ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
حكومة إقليم كوردستان بين سياسة الحياد ومخاطر المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران
لم تعد احتمالات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد سيناريو افتراضي في الحسابات السياسية والأمنية لمنطقة الشرق الأوسط. فقد كشفت الحرب التي اندلعت في 28 شباط 2026م عن مدى هشاشة التوازنات الإقليمية، وعن صعوبة حماية الدول والمناطق التي لا تشارك مباشرة في الصراع من تداعياته. وفي هذا السياق، يجد إقليم كوردستان العراق نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: الحفاظ على علاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتجنب الدخول في مواجهة مع إيران، ومنع تحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وقد أكدت حكومة الإقليم، منذ بداية التصعيد، أنها ليست طرفاً في الحرب، وأنها لا تسمح باستخدام أراضيها منطلقاً لشن هجمات على إيران أو أي دولة مجاورة. غير أن هذه السياسة، على الرغم من وضوحها السياسي، لم تمنع تعرض الإقليم لهجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة، الأمر الذي جعل موقفه يتجاوز مجرد إعلان الحياد إلى البحث عن ضمانات فعلية لحماية أمنه واستقراره.
الحياد بوصفه خياراً استراتيجياً
تقوم سياسة حكومة إقليم كوردستان على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية، والحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية ودول الجوار. وتكتسب هذه السياسة أهمية خاصة في ظل العلاقة التاريخية الوثيقة بين أربيل وواشنطن، وفي الوقت نفسه الروابط الجغرافية والسياسية والاقتصادية التي تربط الإقليم بإيران.
وقد شدد رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، في مقابلة مع قناة الجزيرة في آب 2026م، على أن الإقليم لا يريد أن يكون طرفاً في الحرب، وأنه لم يسمح باستخدام أراضيه لشن هجمات على إيران، مؤكداً أن أي خلاف ينبغي أن يُحل عبر الحوار والوسائل السلمية. كما أشار إلى أن الإقليم تعرض لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة منذ بداية الحرب.
ويعكس هذا الموقف إدراك القيادة الكوردية أن الانخراط في الحرب قد يهدد ما تحقق من استقرار نسبي خلال العقود الماضية، ويعرض المؤسسات الاقتصادية والمدنية والعسكرية لمخاطر يصعب احتواؤها. فالإقليم، بحكم موقعه الجغرافي، لا يستطيع عزل نفسه عن أي مواجهة واسعة بين واشنطن وتل أبيب وطهران، لكنه يستطيع تقليل احتمالات استهدافه من خلال تأكيد عدم مشاركته في العمليات العسكرية.
ومع ذلك، فإن الحياد لا يعني بالضرورة القدرة على منع الآخرين من استهداف الإقليم، خصوصاً عندما تتداخل الحسابات الأمنية الإيرانية مع وجود القوات الأمريكية، والجماعات الكوردية المعارضة لإيران، والفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بطهران.
العلاقة مع واشنطن وحدود الحماية الأمريكية
تمثل الولايات المتحدة شريكاً أمنياً وسياسياً مهماً لحكومة إقليم كوردستان، خصوصاً منذ مرحلة ما بعد عام 2003، ثم خلال الحرب ضد تنظيم داعش. وقد أسهم التعاون العسكري الأمريكي في تدريب قوات البيشمركة وتطوير قدراتها، كما عزز مكانة الإقليم بوصفه شريكاً أساسياً في الاستراتيجية الأمريكية في العراق.
لكن الحرب مع إيران كشفت جانباً آخر من هذه العلاقة، إذ أصبح الوجود الأمريكي في الإقليم أحد العوامل التي تستند إليها الجهات التي تبرر استهدافه. وهنا تظهر المفارقة: فالعلاقة مع واشنطن توفر للإقليم دعماً سياسياً وأمنياً، لكنها قد تجعله أيضاً أكثر عرضة للتهديدات في حال اتساع المواجهة.
وقد ازدادت هذه المعضلة تعقيداً مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق في 30 أيلول 2026م، وما رافق ذلك من مخاوف بشأن مستقبل الحماية الجوية للإقليم. وأكدت وزارة شؤون البيشمركة أن الإقليم تعرض لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، محذرة من أن الانسحاب الأمريكي لا يصاحبه إنشاء منظومة دفاع جوي بديلة، ومشددة على مسؤولية الحكومة الاتحادية في حماية المجال الجوي العراقي.
وبذلك، فإن التحدي الذي تواجهه أربيل لا يقتصر على الحفاظ على التحالف مع واشنطن، بل يتصل بضرورة تحويل هذا التحالف إلى ترتيبات أمنية واضحة، تضمن عدم ترك الإقليم مكشوفاً أمام الهجمات، من دون أن يتحول وجود القوات الأمريكية إلى ذريعة دائمة لاستهدافه.
إيران: الجوار الجغرافي ومخاطر التصعيد
تدرك حكومة الإقليم أن إيران ليست مجرد طرف إقليمي في الصراع، بل دولة مجاورة تربطها بالإقليم حدود طويلة وعلاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية متشابكة. ولذلك، فإن أي مواجهة مفتوحة معها ستكون لها تداعيات مباشرة على أمن المدن والقرى الحدودية، وحركة التجارة، والاستقرار الداخلي.
وقد أعلنت القيادة الكوردية مراراً أنها لا تشكل تهديداً للأمن الإيراني، وأنها لا تسمح باستخدام أراضي الإقليم لشن عمليات عسكرية ضد إيران. وفي المقابل، تعرضت مناطق الإقليم لهجمات متكررة، شملت مواقع عسكرية ومدنية ومقار جماعات كوردية إيرانية معارضة.
