لينا ساليي
كاتب
طالبٌ كوردي من مقاعد الجامعة في بغداد عام 1967 إلى دروب البيشمركة في قمم جبال كوردستان وثورة أيلول
تبدأ حكايتنا في عام 1967، في خضم أحداث «ثورة أيلول» الكوردية المجيدة التي انطلقت عام 1961؛ تلك الثورة التي كانت ولادةَ حراكٍ لم تُحكَ كل فصوله بعد، وصفحةً مضيئة من التاريخ الحي للشعب الكوردي. إنها ملحمةُ أناسٍ قلّما شهد العالم لمثلهم نظيراً، عنوانها الإرادة والتضحية والصمود كالحصن المنيع في سبيل حرية الوطن، حيث توارثتها الأجيال بقيادة الزعيم الخالد «الملا مصطفى بارزاني»؛ صقر كوردستان الشامخ، الرجل الذي صاغته الجبال من صخرها وجَلَدها، فغدا للثوار بوصلةً، وللأرض حارساً لا ينام، حاملاً في طيات عباءته هيبة التاريخ وعزم أمة أبت أن تنكسر.
كانت أرض «باشوور» (جنوب كوردستان) تموج بملحمة عسكرية لا ترحم؛ حربٌ ضروس امتدت لسنوات طويلة، وقف فيها أبطال «البيشمركة» كالرواسي الشامخة في وجه الآلة العسكرية لنظام البعث المستبد، واستنزفوا مقدراته في صراع ملحمي. كانت المعارك تشتعل في المضايق والجبال، وصوت المدافع يرجّ الأودية، ورصاص الكلاشينكوف يعزف لحن الكرامة والوجود؛ في ثورة زلزلت الأرض وأجبرت السلطة لاحقاً على الإقرار بحق الكورد في الحكم الذاتي التاريخي عام 1970.
في بغداد عام 1967، كان «صابر»—وهو طالب جامعي كوردي في أوج صباه وفتوته في المرحلة الدراسية الثالثة—يحمل تحت قميصه قلباً يخفق بحب ثورة أيلول. كانت جذوره تمتد إلى قرية «ملا قره» (گوندی مەلاقەرە) التابعة لقضاء مخمور قرب قرية «ماجد»، تلك الأرض التي ظلّت حيةً في وجدانه بصلابتها ونضالها رغم بعد المسافات.
في وسط الازدحام الخانق في قلب العاصمة، بين أصوات أبواق السيارات ودخان الحافلات، كان صابر يجلس في الحافلة ممسكاً بكتبه، متجهاً نحو كليته، غير أن عقله وقلبه كانا هناك... في الجبال؛ حيث يختنق الصدر بغصة لا تهدأ، وينبض الفؤاد عشقاً لكوردستان. كان باله مشغولاً بالأخبار الواردة من الشمال وما يجري في قريته، بينما تتسلل إلى يديه المنشورات الثورية والتعليمات السرية كل ليلة؛ فكان يسمع في أعماقه صدى الجبال تنادي أبناءها، ويغلي الدم في عروقه شوقاً للالتحاق بصفوف البيشمركة وحمل السلاح.
عكس وجهه الأسمر عيناه الحادتان صراعاً داخلياً مريراً، وبدا كبرياء ابن الجبل مقيداً بين أسوار الجامعة. لكن صابر لم يكن مجرد طالب جاء ليتخرج؛ فخلال تلك السنوات الملتهبة، قاد مع زملائه الكورد شبكةً نضالية شديدة الخفاء والسرعة، متخذين من الجامعة محطةً مركزية لتأمين احتياجات الثوار في الجبال، والتواصل مع العائلات الكوردية التي هُجّرت قسراً إلى محافظات الجنوب (كالنجف، والحلة، والديوانية). كان صابر ورفاقه يتسللون لنقل الرسائل والمساعدات، ليشعر المنفيون بأن الجبل لم ينسَ أبناءه.
