د. سامان شالي
محلل سياسي واقتصادي
الخيار الرابع لوقف خفض قيمة الدينار العراقي
صرح رئيس الوزراء العراقي، السيد علي الزيدي، بأن حكومته تواجه ثلاث خيارات لتأمين دفع الرواتب وتجاوز الأزمة المالية، وهي: "فرض الادخار الإجباري 35% من الرواتب مع الاكتفاء بوعود للموظفين، أو صرف الرواتب كل 45 يوماً، أو اللجوء إلى الاقتراض وإغراق البلاد في الديون". كان من الأجدر برئيس الوزراء التحقيق في ميزانية السنوات الثلاث وكيفية تبديد أموال العراق، وطلب الحسابات الختامية لتلك الميزانية، قبل خفض قيمة الدينار العراقي. كما يتحدى رئيس الوزراء العراقيين إيجاد بديل لخُطته الرامية إلى خفض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار الأمريكي.
الجواب هو نعم؛ فالعراق يمتلك بدائل لخفض قيمة العملة، لكنها تتطلب إجراء تغييرات تتعلق بالإنفاق الحكومي، والاعتماد على النفط، والتوظيف في القطاع العام، وآليات مكافحة الفساد، وتنمية القطاع الخاص. وتتمثل المسألة الجوهرية فيما إذا كان بإمكان العراق تقليص عجز الموازنة وحماية احتياطاته من العملات الأجنبية دون تحميل المواطنين العاديين قدراً مفرطاً من التكلف.
وثمة تطور راهن ومهم يغير سياق هذه المسألة؛ فوفقاً لوكالتي "رويترز" و"أسوشيتد برس"، أقدم العراق في 7 أكتوبر 2026 على خفض قيمة الدينار، مغيراً بذلك هيكل سعر الصرف الرسمي من نحو 1300 دينار لكل دولار أمريكي إلى ما يقارب 1500–1520 ديناراً للدولار الواحد. وقد ربطت التقارير هذا القرار باضطرابات حادة طالت صادرات النفط والإيرادات الحكومية.
وهذا يعني أن السؤال بات ينطوي على شقين: ما هي البدائل التي كان من شأنها تقليل الحاجة إلى خفض قيمة العملة؟ وكيف يمكن للعراق الحد من الأضرار وتجنب المزيد من عمليات خفض القيمة مستقبلاً؟
1. لماذا يواجه العراق هذه المشكلة؟
إن هشاشة العراق المالية ذات طابع هيكلي إلى حد كبير، وليست مجرد مشكلة تتعلق بسعر الصرف.
الاعتماد على إيرادات النفط.
يشكّل النفط المصدر الأكبر لإيرادات الحكومة (90%). وعندما تنخفض الصادرات أو تتراجع أسعار النفط، تقل الموارد المالية المتاحة للحكومة لتغطية الرواتب، ومعاشات التقاعد والخدمات العامة والاستثمارات.
إنفاق عام مرتفع وغير مرن
تستحوذ الرواتب ومعاشات التقاعد والالتزامات المتكررة الأخرى على حصة كبيرة من الميزانية، مما يقلص هامش التحرك عند انخفاض عائدات النفط. ولذلك، يتعين على الحكومة خفض الرواتب بنسب تتراوح بين 5% و25%، لمدة سنتين الى أن تمر الأزمة وذلك على النحو التالي:
1. من مليون إلى مليونين دينار: خفض بنسبة 5%
2. من مليونين إلى 3 ملايين دينار: خفض بنسبة 10%
3. من 3 ملايين إلى 5 ملايين دينار: خفض بنسبة 15%
4. من 5 ملايين إلى 7 ملايين دينار: خفض بنسبة 20%
5. أكثر من 8 ملايين دينار: خفض بنسبة 25%
وستوفر هذه الاقتطاعات على الحكومة مليارات الدنانير.
الاعتماد على الواردات والعملة الأجنبية
يحتاج العراق إلى العملة الأجنبية لسداد تكاليف العديد من السلع والخدمات التي يتم شراؤها من الخارج؛ ولذلك، فإن عدم استقرار سعر الصرف قد يؤثر على الأسعار وعلى القوة الشرائية للأسر.
وقد حذّر تقييم صندوق النقد الدولي الصادر في يوليو 2025 من تزايد مواطن الضعف في الميزانية العراقية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن سعر النفط اللازم لتحقيق توازن الميزانية قد ارتفع من حوالي 54 دولاراً للبرميل في عام 2020 إلى ما يقرب من 84 دولاراً للبرميل في عام 2024. كما أوصى التقرير بضرورة إجراء إصلاحات مالية، وتعزيز الإيرادات غير النفطية، ودعم نمو القطاع الخاص.
