فخ النفط العراقي ومفارقتُه: الاقتصاد الريعي في خضمّ صدمات جيوسياسية
في 22 أيلول 2026، صرّح رئيس الوزراء العراقي علي زيدي لصحيفة نيويورك تايمز بأن العراق خسر ما يقارب 60 مليار دولار من عائدات النفط بسبب الحرب مع إيران. ولمدة شهرين تقريبًا، لم يتمكن العراق من تصدير 90% من نفطه، في حين يعتمد 90% من اقتصاده على صادرات النفط الخام. وقبل يونيو/حزيران 2025، موعد اندلاع الجولة الأولى من الصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران، تجاوزت احتياطيات البنك المركزي العراقي 110 مليارات دولار، لكنها انخفضت في تشرين الأول 2026 إلى أقل من 60 مليار دولار. ورغم أن حكومة زيدي نجحت في تحقيق توازن بين الاستقطاب العالمي والتوترات الجيوسياسية خلال الأشهر الخمسة الأولى من توليها السلطة، فإن المشكلة الأكبر تكمن في عدم وصول ناقلات النفط العملاقة (VLCCs) إلى موانئ البصرة. فكيف سينجو اقتصاد النفط العراقي؟ وما أبرز المشكلات التي تواجه صناعة النفط؟ ومهما كانت الزاوية التي ننظر منها، يبقى العراق الضحية الأكبر للحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران. لماذا؟
مفارقة النفط العراقي: كلما زاد الإنتاج، تعمّقت الأزمة
يُحيط بالاقتصاد العراقي الريعي لغزٌ محيّر: كلما استمرت عمليات استخراج النفط وتوسع الإنتاج، ازدادت الأزمات المالية والسياسية حدةً. فبدل أن يتحول النفط إلى قاعدة لبناء اقتصاد أكثر قوة وتنوعًا، أصبح الاقتصاد العراقي يعتمد عليه كليًا تقريبًا، لا على الضرائب والإنتاج المحلي، لتمويل موازنته وإيراداته. وحتى إذا تمكن العراق من تجاوز اضطرابات مضيق هرمز، فإن السؤال الأكبر سيبقى قائمًا: هل يستطيع اقتصاد بهذه الدرجة من الاعتماد على النفط أن يصمد أمام صدمة جديدة؟
الأرقام تكشف حجم المعضلة. ففي حزيران 2026، باع العراق 24.5 مليون برميل من النفط بخصم قدره 29 دولارًا، ليصل إجمالي الإيرادات إلى 719 مليون دولار. وفي المقابل، يحتاج العراق إلى نحو 7.4 مليار دولار شهريًا لدفع رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين والضمان الاجتماعي، أي أكثر من ثمانية تريليونات دينار. ويبلغ عدد العاملين في البلاد نحو 4.6 مليون موظف مدني وعسكري، يعمل 62% منهم في القطاعات العسكرية والأمنية والداخلية.
وفي تموز 2026، باع العراق 49 مليون برميل بخصم قدره 27 دولارًا، ومرّ أكثر من 30 مليون برميل عبر مضيق هرمز، محققًا عائدات بلغت 1.3 مليار دولار. وفي آب، باع 70 مليون برميل بخصم قدره 25 دولارًا، محققًا عائدات بلغت 1.7 مليار دولار. وفي أيلول، باع 79.5 مليون برميل بخصم قدره 18 دولارًا، محققًا عائدات بلغت نحو 5 مليارات دولار. ومع ذلك، فإن ارتفاع حجم المبيعات لم يلغِ هشاشة النموذج الاقتصادي؛ إذ إن المشكلة لا تكمن فقط في كمية النفط التي يستطيع العراق إنتاجها، بل في مدى قدرته على بيعها ونقلها وتحويل عائداتها إلى اقتصاد منتج ومستدام.
وتزداد الصورة تعقيدًا عندما تُعلن الولايات المتحدة أن مضيق هرمز مفتوح، بينما تُعلن إيران أنه مغلق، وعندما تتعرض سفن النفط للاستهداف بين الحين والآخر. في مثل هذه البيئة، لم يعد المشترون يُقبلون على النفط العراقي كما كانوا يفعلون سابقًا. ولذلك، رفعت شركة تسويق النفط العراقية (سومو) خصوماتها بشكل عام، كما رفعت خصوماتها الخاصة على مبيعات النفط لعدد من الشركات الإماراتية والهندية، لأنها ساعدت العراق في دفع رواتب موظفيه، وهو ما يُعرف بتلقي دفعات مُقدمة من المشترين. فعلى سبيل المثال، في أكتوبر 2026، خفّض العراق أسعار النفط لعدد من الشركات بمقدار 32 دولارًا عن سعر السوق.