كان التحدي الأكبر والأخطر يكمن في تأمين الدواء. كان مقاتلو البيشمركة في قمم الجبال الباردة يعانون من قسوة الشتاء والنزف والأمراض وسط الثلوج، وكانت المسكنات وخافضات الحرارة—وعلى رأسها «الباراسيتامول»—خاضعةً لرقابة أمنية وحظر مشدد من أجهزة البعث؛ فكان شراء أي كمية إضافية من الصيدليات كفيلاً بسوق صاحبها إلى غياهب السجون أو أعواد المشانق.
ابتكر صابر ورفاقه حيلة جريئة تفيض بالتضحية: كانوا يتعمدون التعرّض للبرد القارس في شتاء بغداد لإمراض أنفسهم عمداً، حتى تبدو عليهم علامات الإعياء والحمّى الشديدة، فيترددون على عيادات وصيدليات متفرقة في أطراف بغداد دون إثارة الشكوك، للحصول على أشرطة الباراسيتامول.
بعد رحلة التجميع المضنية، كانت الأدوية تُرتب بنظام دقيق: أشرطة المسكنات، وقناني المطهرات الطبية، والمضادات الحيوية، إلى جانب لفافات الشاش الأبيض والضمادات الضاغطة واللاصق الطبي والمقصات المعدنية؛ ليكون الصندوق الصغير ملاذاً أخيراً يضمد الجراح وينعش الأمل في وعورة الميدان.
وضع صابر خطة مع رفاقه تقضي بأن يعود كلٌّ منهم إلى مسقط رأسه لجلب والدته، لاستخدامهن كغطاءٍ أُسري آمن لتهريب شحنة الأدوية عبر السيطرات ونقاط التفتيش العسكرية حتى أربيل.
انطلق صابر قاطعاً الطريق الترابي الطويل من بغداد، مروراً بكركوك وشمالاً نحو تخوم مخمور، وصولاً إلى قريته «ملا قره»، وهو يحمل في صدره سراً ثقيلاً وخشيةً من عتاب أمه «دايه عائشة» إن باح لها بهذه الخطة المحفوفة بالموت.
وصل داره متسللاً، وما إن رأته والدته حتى دُهشت دهشةً خالطها الذهول؛ فطوقها بعناقٍ دافئ كغريق يستمد من رحمها الأمان، بينما تحسست هي وجهه لتتأكد أنه حقيقة لا حلم.
سألها صابر: أمي، أين أبي؟
فأجابته بنبرة حانية: ألا تعرف أباك؟ إنه في الحقل كعادته.. تعال يا بني، لا بد أنك جائع، الطعام على وشك أن يجهز.
جلس صابر في المطبخ الريفي البسيط، وتأمل يدي والدته المجعدتين من قسوة السنين. وبصوت متهدج امتزج فيه الحياء بالخوف، قال:
دايه (أماه)... لم أعد مجرد طالب يقرأ الكتب في بغداد، بل صرت أعمل مع رفاقي في صفوف الثورة. لدينا عملية خطيرة لنقل الأدوية إلى البيشمركة، وأحتاج أن تأتي معي إلى بغداد لتكوني معنا في هذه المهمة.
ساد المطبخ صمتٌ رهيب، وانقبض قلب صابر متوقعاً صدمتها أو رفضها، لكن الأم فاجأته؛ إذ اتسعت عيناها بشموخٍ وقالت بصوت مفعم بالفخر:
فاجأتني بشجاعتك يا صابر.. أعلم أن الطريق وعر ومحفوف بالمخاطر وقد لا نعود منه، لكن يا بني: الموت لا يأتي إلا مرة واحدة، وهذا الطريق الذي اخترته هو طريق النضال (الخەبات).
ثم مسحت على رأسه وأردفت برصانة: لا تبرر لي شيئاً ولا تخف عليّ؛ لم أربّك لتكون ظلاً، بل لتكون جداراً للجبل وصقراً فوق قممه. سأكون معك ولن أتركك.
في بغداد، اجتمع الطلاب وأمهاتهم في منزل عائلة كوردية داخل زقاق ضيق. كانت ليلة شتوية شديدة البرودة يخيم عليها حظر التجول؛ فالشوارع خالية إلا من دوريات الانضباط العسكري وأصوات المحركات المشبوهة.