وفي 24 آذار 2026، أدان رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني هجوماً صاروخياً إيرانياً استهدف مقرّاً لقوات البيشمركة في منطقة سوران، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى، مؤكداً أن الإقليم يتبنى سياسة عدم التدخل وتجنب الصراعات، وأن الهجوم يمثل انتهاكاً لسيادة العراق والإقليم.
كما أظهرت تصريحات القنصل الإيراني في أربيل، في تشرين الأول 2026، أن طهران لا تستبعد استمرار استهداف ما تصفه بأهداف أمنية داخل الإقليم، حتى بعد انسحاب القوات الأمريكية، الأمر الذي يشير إلى أن المخاطر لا ترتبط حصراً بوجود القوات الأمريكية، بل تشمل أيضاً ملفات المعارضة الكوردية الإيرانية والاتهامات المتبادلة بشأن النشاط الاستخباراتي.
وهذا يضع حكومة الإقليم أمام ضرورة مواصلة الحوار مع طهران، مع التمسك في الوقت نفسه بحقها في حماية أراضيها ومواطنيها، ورفض تحويل الاتهامات الأمنية إلى مبرر لانتهاك السيادة العراقية.
التداعيات الأمنية والاقتصادية على كوردستان
إن تجدد الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، أو اتساع الحرب القائمة، قد يضع إقليم كوردستان أمام مجموعة من المخاطر المتداخلة.
أولها: احتمال تصاعد الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، سواء بصورة مباشرة أو عبر جماعات مسلحة داخل العراق. وهذا يهدد المطارات والمنشآت الحيوية والمناطق السكنية، ويزيد الضغط على المؤسسات الأمنية والخدمية.
وثانيها: تراجع الاستقرار الاقتصادي. فقد أشار تقرير للجزيرة في آب 2026م إلى أن حكومة الإقليم أفادت بتراجع نحو 70% من تجارته نتيجة تداعيات الحرب الإقليمية، بما يعكس حجم ارتباط الاقتصاد الكوردي بحركة الحدود والأسواق الإقليمية.
كما أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية، وتراجع الاستثمارات، واضطراب حركة النقل والتجارة عبر المنافذ الحدودية. وقد تتفاقم هذه الأوضاع في ظل الأزمة المالية المستمرة بين أربيل وبغداد، وتأخر صرف المستحقات المالية، بما يضعف قدرة الحكومة على مواجهة الأزمات الطارئة.
أما سياسياً، فقد يؤدي التصعيد إلى زيادة الضغوط على حكومة الإقليم لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً تجاه الولايات المتحدة أو إيران، وهو ما قد ينعكس على التوازنات الداخلية بين القوى الكوردية، وعلى العلاقات مع الحكومة الاتحادية.
بغداد ومسؤولية حماية الإقليم
تؤكد حكومة إقليم كوردستان أن حماية أراضيه ومجاله الجوي مسؤولية دستورية تقع على عاتق الحكومة الاتحادية، باعتبار الإقليم جزءاً من الدولة العراقية. ومن هنا، فإن مواجهة التهديدات لا يمكن أن تقتصر على التحركات الدبلوماسية لأربيل، بل تتطلب موقفاً عراقياً موحداً يرفض استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الخارجية، ويمنع في الوقت نفسه الاعتداء على أي جزء من البلاد.
وتبرز أهمية التنسيق بين أربيل وبغداد في ضبط الحدود، وملاحقة الجهات المسلحة التي تنفذ الهجمات، وتطوير منظومات الإنذار والدفاع الجوي، وتعزيز التنسيق بين القوات الأمنية والبيشمركة والجيش العراقي.
كما أن دعم سيادة الدولة لا ينبغي أن يكون شعاراً سياسياً فحسب، بل يجب أن يترجم إلى إجراءات عملية تمنع الجماعات المسلحة من اتخاذ قرارات الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية.
مستقبل الإقليم في ظل احتمالات التصعيد
إن موقف حكومة إقليم كوردستان من الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران يقوم أساساً على تجنب المواجهة، والحفاظ على الاستقرار، وعدم السماح باستخدام أراضيه لشن هجمات على دول الجوار. غير أن نجاح هذه السياسة يتوقف على قدرة الإقليم والعراق معاً على بناء منظومة أمنية أكثر فاعلية، وعلى استعداد القوى الإقليمية لاحترام سيادة العراق وعدم توسيع رقعة الحرب.
ولا شك أن استمرار التصعيد سيضع الإقليم أمام اختبار صعب، خصوصاً بعد تراجع الوجود العسكري الأمريكي المباشر، وفي ظل استمرار التهديدات الإيرانية والفصائل المسلحة. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب دبلوماسية كوردية نشطة، وتنسيقاً عراقياً جدياً، وتوحيداً للموقف الداخلي، إلى جانب تعزيز القدرات الدفاعية ضمن الأطر الدستورية.
وفي المحصلة، فإن كوردستان لا تحتاج إلى أن تكون طرفاً في الحرب كي تتأثر بها؛ فقد أثبتت التطورات أن موقعها الجغرافي وعلاقاتها الدولية يجعلانها في قلب تداعيات الصراع. ومن ثم، فإن المصلحة العليا للإقليم تكمن في حماية أمنه، وتجنب الانجرار إلى المواجهة، والعمل على تحويل سياسة الحياد من موقف سياسي معلن إلى ضمانة فعلية تمنع تكرار الاعتداءات وتحافظ على استقرار المجتمع الكوردي ومستقبله.