ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
بين السلاح والسيادة: العراق في معادلة واشنطن وطهران
يشكل ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في العراق المعاصر، ليس لأنه يتعلق بالجانب الأمني وحده، وإنما لأنه يكشف طبيعة التوازنات السياسية التي تشكلت في العراق بعد عام 2003، والعلاقة المتشابكة بين الدولة والأحزاب والقوى المسلحة، فضلاً عن التأثيرين الأمريكي والإيراني في القرار العراقي. وقد دخل هذا الملف مرحلة بالغة الحساسية مع تصاعد الضغوط الأمريكية الرامية إلى إنهاء ظاهرة السلاح خارج سيطرة الدولة، ولا سيما سلاح الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، التي تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً داخل العراق، وتؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مسارات القرار الحكومي.
ولا يمكن فهم الموقف العراقي من هذه القضية بمعزل عن طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، إذ يجد العراق نفسه منذ سنوات في قلب التنافس بين الطرفين، بينما تحاول القوى السياسية الحاكمة المحافظة على توازن دقيق يضمن استمرار نفوذها الداخلي، ويجنبها في الوقت نفسه الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إيران. غير أن هذا التوازن يثير تساؤلات جدية حول استقلال القرار العراقي، ومدى قدرة الدولة على فرض سلطتها على جميع القوى المسلحة، خصوصاً عندما تكون بعض الجهات المشاركة في الحكم مرتبطة سياسياً وأمنياً بقوى تمتلك السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية.
لقد أصبح مطلب حصر السلاح بيد الدولة محوراً أساسياً في النقاشات السياسية والأمنية بين بغداد وواشنطن. فالولايات المتحدة تنظر إلى وجود جماعات مسلحة مرتبطة بإيران، وتعمل خارج السيطرة الفعلية للحكومة العراقية، باعتباره تحدياً لمصالحها الأمنية والاستراتيجية في المنطقة. وقد ازدادت حساسية هذا الملف نتيجة الهجمات التي استهدفت المصالح والقوات الأمريكية في العراق، فضلاً عن الدور الذي تؤديه بعض الفصائل في إطار الصراع الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران. ولذلك لم تعد واشنطن تتعامل مع قضية السلاح باعتبارها شأناً عراقياً داخلياً فحسب، بل أصبحت تربطها بمستقبل التعاون الأمني والسياسي والاقتصادي مع بغداد.
وفي المقابل، تتعامل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران مع مسألة تسليم السلاح من منظور مختلف، إذ ترى بعض هذه الجماعات أن امتلاكها القوة العسكرية يمثل جزءاً من مشروعها السياسي والأمني، وتربط التخلي عنها بخروج القوات الأجنبية من العراق، ولا سيما القوات الأمريكية، وبضمانات تتعلق بما تصفه بالسيادة الوطنية. وهكذا تتحول قضية حصر السلاح إلى موضوع تفاوض سياسي معقد، تتداخل فيه الاعتبارات العراقية الداخلية مع الحسابات الإيرانية والأمريكية، الأمر الذي يجعل الوصول إلى اتفاق نهائي أمراً بالغ الصعوبة.
وفي خضم هذه التطورات، يجد الإطار التنسيقي نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد. فهو يمثل القوة السياسية الشيعية الأساسية التي تتشكل في إطارها الحكومة العراقية، ويضم أحزاباً وشخصيات تختلف في مواقفها وتوجهاتها، لكن عدداً من مكوناته يرتبط بعلاقات سياسية وتاريخية وثيقة مع إيران، كما أن بعض القوى المنضوية فيه يمتلك صلات مباشرة أو غير مباشرة بفصائل مسلحة. ومن ثم، فإن أي قرار جدي بحصر السلاح بيد الدولة لا يتعلق بمواجهة جماعات خارجة عن السلطة فحسب، بل يمس أيضاً توازنات القوى داخل التحالف الحاكم نفسه.
