم القوة، بل تدعي أن القوة يمكن أن تُمارَس بطريقة مختلفة. وما إذا كان هذا الادعاء سيصبح أحد أهم إنجازات القرن، أم مجرد فصل آخر في التاريخ الطويل للقوى الكبرى وهي تشرح طموحاتها بلغة السلام، فذلك سيتوقف لا على الكلمات التي تستخدمها الصين، بل على ما تفعله حين تضعها الأحداث تحت الضغط.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.