وهنا تتجاوز المشكلة حدود أزمة التصدير. فقد سبق أن نشرنا تحليلات أخرى حول كيفية بناء بنية تحتية لمنتجات النفط في العراق والحفاظ على أمن الطاقة. وسأركز هنا على المشكلات الجوهرية التي يواجهها قطاع النفط، وليس قطاع الطاقة بشكل عام، في العراق، من خلال أربع نقاط رئيسية:
أولًا، غياب البنية التحتية النفطية. أدى غياب البنية التحتية لصناعة النفط إلى نقص في المنتجات النفطية. وبالنسبة للباحث الأجنبي، يبدو أن صانعي القرار العراقيين يفهمون أن «الطاقة» تعني «النفط الخام» المستخرج والمباع مباشرة. لكن النفط الخام لا ينبغي أن يكون نهاية السلسلة؛ فهو نقطة البداية لعشرات المنتجات والصناعات الأخرى، مثل النفتا، والغاز الطبيعي المسال، والكيروسين، والبنزين بأنواعه المختلفة، والديزل بأنواعه المختلفة لتلبية الاحتياجات المتنوعة، ووقود الطائرات، وزيوت التشحيم، والبيتومين بأنواعه 60/70 و50/60، بالإضافة إلى نوعي «جانبوباج» و«تدواي»، والزيت الأسود، المعروف أيضًا باسم VR، وله ثلاثة أنواع رئيسية أخرى.
وهذه الفجوة الصناعية لا تظهر في الأرقام فقط، بل في الحياة اليومية للمواطن. فطوابير طويلة تتشكل في المدن العراقية للحصول على البنزين، بينما لا يزال العراق يستورد مواد تدخل في إنتاج البنزين، مثل التولوين والإيثانول والميثانول، التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير بسبب الحرب والتوترات الإقليمية.
ثانيًا، ضعف الصناعات التحويلية. نظرًا إلى نقص الصناعات التحويلية وغياب بنية تحتية صناعية قوية، لا يستطيع العراق تحويل موارده الخام بالقدر الكافي إلى مواد وسلع جديدة ذات قيمة أعلى. وفي هذه الحالة، تُحوَّل المواد الخام إلى سلع تامة الصنع باستخدام العمالة والآلات والتكنولوجيا، أو تُدمج مادتان منفصلتان لإنتاج سلعة جديدة.
فعلى سبيل المثال، لا يُستخدم الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء فحسب، بل يُستخدم أيضًا في إنتاج عشرات المواد الكيميائية الأخرى التي غالبًا ما تكون أغلى ثمنًا في الأسواق من الغاز الطبيعي نفسه، مثل الأسمدة والأمونيا والهيدروجين، ومواد مثل ميثيل ثالثي بوتيل الإيثر (MTBE) لتحسين رقم الأوكتان في البنزين. وحتى الزيت الأسود المتبقي في نهاية عملية التكرير، مثل زيت VR 2، يُستخدم في صناعة مستحضرات التجميل. ومع ذلك، يُنفق العراق مليارات الدولارات سنويًا لشراء هذه المنتجات من الخارج.
ثالثًا، هدر الغاز بدلًا من تحويله إلى قيمة. تسببت مشكلة هدر الغاز وحرق الغاز الطبيعي في البلاد مجانًا في إنفاق العراق 7 مليارات دولار سنويًا، فضلًا عن التسبب في تلوث البيئة وزيادة الطلب العالمي على الكهرباء في عصر الذكاء الاصطناعي والمركبات الكهربائية.
رابعًا، الاعتماد على قناة تصدير واحدة. أدى عدم تنويع قنوات تصدير النفط، والاعتماد كليًا على مضيق هرمز، إلى تعريض العراق لمخاطر كارثية الآن وفي المستقبل. فالمشكلة هنا لا تتعلق فقط بإمكانية وصول النفط العراقي إلى الأسواق، بل تمتد إلى قدرة العراق على الانفتاح اقتصاديًا ودبلوماسيًا وثقافيًا على العالم. وفي الواقع، فإن العلاقات العراقية-الإيرانية ليست موضوعًا محظورًا. لكن عندما يكون من الخطأ أن تمنع إيران العراق من الانفتاح على دول المنطقة والعالم، يجب على الدولة أن تعتمد على نفسها وألا تتخلف عن الآخرين. ولا يزال العراق يحلم بدفع الدولارات لإيران مقابل استيراد الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء.