داخل حجرة طينية دافئة، استعاضوا عن الفوانيس بشمعة خافتة وضعت على صينية نحاسية كي لا يظهر ضوؤها من خلف الستائر السميكة، بينما كانت رائحة الشاي المهيّل تتصاعد من إبريق الخزف القديم.
كان صابر يرتدي بزة عريس مخملية داكنة، وانحنت عليه أمه «دايه عائشة» وبقية الأمهات، ومعهن الإبر والخيوط، لحياكة جيوب سرية (گیرفانی نهێنی) تحت الإبطين وفي بطانة الظهر والبطن. كانت يدا «دايه عائشة» المرتجفتان تدخِلان أشرطة الباراسيتامول شريطاً تلو الآخر، وتلفّانها بقماش قطني ناعم لمنع أي صوت معدني عند الحركة.
شعر صابر ببرودة الأشرطة تلتصق بجسده، لكن دموع أمه الحارة التي سقطت على كتفه أشعلت في صدره حميّة لا توصف، حين رفعت رأسها وقالت بصوت خفيض يقطر وجعاً:
يا ابني.. أحس أنني أخيط كفنك بيدي!
وقع الكلام عليه كالصاعقة. اتسعت عيناه، ولم يعتد أن يرى أمه الجبلية الصامتة ينكسر صوتها بهذا النحيب. مسح دمعتها بيده الدافئة وقبّل رأسها قائلاً:
يا أمي، لا تحزني ولا يكسر الوجع قلبك؛ هذا طريق الكرامة وحق أمتنا في الوجود. ما نفعله الليلة هو النضال، وإن كان هذا كفناً فهو أطهر ثوب نلقى به التاريخ.. نحن لا ننهزم ما دامت هذه الأرض تنبض بأحرارها.
استعادت الأم ثباتها، ومسحت دموعها بردن ثوبها الكوردي، واستأنفت الخياطة برباطة جأش مقدسة. وفي زاوية الغرفة، كانت فتاة كوردية تصف بقية الأدوية في قاع مزدوج لـ «زنبيل» (سلة خوص)، وتغطيها بالخبز الكوردي المجفف (نانی تیری)، والجوز، والمربى، ومطرزات القماش (دەستسر)، لتبدو كسلة هدايا عائلية في طريقها إلى عرس.
أما في الخارج، فكان الطلاب ينقلون الأدوية إلى سيارة من طراز «شفروليه» مركونة في الأزقة الخلفية؛ ينزلون بطانات الأبواب ويحشرون الأدوية في الهيكل المفرغ، وتحت إسفنج المقاعد، وفي تجويف الصندوق الخلفي بحذر يقطع الأنفاس؛ لتمضي أسبوعان من العمل الدقيق على هذه الشاكلة، وسط عهد قطعه الشباب: إذا عبرنا هذه السيطرات البعثية، فلن نعود إلى بغداد ولن نكمل دراستنا، بل سنلتحق فوراً بالبيشمركة.
تقرر أن يكون صابر هو «العريس المزيّف»، لطلاقة لسانه بالعربية وقدرته على إدارة الحديث مع الضباط. انطلقت الشفروليه في صباح شتوي قارس من عام 1969، تطوي الطريق الرابط بين بغداد وأربيل؛ من السهول نحو هضاب كركوك، وصولاً إلى الوديان الجبلية المتاخمة لأربيل.
كلما لاحت في الأفق سيطرة عسكرية، كان صابر يعطي الإشارة: «ابدأوا!»؛ فتتعالى زغاريد الأمهات وتدق الدفوف على ألحان الأغاني الكوردية (دۆڵ و زوڕنا)، للتغطية على الرعب ورفع الروح المعنوية.