وتكمن المفارقة في أن قيادات الإطار التنسيقي تؤكد في خطابها الرسمي ضرورة احترام الدستور وتعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بالمؤسسات الأمنية، لكنها في الوقت ذاته تتعامل بحذر شديد مع الفصائل التي ترفض التخلي عن أسلحتها. ويضع هذا التناقض الخطاب السياسي أمام اختبار حقيقي؛ فإذا كانت الدولة صاحبة السيادة والقرار، فمن المفترض أن يكون تنفيذ قراراتها الأمنية خاضعاً للقانون، لا لموافقة الأحزاب أو اشتراطات الجماعات المسلحة. أما إذا أصبح تنفيذ مبدأ حصر السلاح مرهوناً بتوافق القوى السياسية والفصائل المعنية، فإن ذلك يثير تساؤلات حول طبيعة السلطة الفعلية في العراق، وما إذا كانت الحكومة تمتلك القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة وتنفيذها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المفاوضات الجارية باعتبارها محاولة للتوصل إلى تسوية تمنع الصدام المباشر بين الحكومة والفصائل المسلحة الولائية. غير أن التسوية قد تتحول، إذا لم تقترن بجدول زمني واضح وآليات تنفيذ ملزمة، إلى وسيلة لتأجيل المشكلة بدلاً من حلها. فهناك فرق جوهري بين التفاوض من أجل تنظيم عملية انتقال حقيقية نحو احتكار الدولة للسلاح، وبين استخدام المفاوضات لإبقاء الوضع القائم على حاله، مع تقديم وعود متكررة بشأن خطوات مستقبلية لا يجري تنفيذها.
وتبرز هنا مسألة التأجيل بوصفها أحد أهم أبعاد الأزمة. فقد اتجهت النقاشات السياسية إلى طرح مواعيد بديلة ومراحل انتقالية أطول، الأمر الذي يفتح الباب أمام التساؤل عما إذا كانت بعض القوى تسعى إلى كسب الوقت بانتظار تغير الظروف الإقليمية والدولية. فالمشهد السياسي الأمريكي نفسه يخضع لتطورات داخلية، وفي مقدمتها انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وهي محطة قد تؤثر في أولويات الإدارة الأمريكية وحساباتها السياسية، وإن لم تكن نتائجها تعني بالضرورة تغييراً فورياً في سياستها تجاه العراق أو إيران.
ومن المحتمل أن تراهن بعض القوى العراقية على أن انشغال الإدارة الأمريكية بالانتخابات النصفية، أو تغير أولوياتها بعد تلك الانتخابات، قد يخفف من الضغوط المتعلقة بملف الفصائل المسلحة. وقد يمتد هذا الرهان، لدى بعض الأطراف، إلى انتظار نهاية الولاية الرئاسية الحالية لدونالد ترامب في كانون الثاني/يناير 2029، على أمل أن تتبنى الإدارة الأمريكية المقبلة سياسة مختلفة تجاه العراق وإيران. إلا أن هذا الاحتمال يبقى في إطار التحليل السياسي، ولا يجوز التعامل معه باعتباره خطة موحدة ومثبتة اتخذها الإطار التنسيقي بصورة رسمية.
ومع ذلك، فإن منطق الانتظار والمراهنة على تبدل الإدارات الأمريكية يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بمفهوم السيادة العراقية. فإذا كان تنفيذ قرار حصر السلاح يتوقف على نتائج الانتخابات الأمريكية أو على هوية الرئيس الموجود في البيت الأبيض، فإن ذلك يعني أن جانباً أساسياً من مستقبل الدولة العراقية أصبح مرتبطاً بحسابات خارجية. كما أن تأجيل معالجة ملف السلاح إلى حين تغير الظروف الدولية قد يمنح الفصائل المسلحة فرصة إضافية لتعزيز نفوذها السياسي والأمني، ويجعل أي محاولة لاحقة لإخضاعها لسلطة الدولة أكثر تعقيداً.
وفي هذا السياق، يبرز وصف بعض مواقف الإطار التنسيقي بأنها «لعب على الحبال» بين واشنطن وطهران. فهذه القوى تتحدث أمام الولايات المتحدة بلغة الدولة والسيادة والمؤسسات الدستورية، وتؤكد التزامها بحصر السلاح بيد الحكومة، لكنها تحرص في الوقت ذاته على عدم الدخول في مواجهة حاسمة مع الفصائل المسلحة القريبة من إيران. وفي خطابها الموجه إلى جمهورها السياسي، تتبنى بعض هذه القوى مفردات المقاومة ورفض الوجود الأجنبي، وتربط مسألة السلاح بمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.
