رؤية الرئيس مسعود بارزاني للسيادة في العراق الاتحادي

رؤية الرئيس مسعود بارزاني للسيادة في العراق الاتحادي
رؤية الرئيس مسعود بارزاني للسيادة في العراق الاتحادي

يمثل مفهوم السيادة واحدة من أعقد المقولات في الفكر السياسي الفلسفي ونظريات العلاقات الدولية، لا سيما حين يستدعى لتفسير بنى دول مرّت بأزمات بنيوية عميقة كالعراق. فبينما تحرص الخطابات الرسمية على الاحتفال بالمناسبات الوطنية واعتبارها علامات فارقة على الاستقلال، يظل التساؤل الفلسفي أسيراً لأسئلة الواقع وتناقضاته، هل السيادة شعار يرفع في المحافل، أم أنها واقع مؤسسي يربط السلطة والقرار بيد الدولة الاتحادية وكياناتها الدستورية وفق عقد اجتماعي رصين؟ 

هذا الإشكال يكتسب حساسية استثنائية مع استحقاقات انسحاب قوات التحالف والقوات الأمريكية، وما يرافقه من مخاوف عميقة حول السلاح المنفلت خارج منظومة القرار الرسمي.

لتفكيك هذه المعضلة من منظور العلاقات الدولية وعلم السيادة المعاصر، تقتضي الضرورة العودة إلى الجذور الفلسفية للمفهوم، بدءاً من محاولات جان بودان في القرن السادس عشر لترسيخ سلطة الدولة في مواجهة التشرذم، مروراً برؤية توماس هوبز المطلقة للسلطة، وصولاً إلى تبلور مبدأ "السيادة الشعبية".

وفي القرنين العشرين والحادي والعشرين، ومع تطور نظريات "السيادة التعددية" وتداعيات العولمة وتنامي دور الفاعلين من غير الدول، تداخلت هذه التحولات مع أزمات بنيوية في العراق تمثلت في تنازع الصلاحيات وهشاشة القرار خارج الأطر الدستورية. 

وهو ما فرض فهماً جديداً للسيادة يقاس بقدرة منظومة الحكم ومؤسساتها، وفي طليعتها سلطة إقليم كوردستان، على حماية المصالح العليا وتحصين الدولة من التآكل والوصاية.

وتلقي هذه التحولات التاريخية بظلالها على مسار العراق منذ العهد العثماني والانتداب، وصولاً إلى محطة بناء دولة اتحادية ديمقراطية. 

وفي هذا السياق المحوري، تبرز حكمة ورؤية الرئيس مسعود بارزاني وتجربته السياسية العميقة في قيادة مرحلة الانتقال والتحول، حيث أكد فخامته مراراً أن العراق الحديث بُني على ثلاث ركائز استراتيجية لا غنى عنها، "الشراكة، والتوازن، والتوافق"، محذراً من أن تجاهل هذه المبادئ أو الانزلاق نحو عقلية الحكم المركزي الإقصائي يضع العملية السياسية في مسار مسدود ويقود العراق إلى المجهول.

لقد شدد الرئيس مسعود بارزاني، من واقع خبرته الطويلة في إدارة معادلات الحكم والصراع، على أن غياب المؤسسات الدستورية الحقيقية وهيمنة مظاهر "الدويلات الموازية" والسلاح المنفلت يفرغ مفهوم السيادة من محتوياه الفعلي، مبيناً أن الدستور الاتحادي هو خريطة الطريق الوحيدة لضمان الحقوق وصيانة الاستقرار عبر الشراكة الحقيقية. 

ففي ظل تأرجح القرار السياسي بين استقلال نسبي وتجاذبات إقليمية ودولية، تهاوت السيادة مراراً أمام تحديات وجودية كالإرهاب والاعتداءات المتكررة على إقليم كوردستان، حيث اكتفت المؤسسات الاتحادية غالباً بصيغ استنكار فضفاضة، مما يبرز بوضوح الجوهر الفدرالي للدولة، إذ يشكل أمن الإقليم وقوته جزءاً لا يتجزأ من أمن العراق الاتحادي وحمايته التزام دستوري وأخلاقي.

ولا تقاس السيادة، وفق علم السيادة المعاصر وفلسفة الحكم، بمجرد المظاهر العسكرية الشكلية، بل هي انعكاس لمنظومة مجتمعية ودستورية صلبة قادرة على درء الأزمات التي تفتعلها أجندات حزبية فئوية. 

ومن هنا تنبثق الأزمة الجوهرية لاستمرار وجود السلاح خارج سلطة المؤسسات الاتحادية الشرعية.

فالقوة والقرار الاستراتيجي يجب أن يحتكرا حصراً ضمن منظومة الدفاع الوطني وفق السياقات الدستورية، وحين تُدار الدولة من قوى نافذة تفرض إرادتها بمعزل عن المساءلة، يتحول مفهوم السيادة إلى وهم تسويقي.

إن مقاربة مرحلة ما بعد التحالف وفق فلسفة ورؤية الرئيس مسعود بارزاني تتطلب من النخب شجاعة المواجهة والخروج من دائرة التكرار للمقولات الشكلية. 

فالسيادة بناء متين يرتكز على اقتصاد صلب، وقرار مستقل، واحتكار حصري للقوة بيد الدولة الاتحادية وكياناتها ضمن الدستور الذي يحمي حقوق الأقاليم والمحافظات. وبدون إخضاع السلاح لسلطة الدستور والمؤسسات الرسمية، سيظل الانتقال إلى واقع السيادة الفعلي مؤجلاً، وستبقى الدولة مساحة رخوة تتنازعها إرادات الخارج والداخل.