وعند مدخل أربيل، استوقفتهم مفرزة بعثية شديدة الحراسة. خفتت الأهازيج وظلت «دايه عائشة» تدمدم بزغاريد خافتة وتبتسم بتصنع. اقترب ضابط المفرزة بخطوات بطيئة، وأطل بوجهه من نافذة صابر قائلاً بلهجة ساخرة وابتسامة ماكرة:
شنو هاي الفرحة؟ منو هذا العريس البطل؟ لك يا عريس.. وين مستعجل ورايح؟ لأربيل؟ وشعندك هناك رايح تعرس؟ وزين، عروستك الكشخة وين راح تجيبها؟ تجيبها ليمنا بالمفرزة نتلقاها لو وين؟
غلى الدم في عروق صابر واستعد لرد حاد على هذا الاستفزاز، لكن والدته تداركت الموقف بفطنتها الأمومية وتدخلت لكسر التوتر قائلة:
يا سيدي.. هذا ابني الوحيد، أخذته ليرى عروسته، ولهذا ترى هذه الفرحة.
وعلت أصوات النسوة بزغاريد متوترة، حتى قالت إحداهن مداريةً الارتجاف: المرة القادمة إن شاء الله نزفك أنت يا سيدي الضابط!
أشاعت هذه الكلمات نوعاً من الهدوء المؤقت. التفت الضابط مجدداً نحو صابر متسائلاً:
يا صابر.. وين عروستك؟
فأجاب صابر بوقار وبرود: عروستي في أربيل يا حضرة الضابط.
فقال الضابط بتهكم: عريس فدائي!.. حلو. يصير نكون ضيوفك الليلة ونفرح وياكم؟
ابتسم صابر ابتسامة باردة دون أن يضيف حرفاً، وبعد لحظات تفرّس ثقيلة كالدهر، ضرب الضابط على جانب السيارة بيده وقال: يلا يا عريس.. روح، إن شاء الله نجي نصير ضيوف وياك.
تحركت السيارة ببطء، وما إن توارت السيطرة عن الأنظار حتى تنفس الجميع الصعداء وسط زغاريد دافئة خرجت من أعماق دايه عائشة.
وصلت الشحنة كاملة إلى نقطة التسليم بأطراف أربيل، وسُلّمت الأدوية إلى رفاق الجبل وكأنما بُثّت بها روح جديدة في أجساد المقاتلين المرابطين على القمم. وهنا حانت لحظة القرار؛ التفت صابر ورفاقه إلى أمهاتهم وقال:
دايه.. وصل الدواء، والآن حان موعدنا؛ لن نعود إلى بغداد، فدربنا من هنا يتجه صعوداً إلى الجبل.
لم تسقط دمعة خوف واحدة من عيني دايه عائشة، بل رفعت رأسها بعزة جبلية وقالت:
اذهب يا صابر.. اذهب واشدد قامتك؛ حتى أعود أنا إلى "ملا قره" وأرفع رأسي بين الناس وأقول بفخر: ابني أصبح بيشمركة! اذهب يا بني ولا تعد إلا مرفوع الرأس، فالأرض تنادي أحرارها.
تحول الخوف إلى فيضٍ من الفخر في وداع تاريخي، احتضنت فيه الأمهات أبناءهن عناقاً مقدساً تختلط فيه رائحة البارود بعرق التضحية، قبل أن يطلق الشباب سيقانهم صعوداً نحو المسالك الوعرة.
بلغ صابر ورفاقه القمم الحصينة حيث كانت ترابض قيادة الثورة، وهناك تجسدت أمنية العمر؛ إذ رأوا لأول مرة الجنرال مصطفى بارزاني. كان القائد بملامحه الصارمة، وزيّه الكوردي المتواضع، وعمامته المميّزة (الجامانة)، يجسد كبرياء أمة؛ يتحرك بين المقاتلين أباً ورفيقاً، يربّت على كتف هذا ويتفقد سلاح ذاك، وبصوت هادئ كجبال قنديل يغرس الثقة في النفوس.
في تلك اللحظة، شعر صابر أن كل المخاطر التي عاشوها في أزقة بغداد، وحيل التهريب، وألم الفراق، لم تكن سوى قطرة في بحر هذا النضال القومي العظيم.
ولم تكن تلك نهاية الحكاية، بل كانت السطر الأول في ملحمة التحاق جيل جامعي بحركة التحرر الوطني؛ فـ «ثورة أيلول» لم تكن حدثاً عابراً في الذاكرة، بل رواية كبرى كُتبت بالدم والكبرياء، وستظل أصداؤها تتردد في شموخ الجبال إلى الأبد.