إن هذا التباين بين الخطاب الموجه إلى واشنطن والخطاب الموجه إلى البيئة السياسية والاجتماعية المؤيدة للفصائل يكشف عن حالة من الازدواجية السياسية. فالقوى المشاركة في الحكم تريد المحافظة على علاقاتها مع الولايات المتحدة، والاستفادة من التعاون الاقتصادي والأمني معها، لكنها لا ترغب في خسارة علاقاتها مع إيران أو الدخول في صدام مع الجماعات المسلحة التي تشكل جزءاً من منظومة نفوذها الداخلي. وبهذا المعنى، فإن سياسة الموازنة بين الطرفين قد تتحول من أداة لحماية المصالح العراقية إلى وسيلة للمحافظة على مصالح الأحزاب والقوى السياسية نفسها.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين مكونات الإطار التنسيقي وعدم التعامل معه باعتباره كتلة متجانسة ذات موقف واحد. فالعلاقات مع إيران ليست متطابقة لدى جميع قياداته، كما أن المواقف من مستقبل الفصائل المسلحة تختلف من طرف إلى آخر. غير أن وجود قوى ذات ارتباط وثيق بطهران داخل التحالف الحاكم يجعل مسألة اتخاذ قرار حاسم بشأن السلاح أكثر صعوبة، ويطرح تساؤلات عن حدود استقلال الحكومة عندما تتعارض متطلبات الدولة مع مصالح بعض القوى المشاركة في إدارتها.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد الاختلاف في السياسة الخارجية، إذ إن إقامة علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران حق مشروع للدولة العراقية، ويمكن أن يخدم مصالحها الوطنية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقات الخارجية إلى قنوات نفوذ داخل المؤسسات العراقية، أو عندما تمتلك جماعات مسلحة القدرة على التأثير في القرار الحكومي خارج الأطر الدستورية. فالعلاقة الطبيعية مع إيران لا تعني قبول وجود قوة مسلحة تتجاوز سلطة الدولة، كما أن التعاون مع الولايات المتحدة لا يقتضي إخضاع القرار العراقي للإرادة الأمريكية.
ومن هنا، فإن السؤال الأساسي ليس ما إذا كان العراق ينبغي أن يختار واشنطن أو طهران، بل ما إذا كان يستطيع بناء سياسة مستقلة تجاه الطرفين. فالدولة ذات السيادة تستطيع إقامة علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع مختلف الدول، لكنها لا تستطيع تحقيق الاستقلال الفعلي إذا كانت بعض القوى المسلحة تحتفظ بقرار عسكري مستقل، أو إذا كانت قرارات الحرب والسلم تتأثر بحسابات خارجية لا تخضع للمؤسسات الدستورية.
ويكشف ملف الفصائل المسلحة عن جانب آخر من الأزمة، يتمثل في العلاقة بين المشاركة السياسية وامتلاك القوة العسكرية. فمن المفترض أن تؤدي المشاركة في العملية السياسية إلى الالتزام بقواعد الدولة ومؤسساتها، لا إلى الجمع بين النفوذ داخل الحكومة والاحتفاظ بقوة مسلحة مستقلة عنها. أما الجمع بين السلطة السياسية والسلاح خارج السيطرة الحكومية، فيؤدي إلى اختلال التوازن بين مؤسسات الدولة، ويضعف ثقة المواطنين بقدرة القانون على التطبيق بصورة متساوية.
كما أن استمرار هذا الوضع يثير مخاوف من تحول حصر السلاح إلى شعار سياسي يُستخدم عند الحاجة إلى مخاطبة المجتمع الدولي، بينما يجري تأجيل تنفيذه كلما اصطدم بمصالح القوى المسلحة. وفي هذه الحالة، تصبح المفاوضات أداة لإدارة الأزمة لا لإنهائها، ويتحول الحديث عن السيادة إلى خطاب انتقائي، يُستدعى لمواجهة الضغوط الخارجية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى تعزيز سلطة الدولة في الداخل.
ولا يمكن إغفال أن الولايات المتحدة نفسها تتعامل مع العراق وفق مصالحها الاستراتيجية، وأن الضغوط الأمريكية ليست منفصلة عن الصراع الأوسع مع إيران. ولذلك فإن معالجة ملف السلاح لا ينبغي أن تقوم على الاستجابة غير المشروطة للمطالب الأمريكية، بل على مشروع عراقي واضح يحدد طبيعة القوات المسلحة، وسلسلة القيادة، وآليات الرقابة، وحدود استخدام القوة. فالمعيار الحقيقي ليس إرضاء واشنطن أو طهران، وإنما ضمان أن يكون القرار الأمني عراقياً، وأن تخضع جميع التشكيلات المسلحة للقانون والمؤسسات الدستورية.