2. ما هي البدائل المتاحة بدلاً من خفض قيمة الدينار؟
يمكن لهذه السياسات أن تعمل بالتوازي؛ إذ لا يُعد أي منها حلاً شاملاً بحد ذاته.
1. إصلاح الإنفاق العام وقوائم الرواتب الحكومية
• تدقيق ملف التوظيف في القطاع العام وإلغاء وظائف الموظفين الوهميين ووقف المدفوعات غير المبررة.
• ضبط التعيينات الجديدة وإصلاح الشركات المملوكة للدولة التي تعاني من ضعف الكفاءة.
• مراجعة العقود والمشاريع غير الضرورية مع حماية القطاعات الحيوية كالرعاية الصحية والتعليم والبنية التحتية.
• قطع رواتب المتقاعدين غير العراقيين، مثل المصريين والإيرانيين، والسوريين، والأردنيين، واللبنانيين. وفقاً لمؤسسة الشهداء، هناك 150 ألف باكستاني وأفغاني يتلقون مدفوعات تقاعدية يجب قطعها أيضاً.
• قطع رواتب المتقاعدين ويستثنى فقط الذين لديهم الخدمة القانونية حسب قانون التقاعد:
1. الرئاسات الثلاثة (رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان)
2. الوزراء
3. أعصاء البرلمان
4. وكلاء الوزراء
أهمية ذلك: يقلل من النفقات المتكررة دون الاعتماد على خفض قيمة الدينار كآلية أساسية للتصحيح الاقتصادي.
2. زيادة الإيرادات الحكومية غير النفطية
• تحسين عمليات التحصيل الجمركي والحد من التهريب.
• تحديث الإدارة الضريبية وسد الثغرات القانونية.
• تطبيق الإصلاحات الضريبية بشكل تدريجي، مع توفير تدابير حماية للأسر ذات الدخل المحدود.
أهمية ذلك: توليد إيرادات لا تعتمد بشكل مباشر على أسعار النفط العالمية.
3. تنويع الاقتصاد
توسيع نطاق الأعمال في قطاعات الزراعة، والتصنيع، والسياحة، والنقل، والتشييد، والتكنولوجيا. تحسين إمدادات الكهرباء وتسهيل الحصول على التمويل اللازم للأعمال، مما يتيح للشركات الخاصة النمو وتوظيف العراقيين.
أهمية ذلك: خلق فرص عمل خارج نطاق الرواتب الحكومية، وتأسيس مصادر جديدة للصادرات والإيرادات الضريبية.
4. تحسين الحوكمة المالية والنظام المصرفي
تعزيز الرقابة المستقلة، وشفافية المشتريات العامة، وإنفاذ تدابير مكافحة الفساد، وأنظمة الدفع الرقمي. وتيسير الوصول إلى التحويلات الدولارية المشروعة وتعزيز قدرة البنوك على تمويل الشركات. أهمية ذلك: يساعد في استعادة الثقة، والحد من التسربات المالية، وجعل نظام سعر الصرف الرسمي يعمل بفعالية أكبر.
5. الإدارة الحكيمة للتمويل وعائدات النفط والغاز
السعي المدروس للحصول على تمويل ميسّر وشفاف عند الاقتضاء؛ وإعطاء الأولوية للمشاريع الإنتاجية؛ وبناء احتياطيات مالية خلال فترات ارتفاع إيرادات النفط. وتحسين التخطيط لضمان عدم تحول صدمات النفط المؤقتة فوراً إلى أزمة في الميزانية.
إعطاء الأولوية للاستثمار الاستراتيجي في إنتاج الغاز المحلي العراقي لإنهاء الاعتماد على الغاز المستورد، مما يسهم في الحفاظ على احتياطيات العملة الأجنبية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي الوطني.
أهمية ذلك: يمنح الحكومة مزيداً من الوقت لتعديل الإنفاق والإيرادات دون اللجوء إلى تغييرات متكررة في قيمة العملة.
تتماشى هذه الخيارات مع التوصيات التي نشرها صندوق النقد الدولي بشأن العراق، بما في ذلك الضبط المالي، وإصلاح الضرائب غير النفطية، وإعادة هيكلة البنوك المملوكة للدولة، وتحسين الحوكمة، وتنمية القطاع الخاص.
3. ماذا يحدث عند خفض قيمة الدينار؟
يعني خفض قيمة العملة أن الأمر يتطلب كمية أكبر من الدنانير لشراء دولار أمريكي واحد. ورغم أن هذا الإجراء قد يزيد من قيمة الإيرادات الحكومية المقومة بالدولار عند تحويلها إلى الدينار، إلا أنه يرفع أيضاً تكلفة السلع المستوردة بالدينار.