مفارقة الاستثمار: المشكلة ليست في إنتاج النفط، بل في إدارة عائداته
على الرغم من أن العراق يعتقد منذ أكثر من عقد أن مشكلته الرئيسية تكمن في زيادة الانتاج، فإن الحكومات المتعاقبة أعلنت مرارًا وتكرارًا عن هدف إنتاج يبلغ 7 ملايين برميل من النفط يوميًا. غير أن مشكلة العراق لا تكمن في الإنتاج وحده، بل في التصدير والتسويق، وفي غياب نظام مالي قوي وعصري. وبالطبع، تحتاج معظم آبار النفط العراقية إلى الصيانة والإصلاح وزيادة الاستثمار، وهذه هي المهمة الرئيسية لوزارة النفط: زيادة الإنتاج، وليس التعامل مع الإنتاج بوصفه المشكلة. كما أُهملت العديد من الحقول، ودخلت شركات أجنبية عديدة للعمل فيها ثم غادرت، سواء في المجالات الجيولوجية والهندسية، أو في استخدام تقنيات الاستخراج الحديثة، وغيرها.
لكن، هل تريدون الحقيقة؟
يجب على وزارة النفط أن تغيّر اسمها إلى وزارة الطاقة والمعادن قبل التفكير في زيادة الاستثمار؛ فكيف يمكن الحفاظ على أمن الطاقة إذا لم يكن بالإمكان تنويع مصادر النفط الخام نفسه؟ وكيف يمكن تنويع اقتصاد بأكمله؟ إن بيع النفط وتسويقه لن يحقق الهدف المنشود إذا كانت السياسة المالية للبلاد مختلة من أساسها. فالأمر يشبه خزان مياه ضخمًا يمتلئ باستمرار بكميات كبيرة من الماء، لكنه يحتوي على ثقوب عديدة في قاعه. وعندما ترتفع أسعار النفط وتتدفق الأموال إلى الخزائن، نظن أن الخزينة ممتلئة، بينما يستمر النزيف من أسفلها.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: ليست المشكلة في حجم الإيرادات النفطية فقط، بل في كيفية إدارة هذه الإيرادات، وفي حجم الإنفاق الذي يستنزفها.
يوجد آلاف الأشخاص في رئاسات العراق كموظفين، لكنهم لا يمارسون أي مهام رسمية، وتُحوّل رواتبهم الشهرية المرتفعة إلى حساباتهم، ثم يسخرون من الحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويمارسون أعمالًا أخرى في أماكن أخرى. ومع وجود مئات الآلاف من أمثال هؤلاء في المؤسسات الحكومية، يجب أن يبدأ وقف النزيف المالي للعراق من تنقية قوائم الموظفين، والتمييز بين الموظف الحقيقي وغيره.
وبين عامي 2015 و2026، لم يتجاوز عدد حاملي شهادات الماجستير والدكتوراه العاطلين عن العمل في إقليم كردستان 700 شخص، في حين تم توظيف مئات الآلاف من المتقاعدين في الحكومة العراقية. ولذلك، يجب أن يستند العمل والتوظيف إلى المهارات والكفاءة، لا إلى الشهادات الجامعية وحدها؛ فهناك من حصلوا على شهاداتهم دون بذل جهد حقيقي أو ممارسة عمل فعلي خلال سنوات الدراسة الجامعية، ومع ذلك تم توظيفهم.
إن أزمة العراق، في نهاية المطاف، لا تبدأ عند البئر، ولا تنتهي عند الميناء؛ بل تمتد إلى طريقة إدارة النفط وعائداته، وإلى بنية الدولة المالية والإدارية والتوظيفية.
حين لا تكفي الخصومات: أزمة تصدير النفط وتسويقه
رغم التخفيضات الكبيرة في أسعار النفط، لا يتدفق المشترون بسهولة. فالمشكلة لم تعد مرتبطة بالسعر وحده، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بمخاطر الشحن والنقل والتسليم في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.
في التجارة العالمية، توجد طريقتان رئيسيتان في إجراءات بيع وشراء النفط. الأولى هي التسليم على ظهر الباخرة (FOB)، حيث يتم تسليم النفط إلى المشتري في البصرة، وتُجرى عملية فحص (HGS) للشحنة، ثم يُدفع ثمنها فورًا إلى حساب شركة تسويق النفط العراقية (SOMO). أما الطريقة الثانية، والمعروفة باسم (CIF)، فتتحمل فيها الدولة أو الشركة البائعة تكاليف التصدير والتأمين وإيصال الشحنة إلى الدولة والميناء اللذين يختارهما المشتري. وعند وصول الشحنة وفحصها، يتم تحويل المبلغ.