وفي المقابل، فإن استخدام الانسحاب الأمريكي ذريعة لتأجيل حصر السلاح يثير إشكالية أخرى. فحتى إذا اكتمل انسحاب القوات الأجنبية، فإن ذلك لا يمنح أي حزب أو جماعة مسلحة الحق في الاحتفاظ بقرار عسكري مستقل عن الدولة. فالسيادة لا تتحقق بمجرد خروج القوات الأجنبية، وإنما تتطلب أيضاً أن تكون الحكومة قادرة على حماية أراضي البلاد، وإدارة أمنها، ومنع أي جهة من اتخاذ قرارات عسكرية منفردة.
وبناءً على ذلك، فإن نجاح أي عملية لحصر السلاح يتوقف على وضوح أهدافها وجدولها الزمني، وعلى وجود آليات عملية للتحقق من التنفيذ، وعلى استعداد القوى السياسية للتخلي عن استخدام الفصائل المسلحة أداةً لتعزيز نفوذها. كما يتطلب الأمر معالجة قانونية ومؤسسية شاملة، تضمن خضوع جميع القوات للتسلسل القيادي الرسمي، وتمنع استمرار الهياكل العسكرية الموازية التي تستطيع اتخاذ قرارات مستقلة عن الدولة.
إن استمرار المراوحة بين المفاوضات والتأجيلات يضع الإطار التنسيقي أمام مسؤولية سياسية مباشرة، لأنه يمثل القوة الأساسية في المعادلة الحكومية، ولأن عدداً من مكوناته يمتلك علاقات مؤثرة مع الفصائل المعنية. ومن ثم، فإن مصداقية خطابه بشأن الدولة والسيادة ستظل مرتبطة بقدرته على تحويل التعهدات إلى إجراءات فعلية، لا بمجرد الإعلان عن تشكيل لجان جديدة أو تحديد مواعيد إضافية.
وفي المحصلة، تكشف المفاوضات بشأن سلاح الفصائل المرتبطة بإيران عن أزمة أعمق من الخلاف بين بغداد وواشنطن. إنها أزمة تتعلق بطبيعة الدولة العراقية، وحدود نفوذ الأحزاب، وموقع إيران في المعادلة السياسية والأمنية، وقدرة الحكومة على اتخاذ قرارات لا تخضع لمصالح القوى المسلحة. وإذا كانت بعض قيادات الإطار التنسيقي تحاول الموازنة بين واشنطن وطهران، فإن نجاح هذه السياسة لا ينبغي أن يُقاس بقدرتها على كسب الوقت أو تجنب الضغوط، بل بقدرتها على حماية استقلال القرار العراقي.
أما إذا تحولت هذه الموازنة إلى وسيلة لتأجيل حسم ملف السلاح، انتظاراً لانتخابات الكونغرس النصفية أو لتغير الإدارة الأمريكية في المستقبل، فإن النتيجة ستكون إبقاء العراق رهينة التوازنات الخارجية والصفقات الداخلية. وعندها لن تكون المشكلة في العلاقة مع الولايات المتحدة أو إيران وحدها، بل في غياب الإرادة السياسية اللازمة لبناء دولة تحتكر السلاح، وتخضع فيها جميع القوى، مهما كانت هويتها أو علاقاتها الخارجية، لسلطة القانون.
فالعراق لا يحتاج إلى الاختيار بين واشنطن وطهران بقدر حاجته إلى إثبات أن قراره ليس تابعاً لأي منهما، وأن السيادة ليست شعاراً تفاوضياً، وأن الدولة لا يمكن أن تكون قوية ما دامت بعض القوى السياسية تمتلك نفوذاً حكومياً وسلاحاً مستقلاً في آن واحد. وهذه هي المسألة التي ستحدد ما إذا كانت المفاوضات الحالية خطوة حقيقية نحو استعادة سلطة الدولة، أم مجرد جولة أخرى من المناورة السياسية التي تؤجل الأزمة ولا تحلها.