على سبيل المثال، لنفترض وجود منتج مستورد افتراضي تبلغ تكلفته 100 دولار.
مقارنة توضيحية لسعر الصرف (باستثناء الضرائب والتكاليف الأخرى):
عند سعر 1,300 دينار عراقي للدولار الواحد
130,000 دينار عراقي
عند سعر 1,500 دينار عراقي للدولار الواحد
150,000 دينار عراقي
زيادة بنسبة 15.4% في التكلفة بالدينار
يدفع المستورد 20,000 دينار إضافي مقابل المنتج نفسه (الذي تبلغ تكلفته 100 دولار)، وذلك قبل احتساب النفقات الأخرى.
يُعد هذا المثال توضيحياً فقط، ولا يعني بالضرورة أن كل سعر بيع بالتجزئة سيرتفع بنسبة 15.4% بالضبط؛ إذ يعتمد الأثر الفعلي على عوامل عدة، مثل المنافسة، ومستويات المخزون القائمة، والدعم الحكومي، وهوامش الربح، ومدى انعكاس تغير سعر الصرف على الأسعار التي يتحملها المستهلكون.
التداعيات المحتملة على العراق
ارتفاع تكلفة المعيشة
قد تصبح السلع المستوردة - مثل الأغذية والأدوية والمعدات والملابس وغيرها - أكثر تكلفة. وتُعد الأسر ذات الدخل المحدود الأكثر عرضة للتأثر، نظراً لأن السلع الأساسية تستحوذ على جزء كبير من ميزانياتها.
انخفاض القوة الشرائي
إذا ظلت الرواتب ومعاشات التقاعد ثابتة بالدينار بينما ارتفعت الأسعار، فإن القدرة الشرائية للأفراد ستنخفض. وقد يكون أصحاب الدخل الثابت والمتقاعدون هم الأكثر تضرراً من هذا الوضع.
ارتفاع التكاليف على الشركات
تواجه الشركات التي تستورد المواد الخام أو الآلات أو السلع الجاهزة تكاليف أعلى؛ مما قد يدفع بعضها إلى رفع الأسعار، أو تقليص التوظيف، أو تأجيل الاستثمارات.
تأثير متباين على المالية العامة
تُترجم كل وحدة من إيرادات النفط (بالدولار) إلى كمية أكبر من الدنانير، مما قد يساعد في تمويل الإنفاق المحلي. ومع ذلك، تصبح تكلفة المشاريع العامة والمعدات والإمدادات المستوردة أعلى أيضاً.
لا يؤدي خفض قيمة العملة بحد ذاته إلى توليد إيرادات جديدة بالدولار.
احتمال تزايد الضغوط المتعلقة بالديون المقومة بالدولار
تصبح تكلفة سداد الديون والالتزامات المقومة بالدولار أعلى عند دفعها بالدينار؛ ويعتمد حجم هذا الأثر على الالتزامات الفعلية للحكومة بالعملة الأجنبية ومستوى الإيرادات المتاحة بالدولار.
تأثيرات غير مؤكدة على الاستثمار والنمو
يمكن لسعر صرف أكثر تنافسية أن يساعد بعض المصدرين والمنتجين المحليين على منافسة السلع المستوردة. غير أن اعتماد العراق على مدخلات الإنتاج المستوردة وعلى صادرات النفط يعني أن هذه الفوائد قد تكون محدودة ما لم تتحسن ظروف الإنتاج المحلي وبيئة الأعمال.
جاءت خطوة خفض قيمة العملة في ظل اضطرابات حادة في صادرات النفط. ولهذا السياق أهمية بالغة؛ إذ قد يخفف تعديل سعر الصرف من الضغوط الفورية على قيمة الإيرادات الحكومية المقومة بالدينار، لكنه لا يستطيع بمفرده استعادة أحجام الصادرات المفقودة أو معالجة اعتماد الميزانية الجوهري على النفط.
4. ماذا يعني هذا بالنسبة لمستقبل العراق؟
تُبيّن ثلاثة مسارات عريضة الخياراتِ المتاحة أمام صنّاع السياسات؛ وهي تمثّل سيناريوهاتٍ لا تنبؤاتٍ مستقبلية.
السيناريو (أ) - خفض متكرر لقيمة العملة دون إصلاحات هيكلية المخاطرة الرئيسية
تقوم الحكومة بتعديل سعر الصرف بشكل متكرر لمواجهة الضغوط المالية، في حين تظل التزامات الإنفاق والاعتماد على النفط دون تغيير يُذكر.
•تواجه الأسر ضغوطاً متكررة على الأسعار.
• تجد الشركات صعوبة في التخطيط والاستثمار.
• قد تتراجع ثقة الجمهور في السياسة الاقتصادية.