ومع ذلك، تمتلك شركة SOMO نفسها عددًا من العملاء، وتتفاوض معهم مباشرة، كما تتنقل فرقها في المنطقة والعالم للتفاوض مع العملاء الأجانب وكبار مصافي التكرير. وفي الوقت نفسه، تخصص شركة تسويق النفط العراقية (سومو) النفط، عادةً بما لا يقل عن مليوني برميل، لعدد من شركات خدمات النفط المحلية، التي تبيعه بدورها إلى سومو وتحتفظ بأكثر من 2.50 دولار للبرميل. وتحصل الشركة المحلية على 1% من كمية المليوني برميل كضمان، يُطلق عليه أصحاب العمل «خطاب الزمان»، وتقدمه إلى سومو لإثبات قدرتها على بيع النفط ونقله في البصرة.
أما من حيث الأسعار والأسواق، فينتمي العراق إلى سلة التداول الخليجية. ويُضاف سعر النفط في بورصة دبي إلى سعره في بورصة عُمان، ثم يُقسم الناتج على اثنين. غير أن المشكلة في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية تتمثل في أن الخصومات الكبيرة لم تعد كافية وحدها لإزالة مخاطر شحن النفط العراقي.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2026، سيبيع العراق النفط بسعر 30 دولارًا للبرميل، أي بخصم يبلغ 30 دولارًا. ونظرًا لعدم وجود سفن قادمة إلى البصرة، فإن السفن التي غادرتها عالقة في مضيق هرمز ولا تستطيع العودة، وعادةً ما تكون هذه السفن ناقلات نفط تحمل مليوني برميل فأكثر. وحتى السفن الأصغر، المعروفة باسم Bulk، عبرت مضيق هرمز قبل أربعة أشهر ولم تعد بعد.
وفي الوقت الذي تمتلك فيه دول الخليج سفنها وشاحناتها الخاصة، لا يمتلك العراق أسطولًا مماثلًا. وهذا بحد ذاته يمثل تكلفة إضافية على الحكومة العراقية، التي تضطر إلى دفع تكاليف لشركات الشحن الأجنبية لتحميل نفطها، أو يضطر المشترون إلى استخدام شركات الشحن الخاصة بهم لنقله.
ومع ذلك، أدى انخفاض أسعار النفط العراقي إلى زيادة الطلب من الشركات الدولية والعربية؛ إذ اشترت شركة أدنوك الإماراتية 72 مليون برميل في أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول، بخصومات تراوحت بين 18 و25 و27 و30 دولارًا للبرميل.
ويبدو أن العراق قد وجد ضالته في الإمارات العربية المتحدة. فستزود شركة أدنوك العراق بالبنزين ابتداءً من عام 2024، وستشتري منه النفط الخام. كما بدأت شركة دانة غاز الإماراتية، التي تستثمر في حقل كورمور منذ ما يقرب من 20 عامًا، مؤخرًا بتزويد المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الاتحادية العراقية بالكهرباء. بالإضافة إلى ذلك، توجد مصافي نفط ضخمة في الأردن وسوريا والدول المجاورة، مما يسمح للعراق بتخزين جزء من نفطه في الخارج.
نحو حوكمة أوسع لأمن الطاقة
لذلك، يجب أن يكون الاستنتاج واضحًا: لا تتناول هذه المقالة المفارقة التي أحدثها النفط نتيجة سوء إدارة قطاع النفط ونقص بنيته التحتية فحسب، بل ينبغي النظر إلى حوكمة أمن الطاقة في العراق ضمن سياق أوسع.
فالعراق يحتاج إلى تسريع تنفيذ برنامج استئجار ناقلات النفط العملاقة (VLCCs)، وبناء وتطوير أسطول وطني لناقلات النفط، وتنويع طرق التصدير والنقل، إلى جانب توسيع وتطوير استراتيجيات التسويق الحديثة.
فأمن النفط لا يبدأ من البئر وينتهي عند الميناء؛ بل يبدأ من الإنتاج، ويمر بالنقل والتخزين والتسويق، وينتهي بقدرة الدولة على حماية تدفق عائداتها واستدامته في مواجهة الصدمات الجيوسياسية.