د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
قراءة استراتيجية في تحذيرات الرئيس مسعود بارزاني
تتعدى تحذيرات الرئيس مسعود بارزاني، في حواره الاخیر مع قناة "الشرقية نيوز"، أبعاد الموقف السياسي العابر لتستقر في جوهر القراءة الاستشرافية الرصينة التي طالما تميزت بها حنكته القيادية وفلسفته في إدارة الأزمات المعقدة.
فالرئيس بارزاني لا يتحدث فقط بوصفه رئيساً لحزب عريق أو صانع قرار حاسم في إقلیم کوردستان، بل ينطلق من مكانته التاريخية الشامخة كمرجع وطني وقومي أعلى للكوردستانيين، وقائد ملهم تجمع العواصم الإقليمية والدولية على استحضار وزنه وثقله الاستراتيجي عند كل مفترق طرق حرج في تاريخ الشرق الأوسط.
إن هذه المرجعية لم تكن نتاج موقع سلطوي طارئ، بل صيغت في مدرسة نضالية شاقة امتدت لعقود من مقارعة الاستبداد، واكتسبت عمقها الفلسفي من فهم عميق لطبيعة الصراعات في الشرق الأوسط ولوازم حماية الكيان الوطني الكوردستاني وسط أمواج عاتية من المتغيرات.
وتتجلى الفلسفة السياسية للرئيس بارزاني في قدرته الفريدة على الجمع بين التمسك المبدئي بالحقوق القومية المشروعة وبين الواقعية الاستراتيجية الصارمة التي تفكك ظواهر المشهد السياسي وتُعرّي أزماته الهيكلية.
ففي تشخيصه لمسار الحكم في بغداد، يضع الرئیس بارزاني يده على المعضلة الأساسية التي تنخر جسد الدولة الحديثة، ألا وهي الانقلاب الممنهج على "العقد الاجتماعي" والاتفاقات المكتوبة التي تشكل بموجبها الحكومات الاتحادية.
إن حنكة الرئيس تظهر جلياً في تحذيره من تحول الدستور من وثيقة مرجعية حاكمة إلى أداة تابعة للمزاجات الحزبية والنزوات الشخصية، مؤكداً أن الاستقرار السياسي لا يمكن أن يبنى على الشفاهيات والعهود المنكوثة.
ومن هنا تأتي قوة موقفه ولوائحه الاستراتيجية بكشف مضمون الاتفاق المكتوب للرأي العام، كخطوة إخلاقية وسادية تعيد الاعتبار لمفهوم الشراكة والتوازن والتوافق، وتضع كافة القوى السياسية أمام مسؤولياتها التاريخية تجاه مبادئ الفيدرالية والمواطنة المتكافئة.
وفي التعامل مع ملف السلاح المنفلت وتعاظم نفوذ الفصائل المسلحة خارج إطار المؤسسة الرسمية، تنطلق حكمة الرئیس بارزاني من أحد أهم ثوابت الفلسفة السياسية للنشوء الوطني، وهي أن الدولة لا تستقيم ولا تدوم إلا باحتكار السلطة الشرعية وحصر القوة بيد القانون.
إن توصيف الرئيس بارزاني للوضع الراهن بعبارة "نحن جميعاً في سفينة واحدة، وإذا لم تُحل هذه الأزمة فستغرق السفينة بالجميع" يمثل أعلى درجات المسؤولية الوطنية والإقليمية، فهو لا يستشرف خطورة الاقتتال الداخلي وفوضى اللادولة على بغداد فحسب، بل يحذر الشرق الأوسط بأكمله من تداعيات انزلاق العراق نحو المجهول.
وفي المقابل، تتبدى النبرة الوطنية الكوردستانية في أسمى صورها حين يعلن بوضوح يستند إلى الإرادة الشعبية الصلبة، بأن إقليم كوردستان، الذي تحققت مكتسباته بدماء الشهداء الأبرار وبسالة قوات البيشمركة، غير مستعد مطلقاً لربط مصيره ومستقبل أبنائه بتصرفات غير مسؤولة تدار من خارج مؤسسات الدولة ومظلتها الدستورية.
تظهر الحنكة الاستثنائية للرئيس بارزاني كقائد على مستوى الإقليم والعراق والمنطقة في استحضاره الحي للذاكرة التاريخية واستقرائه لدروس الماضي، فحين يحذر من مساعي إخراج قوات التحالف الدولي في هذا التوقيت الحرِج، فإنه يعيد تنبيه الجميع إلى سيناريو الانسحاب الأمريكي عام 2011 وما ترتب عليه من انهيار أمني مأساوي أدى إلى ظهور تنظيم "داعش" الإرهابي واجتياحه ثلث مساحة البلاد عام 2014.
إن تذكير الرئيس بارزاني بأن القوى التي تطالب اليوم برحيل القوات الدولية هي ذاتها التي توسلت بالولايات المتحدة والتحالف الدولي لتخليصها وحمايتها عند اقتراب الخطر الإرهابي من أسوار بغداد، يمثل تعرية جادة للازدواجية السياسية، ودعوة لصناع القرار لتجاوز الشعارات الشعبویة والاعتماد على موازين الردع الواقعية التي تحفظ أمن الشعوب.
تتكامل رؤية الزعيم مسعود بارزاني لتضع الطرح الوحيد القابل للحياة لإنقاذ البلاد والمنطقة من هاوية الصراعات:
قرار حكومي مستقل، وحصر تام للسلاح بيد الدولة، وشراكة دستورية حقيقية تصون هيبة الدولة وتحمي حقوق كافة المكونات من كورد وسنة وشيعة دون استقواء أو تبعية.
إن هذه الفلسفة الاستشرافية الممتزجة بالمرجعية النضالية والحكمة السياسية الراسخة، تؤكد من جديد أن الرئيس بارزاني يظل الصمام الموثوق والأمين لصيانة التجربة الكوردستانية، والدعامة الاستراتيجية التي لا غنى عنها لإحلال السلام والاستقرار والتوازن في العراق والشرق الأوسط برمتها.