• تظل المشكلة الجوهرية في الميزانية دون حل.
السيناريو "ب" - الحفاظ على استقرار سعر الصرف دون إصلاحات
تحاول الحكومة الدفاع عن الدينار، لكنها لا تخفّض احتياجاتها التمويلية بما يكفي ولا تحسّن فرص الحصول على العملة الأجنبية.
• قد تتعرض احتياطيات النقد الأجنبي لضغوط.
• قد يواجه المستوردون صعوبات في الحصول على الدولار عبر القنوات الرسمية.
• قد تستمر حالات نقص التمويل، وتأخر المدفوعات، وتشوهات السوق الموازية.
إن الحفاظ على سعر صرف رسمي مستقر ليس أمراً مستداماً إلى ما لا نهاية إذا كانت السياسات الداعمة له لا تتوافق مع موارد النقد الأجنبي المتاحة وأوضاع المالية العامة.
السيناريو "ج" - استقرار سعر الصرف المدعوم بالإصلاحات
مسار الإصلاح الهيكلي
يعمل العراق على تحسين إدارة الميزانية، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتعزيز القطاع المصرفي، وتهيئة الظروف الملائمة لاستثمارات القطاع الخاص المنتجة.
• تصبح المالية العامة أقل تأثراً بالصدمات النفطية.
• يمكن أن يوفر القطاع الخاص المزيد من فرص العمل.
• يمكن لتدابير الحماية الاجتماعية الموجهة بشكل أفضل أن تحمي الأسر الأكثر احتياجاً.
• يمكن أن يستند استقرار الدينار إلى أسس اقتصادية أكثر متانة.
يتطلب هذا المسار وقتاً، كما يستلزم تنفيذاً يتسم بالمصداقية، ومساءلة عامة، وتعاوناً سياسياً.
5. ما هي الأولويات التي ينبغي للعراق التركيز عليها الآن؟
في أعقاب تعديل سعر الصرف الذي أُعلن عنه في 7 أكتوبر/تشرين الأول، تتمثل الأولويات العملية في الحيلولة دون تحول هذا التغيير في سعر الصرف إلى مصدر متكرر للتضخم وحالة عدم اليقين.
- حماية الأسر الأكثر احتياجاً: تعزيز المساعدات النقدية الموجهة وضمان استمرار إتاحة الخدمات الأساسية.
2. نشر خطة ميزانية تتسم بالمصداقية: توضيح كيفية معالجة الحكومة للعجز من خلال تدابير واقعية تتعلق بالإنفاق والإيرادات.
3. حماية الاستثمارات الإنتاجية: تجنب الاقتطاعات العشوائية في قطاعات الكهرباء والنقل والمياه وغيرها من مرافق البنية التحتية التي تدعم نمو القطاع الخاص.
4. استعادة الثقة في النظام المالي: تحسين فرص الحصول المشروع على العملة الأجنبية وتعزيز الرقابة المصرفية.
5. الحد من الاعتماد على النفط بمرور الوقت: وضع أهداف قابلة للقياس تتعلق بالإيرادات غير النفطية، والتوظيف في القطاع الخاص، والإنتاج المحلي. - وبالمثل، شدد صندوق النقد الدولي على أهمية التصحيح المالي، وحماية الفئات الأكثر احتياجاً، وتحسين توجيه الدعم الاجتماعي، وتنفيذ إصلاحات تعزز إمكانات النمو الاقتصادي في العراق.
الخلاصة
بإمكان العراق معالجة أزمته المالية دون الاعتماد على خفض متكرر لقيمة العملة، لكنه لا يستطيع تجنب عملية التكيف الاقتصادي الجوهرية. فإذا كانت عائدات النفط غير كافية لتغطية الالتزامات القائمة، يتعين على البلاد إيجاد مزيج مستدام يشمل تحسين تحصيل الإيرادات، ورفع كفاءة الإنفاق، والتمويل المسؤول، وتعزيز القدرة الإنتاجية.
صحيح أن خفض قيمة العملة قد يوفر انفراجه مالية قصيرة الأمد في ظل ظروف معينة، إلا أنه قد يؤدي أيضاً إلى تآكل القوة الشرائية، وارتفاع تكاليف الأعمال، وتقويض الثقة؛ إذ يعتمد تأثيره طويل الأمد على الإجراءات التي تتخذها الحكومة بالتزامن معه.
وعليه، فإن التحدي الرئيسي الذي يواجه العراق لا يقتصر ببساطة على اختيار سعر الصرف، بل يكمن في بناء موازنة عامة واقتصاد إنتاجي قادرين على الصمود أمام انخفاض عائدات النفط دون تحميل المواطنين الأعباء بشكل متكرر.